If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
أغلقت سفارات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وتركيا وهولندا واليابان ودول أخرى سفاراتها في اليمن ومعظم بياناتهم شددت على تدهور الوضع الأمني. السفيرة البريطانية قالت أن بلادها لا تستطيع التعامل إلا مع سلطة شرعية. الصين وروسيا نفوا أنهم بصدد إغلاق السفارات وقالت الخارجية الروسية أن الضغط الخارجي غير مجدٍ. وعرقل الروس صدور قرار من مجلس أمن الأمم المتحدة بناءً على طلب سعودي عبر مجلس التعاون. ولكن مجلس أمن الأمم المتحدة وبالاجماع، وافق على ماتقدم به مجلس التعاون لاحقًا بعد تعديلات على البيان وطالب الحوثيون بالانسحاب ورفع "الاقامة الجبرية" التي كانت مفروضة على عبد ربه منصور هادي والوزراء. بعد هروب عبد ربه منصور هادي إلى عدن في 21 فبراير 2015، أعادت دول مجلس التعاون الخليجي فتح سفاراتها في المدينة، لم تفتحتها الولايات المتحدة قائلة أنها تخشى تفسير موقفها بأنه دعم لإنفصال جنوب اليمن. إغلاق السفارات كان بدوافع سياسية أكثر من كونها أمنية، وتم وفق "جهود مشتركة" وفق التصريح السفارة الإيطالية في خطوة للضغط على الحوثيين وإظهار إستنكار المجتمع الدولي لإستيلائهم على السلطة بالقوة وبغض النظر عن فشل اليمن التاريخي على الصعيد الدبلوماسي، فراغ السلطة الذي تسبب به الحوثيون مبرر إضافي لتعامل المجتمع الدولي مع السعودية على أي سلطة أمر واقع قائمة في اليمن، ونتائج ذلك ليست إيجابية نظرًا لطبيعة الأهداف السعودية في هذا البلد.
السياسة الخارجية هي إستراتيجية الحكومات في التعامل مع الحكومات والبلدان الأخرى بما يحفظ ويحقق مصالح الأمة. هي حالة مختلفة في اليمن، فالطبقة السياسية اليمنية الإسلامية وتلك الغير آيديولوجية المتمحورة حول شخص علي عبد الله صالح، وجدت على الأرض برعاية سعودية ولذلك فشل اليمن تاريخيًا في التعامل مع المجتمع الدولي، الذي يتعامل مع البلاد من خلال السعودية، بدرجة كبيرة. السبب في ذلك هم اليمنيون أنفسهم، 50 سنة من التمويل السعودي لفصائل قبلية ودينية بغرض إضعاف الحكومة المركزية، كان ولا يزال يُتعامل معه محليًا كأمر عادي وضمن سيرورة طبيعية للتاريخ ولما ينبغي أن تكون عليه الأمور. هناك ثلاث حقائق بشأن السياسة الخارجية لليمن:
مؤيدي النفوذ السعودي في اليمن، وهم ليسوا حكرًا على حزب التجمع اليمني للإصلاح، لديهم أسباب مختلفة يفسرون من خلالها هذا النفوذ. حزب التجمع اليمني للإصلاح وقواعده مدفوعون دينيًا وعقيدتهم وجدت مكانها بسبب النفوذ السعودي والحزب هو القناة الأهم وإن لم تكن الوحيدة لتدفق هذا التأثير. بالنسبة لهولاء، فالسعودية "دولة إسلامية تدعم السنة" وبالتالي ما من داع لوجود الحساسيات بين البلدين. هذا الطرح يمتزج مع فرضيات تروجها فصائل أخرى عن دعم سعودي للإقتصاد اليمني، وعن وجود علاقات إثنية مفترضة، وكذلك وجوب إدراك أن اليمن يشكل جزءاً من المنظومة الأمنية للمملكة السعودية، ولمجلس التعاون الخليجي بصورة أوسع. يشيرون إلى بلادهم كـ"حديقة خلفية" وقد يختلفون في تقييمهم للتمويل السعودي لمجموعات قبلية، فهناك من يراها بأنها حالة طبيعية وربما إيجابية تعكس التقارب الإثني المفترض، وآخرون يرونها ضريبة يمكن التغاضي عنها طالما أن المملكة السعودية تدعم الاقتصاد ولها مشاريع خدمية. فنفوذها في اليمن جزء من تكامل إسلامي وعربي وله جوانب مشرقة وإن شابته بعض السلبيات، فـ"لا توجد سيادة وطنية وأصبحت مفهومًا نسبيًا في العالم". هذا هو السرد الغالب على طرحهم وفي المقابل، هناك قراءة أخرى لهذه النقاط الغالبة على أطروحاتهم :
الدستور اليمني والقوانين تجرم إستلام أي فصيل سياسي شخصيًا أو باسم الأحزاب وأجزائها المختلفة، للأموال من دولة أخرى، ويشمل ذلك الإعلاميين. صحيح أنه لم يكن للقانون اليد العليا في اليمن، ولكن مؤيدي النفوذ السعودي لم يقترحوا تجاهله أو تعديله بما يشرعن السلوكيات التي يدافعون عنها في أطروحاتهم.
