العربية  

books saffron

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

السفور (Info)


ذكر العقاد في جريدة آخر ساعة بتاريخ 11 يوليو 1943، أن السيدة نبوية موسى كانت تزور الأستاذ «داود بركات» في صحيفة الأهرام. وأنه جلس معهما في مكتب واحد يتَّسِع في بعض الأحيان لخمسة أو ستة من الزوار. ويضيف بأنه لا يذكر أنها خاضت قطُّ في حديث من أحاديث السياسة التي كانت تشغل الأذهان كلها في تلك الأيام، وإنما كان شاغلها الأكبر حديث الرجل والمرأة في الحياة العامة والخاصة، وكانت تطيل المقارنة بين الرجال والنساء، وتقيم الدليل تلو الدليل على أن الرجل هو أضعف الجنسين عقلًا وأقصرهما باعًا وأقلهما حيلة! ومن أدلتها التي كانت تكررها لإثبات هذا الرأي أن الرجل والمرأة يأكلان الحلوى معًا، ولكن الرجل هو الذي يؤدي الثمن وحده وهو طائع، فلماذا يصنع ذلك لولا أنه هو المخدوع المغلوب الذي يسخَّر لقضاء مآرب المرأة من قديم العصور؟ ويقول أنها لما أكثرت من تكرار هذا الدليل قال لها مرة: بل أقدر من الرجل والمرأة معًا طفلهما الصغير، فردت: وكيف ذلك؟ فقال العقاد لأنهما يعطيانه الطعام ويقدمان له الدواء ويرشوانه بالدراهم أحيانًا ليُقْبل على الأكل والعلاج! فقهقهت نبوية حينما سمعت ذلك وقالت ضاحكةً: "هذا قياس مع الفارق!" كانت تقول نبوية أن أحاديث الرجال «وقلة عقولهم»؛ لأنهم يقعون في حبائل المرأة، ولا يعرفون لها جمالًا غير جمال الأجسام دون جمال العقول.

ولهذا الإطناب الدائم في العقل ورجاحة العقل ونقصان العقل يدل أن عند نبوية موسى هو كل شيء، وأنها هي أيضًا قد أصبحت عقلًا كلها؛ فلا يهمها الثناء على الوجوه بعد الثناء على الرءوس، ولا تبالي ما تباليه بنات حواء جميعًا من تحية المحاسن وتقريظ الجمال. فما هي إلا أيام حتى كانت السيدة نبوية مرة أخرى بمكتب الأهرام، وكان من زواره في ذلك اليوم الشيخ عبد ربه مفتاح، ودارت المناقشة في الحجاب والسفور، فطال الأخذ والرد بين داود بركات وموسى بغير أمل في الانتهاء إلى نتيجة؛ هي تؤيد السفور وهو بطبيعة الحال يؤيد الحجاب، وقبل أن يهم بالانصراف فاجأها قائلًا: ولكن بعد كل هذا أريد أن أسألك يا سيدة نبوية لمن تطلبين السفور؟ إن كنت تطلبينه لك أنت دون سائر النساء فأنت بحكم الشريعة في حل منه؛ لأن المانع من السفور هنا ممنوع! فاغتصبت ضحكة هازئة، وسكتت عن موضوع الحجاب والسفور هنيهة، ولكنها لم تترك مفتاح ينصرف حتى عادت إلى ذكريات الدراسة الأولى، وبدأت في حكاية يفهم منها بركات أنها — بحكم الشرع — لا يحل لها السفور؛ لأن بعض المفتشين رآها يومًا فأثنى على عينيها، وصافحها فأثنى على جمال يديها، وكانت مناسبة الحديث — أو المقصود من هذه الحكاية كما يقولون — أن بعض المفتشين لا يُؤتَمَنُون على تعليم البنات، ولم تكن المناسبة تصحيحًا للآراء في محاسن العيون والكفوف.

ويقول العقاد، أيقنت في تلك اللحظة أن المرأة هي المرأة وإن بدا لك من لسان حالها ولسان مقالها أنها أزهد الناس في تحية جمال من ألسنة الرجال.

Source: wikipedia.org