اليمن بلد متنوع ثقافيًا ودينيًا، هذا التنوع قد يكون مصدرًا للثراء أو للاضطرابات والمشاكل ما حاول أحدهم فرض نفسه على الآخر. الوهابية عقيدة دينية سعودية، وقد يكون أحد الأمور القليلة التي التقى فيها اليمن مع المجتمع الدولي، فتمويل السعودية لمجموعات قبلية لم يحدث إشكالًا سوى لليمنيين أنفسهم ولكن دعم الوهابية كان له تداعيات أوسع، فهي المسؤول الأول عن ظهور الإسلام الراديكالي المسلح في البلاد. من نتائج التبشير السعودي محليًا، إستفزاز الزيدية وتشكل ظواهر سلبية مضادة مثل جماعة الحوثيين، القضاء على أي إرث شافعي في الذاكرة الجمعية، ومقاومة كافة محاولات تحديث بلد شديد التخلف أصلًا ثقافيًا وسياسيًا وإقتصاديًا، فالانتقال من ثيوقراطية الإمامة الزيدية إلى الوهابية قد لا يلتقي مع المعايير المتعارف عليها للتقدم الثقافي والسياسي.
السيادة ليست مفهومًا نسبيًا ولكنه متغير، يبقى ثابتًا أنه ممارسة السلطة العليا داخل منطقة جغرافية ضمن كيان اعتباري غير مادي تمثله حكومة مركزية، لها سكان دائمين، أرض محددة، والقدرة على الدخول في علاقات مع الدول الأخرى، ليست معتمدة ولا خاضعة لدولة أخرى ولديها سيطرة محكمة على شؤونها الداخلية. النقاشات التي تجادل بتغير المفهوم تتمحور حول تشكل مرجعيات ومعايير دولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، البنك الدولي، عولمة الاقتصاد وإنتشار الشركات متعددة الجنسيات وإلى حد ما، إنتشار قيم الديمقراطية الليبرالية على حساب تقاليد مجتمعية معينة. تمويل ميليشيات قبلية وإستلام أحزاب وشخصيات سياسية للمال من دولة أجنبية بغرض التأثير على القرار السياسي لا يندرج ضمن هذه المناقشات والجدالات ولا توفر مسوغات منطقية لها، وتُعرف عند باحثي السياسة اليمنية بأنها إنتهاك وعرقلة للسيادة. بمعنى عدم قدرة الدولة على ممارسة سلطاتها داخل أراضيها. فشبكة المحسوبية التي أنشأتها السعودية داخل اليمن أضعفت الدولة، وجعلتها تتتمتع بنفوذ يسمح لها بالتأثير على الأحداث بدرجة مساوية أو أكبر من الحكومة اليمنية نفسها.
في أكثر من مناسبة، الأمم المتحدة وحتى سفراء العديد من الدول كانوا يحثون الأطراف السياسية على معالجة مشاكلهم والتوقف عن التعويل على الخارج، والتسجيلات لإتصالات حميد الأحمر وجمال بنعمر أظهرت أن الأخير حدد حزب التجمع اليمني للإصلاح. الثقافة السياسية السائدة والقائمة على الزبائنية قد تكون عائقًا أمام إستيعاب مفاهيم مثل سيادة القانون والدولة القومية والسيادة والسلامة الإقليمية، الثابت هو أنه وإذا لم يستطع اليمنيون إيجاد حل لمشكلاتهم، فليس بإمكان أحد أن يفعل شيءًا من أجلهم.
في 14 ديسمبر 2015 أصدر المرصد الأورمتوسطي تقرير بالتعاون مع التحالف اليمني لحقوق الإنسان (تحالف رياح السام)، عن حالات الاختطاف في اليمن على يد ميليشيات الحوثي والمجموعات المسلحة الموالية للرئيس"صالح "، وما يتبعها من انتهاكات كاستخدام المختطفين دروعًا بشرية أو إخفاؤهم قسريًا، في المدة منذ تموز (حزيران) 2014 م، ويعتبر أول تقرير يتناول قضية الاختطاف والإخفاء القسري في اليمن.
التقارب الإثني المفترض يتطلب مراجعة عدة مفاهيم ومقارنتها بحالات مشابهة حول العالم. اليمنيون كمجموعة ثقافية وإثنية، موجودة ومعرفة منذ فترة طويلة قبل تأسيس الجمهورية وقبل المملكة السعودية، لذلك محاولات السعودية إيجاد علاقة أبوية مع اليمن، أو تصوير سياستها كذلك، كانت دائمًا وأبدًا تتعرض لمقاومة ورفض مجتمعي. الدول المستقلة التي تجمعها إنتماءات إثنية مشتركة، غالبًا ما تتجاوز التباينات الدينية والآيديولوجية وعلاقاتهم قائمة على إحساس طبيعي غير مصطنع ولا يخضع للتوظيف السياسي أنهم شعب واحد، مثل علاقات تركيا بأذربيجان مثلاً. كون الأتراك بأغلبية سنية لم يؤثر على علاقتهم بالآذريين الشيعة لإنهم جميعًا ترك، لم تتأثر العلاقات بحقيقة أن أذربيجان كانت دولة ضمن الكتلة السوفييتية وتركيا مع حلف الناتو. السعودية تعرف عن نفسها كدولة وهابية وتعمل جاهدة على إيجاد قطبين سني وشيعي في هذا العالم، تمثل هي أهل السنة والجماعة وتمثل إيران الشيعة، مع تجاهل كافة التباينات والتنوع الموجود تحت هذان التصنيفان.
في بلد متنوع ثقافيًا ودينيًا، من شأن أي ضغوط ثقافية من هذا النوع أن تخلق إضطرابات وشروخ مجتمعية عميقة، الوهابية ليست آيديولوجية سياسية أو إقتصادية يمكن إستعارتها أو تبنيها والتكامل معها هو تقويض لأي مستقبل يمني ببناء دولة ديمقراطية. هناك جوانب أخرى تفند هذه الفرضية كذلك، مثل حقيقة أن القومية العربية حوربت سعوديًا بـ"عالميتها الإسلامية"، مذكرات الرئيس آيزنهاور تشير كيف فكرت الولايات المتحدة في بناء صورة ملوك السعودية كـ"مراجع روحية" لمواجهة سياسات جمال عبد الناصر العدوانية. وتعاونت مع إسرائيل خلال الحرب الأهلية في الستينات لتوفير الإمدادت الجوية للمرتزقة والمقاتلين الملكيين، وهو ما أكده كل من شبتاي شافيت وأرييل شارون بعد ثلاثة عقود من توقف الحرب. المسألة ليست تقييم لخطأ أو صواب أو مبرر لسياسات عدوانية إتجاه إسرائيل، فهي كانت في حرب مع مصر ورأتها فرصة لإستنزاف المصريين ولم يهتموا لطبيعة النظام في اليمن. الفكرة هي أن القومية العربية لم تكن يومًا ما عاملًا مهمًا في سياسة السعودية بقدر "مصالحها"، قيادتها السياسية براغماتية وبامكانها التنقل من معسكر لآخر متى أرادت، أمرٌ قد لا يكون واضحًا لزبائن السعودية في اليمن والإصلاحيين منهم تحديداً.
القومية العربية آيديولوجية سياسية وليست إنتماءً إثنيًا، لإنها لو كانت لعرّف المسيحيون فيما يسمى بالعالم العربي أنفسهم كعرب تلقائيًا، ولكن معظمهم لا يفعلون. عدا حقيقة أنه ومنذ إنحسار القومية العربية في السبعينيات، تحولت إلى مجرد توظيف دعائي عند الحاجة وفي حالة اليمن، يمكن إستعمالها لتبرير الإرتزاق السياسي. هذا ليس نفيًا بأن اليمن ينتمي تاريخيًا لمنظومة ثقافية متقاربة بين شعوب المنطقة أو يقترح عدم وجود مصالح مشتركة، ولكن لديه قوميته الخاصة، لديها أفكارها وظروفها فوفقا لفريد هاليداي، ما يميز القومية اليمنية أنها لا تعتبر تاريخها قبل الإسلام جاهلية، والصراعات ومشاكل الحدود وعوامل أخرى كلها امتزجت، بقدر قليل من التبسيط، لتشكل عدوًا قوميًا رئيسيًا لليمن هو السعودية، نقلا عن هاليداي. ذلك لإن القومية العربية تشكلت خارج الجزيرة العربية خلال الحرب العالمية الأولى وكانت تهدف إلى مقاومة عدو إستعماري ينتمي لمنظومة ثقافية ولغوية مختلفة، بينما كانت شبه الجزيرة العربية تحوي دولًا مستقلة اشتبكت في سياسات وصراعات بينية مدفوعة وطنياً.
التماهي مع التوظيف الدعائي للقومية العربية كلف البلاد الكثير وأثر على مصالحها الحقيقية مع الدول المطلة على البحر الأحمر والقرن الأفريقي. أخيرًا، لو كان للتقارب الإثني المفترض دور في السياسات، لكان اليمن عضوًا في مجلس التعاون الخليجي، ولما أُعتبروا مرتبة وضيعة إجتماعيًا في نظر السعوديين، حتى على مستوى المنضمين للتنظيمات الارهابية. صحيفة الجيروسلم بوست الإسرائيلية كتبت إذا كان هناك أي شيء يرمز إلى العلاقات بين اليمن والسعودية هي مسألة الـ"زواج السياحي" التي انتشرت في محافظة إب بوسط البلاد.
ومن الفرضيات بشأن النفوذ السعودي في اليمن هو أن البلاد تشكل جزءاً من المنظومة الأمنية للسعودية. هذا الطرح صحيح جزئيًا فهناك حدود مشتركة، ولكنه لا يفسر الاقدام السعودي على تمويل مجموعات قبلية لإضعاف الحكومة المركزية، فلا منطق في الحرص على أمن السعودية والأمن اليمني مجرد ورقة مقايضة في يد المملكة. الرئيس إبراهيم الحمدي أبرز الأمثلة وأوضحها. عقب إنقلابه الأبيض على الرئيس الضعيف والغير فعَّال عبد الرحمن الإرياني، حرص الحمدي على علاقات طيبة مع السعودية وأول زياراته الخارجية كانت للرياض. السبب الذي جعل السعودية لا تعارض إنقلاب الحمدي على الإرياني، هو أن الأخير ورغم ضعفه، حاول عام 1973 أن ينظم الفوضى المتمثلة بتعيين مسؤولين غير أكفاء بسبب إنتماءاتهم القبلية أو الأسرية، فأقال عبد الله الحجري من رئاسة الوزراء وعين حسن محمد مكي مكانه الذي أعاد بحث مشروع الوحدة اليمنية، أعاد تشكيل الحكومة بحيث فاق التكنوقراط أعداد القبليين، وبدأ عملية إعادة هيكلة النظام القضائي والمالي والعسكري.
كلها سياسات لا علاقة لها بـ"أمن السعودية" ومع ذلك، رأت أن إنقلاب إبراهيم الحمدي أمرٌ إيجابي لمجرد أنه تظاهر بعدائه لحسن مكي، فأقال الأخير وعين قبليًا يدعى محسن العيني. توسطت السعودية بين إبراهيم الحمدي وزعامات قبلية، بغض النظر عن الإشكال الواضح في توسط دولة أجنبية بين رئيس ومواطنيه، هي لم تكن طرفًا محايدًا فبرغم توسطها أبقت على إستمرار تدفق الأموال إليهم لإنها تراهم ورقة مساومة. فور ظهور بوادر استقلال إبراهيم الحمدي، هرعت السعودية لدعم عبد الله الأحمر وأضرابه. لم يهدد إبراهيم الحمدي السعودية، تخلص من أعدائه وحاول إنهاء تعدد اللاعبين وتقوية الحكومة المركزية، فأنشأ مؤسسات عديدة مثل هيئات التطوير التعاوني والهيئة العليا لمكافحة الفساد والهيئة العليا للانتخابات، وكلها محاولات من جانبه لإضعاف نفوذ مشايخ القبائل. فأعلنوا عام 1977 "الجهاد ضد إبراهيم الحمدي الشيوعي والكافر".
الحمدي لم يكن "يسارياً" أي كان يعني ذلك، ولم يرد مواجهة عبد الله الأحمر بقدر ما عمل على كسب الدوائر الانتخابية في شمال صنعاء بمشاريع التنمية والخطابات الوطنية عن ضرورة الوقوف بجانب الحكومة المركزية. أُغتيل عام 1977 لإنهم لم يريدوا مواجهة مباشرة معه نظرًا لشعبيته قبل يوم واحد من زيارته لعدن لبحث الوحدة مع الرئيس سالمين. فهذه أمثلة تظهر أن المسألة الأمنية وإن كانت منطقية بسبب وجود الحدود المشتركة، فهي ليست بأهمية إبقاء اليمن تابعًا بمؤسسات ضعيفة وسيادة محدودة عرضة للمقايضة والمساومة والابتزاز. إذ تبقى مسائل الديمقراطية، الاستقلال السياسي والإقتصادي، صعود القومية في اليمن عوامل توتر وإضطراب للسعودية.
الإقتصاد اليمني ضعيف، متخلف، ويعاني من مشاكل هيكلية. اقتصاد مرهون لشبكة معقدة ومتداخلة من النخب التي تتحكم في صناعة النفط والواردات والتجهيز، والتعبئة والتغليف وتوزيع السلع، وهذه النخب عناصر أساسية من أزمة البلاد. الطبقة المتوسطة تنفق أكثر من نصف دخلها على أساسيات مثل الماء والكهرباء والغذاء. مؤيدي النفوذ السعودي يشيرون إلى هذه النقطة وهي أن اليمن بلد فقير والسعودية تدعمه إقتصاديًا، وبالفعل، المساعدات الإقتصادية السعودية ساعدت على الاستقرار الاقتصادي عدة مرات. ولكن هذه النظرة قاصرة ولا تسلط الضوء على جوانب أخرى من المسألة، أهمها أن اليمن وبرغم "المساعدات"، لا يزال من الدول الأقل نماءً في العالم. مقارنة بدول أخرى لا تملك نفس الموارد الطبيعية ومرت بحروب أهلية وتمكنت خلال فترات قياسية لا تتجاوز الـ20 عامًا من الاصلاحات الهيكلية والدعم الخارجي من تحسين أوضاعها المعيشية وتوقعاتها الاقتصادية بشكل مطرد، يسمع اليمنيون عن دعم إقتصادي منذ 50 عامًا، وهو ما يعني أن هناك أمرًا ليس صحيحًا تمامًا.
هناك أولويات للاقتصاد، على المدى القصير، يجب تعزيز الاستدامة المالية، وتشجيع النمو المرتفع والشامل. وإعادة توجيه الميزانية بتحسين الامتثال الضريبي وتخفيض أو رفع الدعم عن المشتقات النفطية، وتحسين الوساطة المالية والرقابة المصرفية. على المدى المتوسط، هناك تحديات تحقيق النمو المرتفع وخلق فرص العمل، وتنويع هياكل الإنتاج والتصدير، خفض الدين العام، معالجة أوجه القصور في تكرير وتسويق النفط، توليد الكهرباء، وشركات الدولة بشكل عام، تحسين بيئة الأعمال، وتبني سياسة نقدية حكيمة لتمويل استثمارات القطاع الخاص، وإجراء تحسينات جذرية في الحوكمة والشفافية. لا يمكن مواجهة هذه التحديات واليمن في أحسن حالاته دولة هشة على حافة الفشل، ولكنها ليست فاشلة تمامًا، متهادٍ ربما الكلمة الأدق للوضع الذي تفضله المملكة السعودية ووجهت سياستها لتحقيقه.
المساعدات الاقتصادية غالبًا ما تكون إجراءات مؤقتة، لإنها لا تساعد على تحقيق نمو متواصل على المدى البعيد. فالدعم الاقتصادي السعودي لم يكن يهدف لتحقيق النمو بل لمنع استقلال اليمن سياسياً. إكتشاف النفط في مأرب[؟] عام 1984 ساعد في عملية توحيد اليمن كثيرًا ومكنته من تجاوز الضغوط السعودية المفروضة عليه لمنع تحقيق الوحدة، ودفعت السعودية لإلقاء منشورات تحذيرية للشركات النفطية من التنقيب عن النفط في محافظة الجوف، وتوزيع جوازات سفر سعودية لسكان المناطق الصحرواية النائية بحضرموت لتدعي أنها جزء من أراضي المملكة، وادعت أن المناطق النفطية في شبوة ومأرب[؟] جزء من أراضيها عام 1986 لعرقلة قيام الوحدة، واحتلت جزيرة الدويمة عام 1998 وتفاوضت على حق اليمن في التنقيب تحت الماء، وتحرض قبليين على ضرب أنابيب النفط في مأرب[؟] والجوف منذ عام 1998. بالتأكيد، لأولئك القبليين مصالحهم الخاصة ولكن، هذا لا يأتي بمعزل عن التمويل السعودي لهم لعرقلة الحكومة المركزية عن فرض سيطرتها على تلك المناطق.
مخزون اليمن من النفط والغاز ليس كذلك المتوفر في الدول المجاورة له، ولا يشترط أن يكون لتحقيق الأهداف الاقتصادية، ولكنه أعلى بمراحل من دول أخرى ويكفي للاستهلاك المحلي والتصدير، فالمشكلة الحقيقية سياسية وإجتماعية والتي تلقي بظلالها على منسوب الأمن في البلاد. لذلك، الحديث عن دعم إقتصادي سعودي مع تمويل لميليشيات قبلية بغرض منع الحكومة من ممارسة سيادتها الكاملة على أراضيها، قد لا يكون منطقيًا لإن ضعف الدولة سياسيًا سينعكس طبيعيًا على أدائها الاقتصادي.
يشيرون كذلك للعمالة اليمنية في السعودية وبما أن السعودية تستضيف ما يقارب مليون عامل، فهذا أكبر الأمثلة الدالة على "عمق العلاقات" و"أواصر القربى" إلى آخر ذلك من التعابير المستخدمة. في الحقيقة، معاملة العمال اليمنيين كانت أحد أهم الأسباب خلف كراهية السعودية في اليمن، لأن معظم اليمنيين لديه خلفية بسيطة وصورة غير مكتملة عن الجانب المتعلق بتمويل زبائن سياسيين وقبليين، وغالبًا ما يكون ردهم باستدعاء "الأخوة الإسلامية" و"مراعاة الجوار". منذ التسعينات واليمنيون يطالبون دول مجلس التعاون الخليجي ضم بلادهم مستعملين ادعاءات "التقارب الثقافي والديني والجوار"، فمُنح اليمن عضوية مراقب عام 2001 وفي عام 2011 طلبت السعودية من الأردن والمغرب الانضمام للمجلس. على الصعيد المجتمعي، 18% من سكان دول المجلس موافقون على انضمام اليمن. السبب الرئيسي لعدم فعالية مناشدات "الأخوة الإسلامية والعربية"، أن دول المجلس تبحث عن عمالة غير مسيسة لذلك يفضلون العمالة الآسيوية، فكل مظاهر التسيس في تلك المجتمعات مردها عمال أجانب يتحدثون العربية وقد يكونون مؤدلجين سياسيًا، كما أن مناشدات تفضيل العمالة اليمنية ليست منطقية لإن اقتصاد السوق قائم على العرض والطلب ولا يمكن للحكومات أن تفرض على الشركات توظيف جنسية معينة أو تحديد نسب توظيف خاصة وهم يعانون مع هذه الشركات لتوظيف مواطنيهم.
هناك تداعيات سلبية لهذه العمالة، فمع إستثناء التواصل التجاري لحضرموت بجنوب شرق آسيا والهند، اليمنيون لم يهاجروا بهذه الأعداد إلا بعد إنهاكهم في الحرب الأهلية في الستينات. مع إرتفاع عائدات النفط في السبعينيات، تزايد الطلب السعودي للعمال وبلغ عدد اليمنيين قرابة 1.4 مليون عامل عام 1981 من أصل 6 ملايين يمني حينها. هذا النزوح يترك الحقول الزراعية فارغة لهجرة المعيل، فيتزايد الضغط على الأطفال والنساء والمسنين للعمل وهو ما سيؤدي لرداءة وضعف الإنتاج إن توفر أصلًا، مما يضطر الدولة أو المؤسسة لإستقدام عمالة أجنبية لتسد الفراغ الذي أحدثته هجرة عامل قروي غير مدرب.
هجرة العمالة أدت إلى إرتفاع معدل الأجور اليومي لعمالة رديئة، وتركت عائلات بأكملها في الأرياف تعتمد على ما يرسله لها معيلها المهاجر. يقضي العامل ثلاث أو خمس سنين وربما أكثر، ثم يعود إلى اليمن ويصرف مدخراته التي جمعها خلال الاغتراب على السلع الاستهلاكية أو الاستثمار في أرض، سيارة أجرة أو افتتاح متجر. ولكن كمية الأراضي محدودة وكلفتها مرتفعة على نحو متزايد وبامكان الدولة أن تدعم عدد قليلًا من المتاجر. بسبب محدودية الاستثمار وإرتفاع معدل الواردات، تتزايد معدلات التضخم[؟] بنسب 70-80% سنوياً. ومن أكبر سلبيات هذه الظاهرة على النمو الداخلي هو الاعتماد المتزايد على السلع المستوردة حيث وصلت إلى ما نسبته 90% من مجمل الأغذية في اليمن. إستيراد المواد الغذائية، فضلا عن كونه أكبر قطاعات الأعمال في البلاد، قلل من الحاجة إلى توظيف العمالة الزراعية، إنشاء قطاع إنتاجي محلي قوي، وبناء نظام توزيع فعَّال. وطالما أن باب الهجرة مفتوح، مامن حاجة للعامل لتطوير تقنياته الزراعية فلا زال معظم المزارعين في اليمن يعتمدون على وسائل بدائية للحراثة.
الاعتماد على التحويلات يخلق بيئة إقتصادية هشة ومتقلبة، فالتحسن في ميزان المدفوعات بسبب التحويلات يكون هشًا للغاية عندما يتم استخدام التحويلات لملئ فجوة في الميزان التجاري، فلا يمكن تغيير أنماط الإستهلاك بسهولة ويكمن الخطر في حقيقة أن الدخل الناتج عن التحويلات متقلب وغير مستدام، غالبًا لظروف سياسية في حالة اليمن. النمو الهائل لمعدلات الاستهلاك الشخصي يؤدي لتدهور الميزان التجاري ما لم يقابل الطلب المتزايد باستجابة من المنتجين المحليين، وإلَا فإن الطلب المتزايد سيعبر عن نفسه عبر الضغوط التضخم[؟]ية. بشكل عام، الهجرة أدت إلى شح العمالة، إرتفاع معدلات التضخم[؟]، إرتفاع تكاليف الإنتاج بما يحد من جدوى الإنتاج المحلي، الاعتماد على الواردات وتزايد العجز في الحساب الجاري، وكلها من أكبر مهددات التنمية.
هناك جوانب إجتماعية كذلك مثل تعميم مظاهر ثقافية سعودية في اليمن، لم يقدم حزب التجمع اليمني للإصلاح على فرض الفصل بين الجنسين في المدارس العامة عام 1994 إلا بعد طرد هولاء العمال من السعودية، انتشرت العباءة السوداء والنقاب حتى بين الزيدية، وأصبح من السهل إلقاء اللوم لكل مشاكل اليمن على "الابتعاد عن الإسلام الصحيح". فهناك شروط إجتماعية للتنمية الاقتصادية، والطريقة التي يعمل ويفكر بها مجتمع ما مهمة في تحديد إزدهاره إقتصاديًا من عدمه.