If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كان سُكَّانُ المغرب قُبيل الفتح الإسلامي عبارة عن خليطٍ عرقيٍّ أفريقيّ - أوروپي بالمقام الأوَّل، وآسيوي بِدرجةٍ أقل. فأهلُ المغرب الأكثر عددًا وانتشارًا كانوا البربر أو الأمازيغ، وهؤلاء قومٌ من أُصولٍ إيبيروموريسيَّة بِحسب الظاهر، ويبدو أنهم استوطنوا أفريقيا الشماليَّة مُنذ حوالي 10,000 سنة ق.م. وقد انقسم هؤلاء إلى عدَّة قبائل يصعب رسم خريطة دقيقة لِتوزُعها في بلاد المغرب في العُصور الإسلاميَّة الأولى لأنَّ الكُتَّاب الأوائل لم يهتموا بإعطاء المعلومات التفصيليَّة عن القبائل وتوزيع مواطنها، بل تكلَّموا عنها بِشكلٍ عام. كما أنَّ المُتأخرون الذين جمعوا هذه المعلومات وأضافوا إليها أخبارهم الخاصَّة لم يعتنوا بِتصنيفها تصنيفًا منهجيًّا مُرضيًا حسب الترتيب الزمني الصحيح، فلم يُميزوا بين القديم منها والحديث. وأوَّلُ من أعطى صُورة مُفصَّلة عن تاريخ البربر وتوزُعهم الجُغرافي قديمًا وحديثًا كان العالم المُسلم الكبير ابن خلدون، فذكر مضارب ومواطن كُلٌ منها وعاداتها وتقاليدها. وإلى جانب البربر كان هُناك عدَّة أقليَّات كُبرى وصُغرى في مُختلف أنحاء المغرب، بعضُها استوطن البلاد مُنذ القِدم واندمج كُليًّا مع البربر وانقطعت صلته ببلاد أجداده، وبعضهم الآخر حافظ على تلك الصلة نظرًا لِعدم مضي ما يكفي من السنوات لانقطاعه وانعزاله. ومن تلك الأقليَّات: الأفارقة أو الأفارق وهؤلاء من مولودي الروم والبربر أو مولودي الفينيقيين الساميين والبربر، أي هُم من سُلالة البونيقيين الذين خضعوا للرومان واصطبغوا بالصبغة الرومانيَّة. ومنها أيضًا اليهود، الذين يُحتمل أنهم وصلوا المغرب مع الفينيقيين أولًا، ثُمَّ أتت منهم بعض الجماعات على أيَّام الرومان؛ ومنهم السودان أو الزُنوج، وهؤلاء أهالي الأصقاع الجنوبيَّة لِلبلاد المغربيَّة وقد سكنوا الحُدود الفاصلة بين أفريقيا الشماليَّة وجنوب الصحراء الكُبرى، وانتقلت بعض جمهراتهم إلى الشمال بِفعل تجارة الرقيق وبِفعل قوافلهم التجاريَّة الخاصَّة كذلك، التي استقطبها استقرار الحُكم الروماني في الشمال، ويظهر أنَّ هؤلاء امتزجوا سريعًا بِسائر أهالي المغرب، إذ لم يعثر المُسلمين عند وُصولهم إلى تلك البلاد إلَّا على قلَّةٍ منهم، في حين أظهرت الدراسات الأنثروپولوجيَّة التي أُجريت على سُكَّان بلاد المغرب خِلال القرن العشرين الميلاديّ وُجود أُصولٍ أفريقيَّةٍ سوداء لِلعديد من المغاربة. وأخيرًا شكَّل الروم والفرنجة أصغر الأقليَّات العرقيَّة بالمغرب قُبيل الفتح الإسلامي، ولا يبدو أنَّ تلك الجماعتين اختلطت بشكلٍ كبيرٍ مع البربر، بل كان الامتزاج بينها محدودًا لم يتجاوز التحالف أو الجوار، ولعلَّ تفسير وُجود شُقرة الشعر وزُرقة العُيون أو خُضرتها عند بعض البربر يرجع إلى امتزاجهم مع الفرنجة والوندال في قديم الزمان.
ومع استقرار الفُتوح الإسلاميَّة في المغرب، نزل العربُ في العديد من المُدن والبلدات والقُرى إلى جانب البربر والجماعات العرقيَّة سالِفة الذِكر، كما ورد البربر المُسلمون على المُدن حديثة الإنشاء كالقيروان. وقد امتزج العرب والبربر بشكلٍ كبيرٍ في المغرب حتَّى أصبح من العسير التفرقة بين أُصول المُكونين البشريين هذين لِكثرة ما اختلطوا وتزاوجوا، وقد أقبل الآلاف من العرب لِتعليم البربر أُصول ومبادئ الإسلام واللُغة العربيَّة كي يفقهوا ما يقرأونه في القُرآن. فقد أرسل الخليفة عُمر بن عبد العزيز عشرة علماء إلى بلاد المغرب لترسيخ القُرآن والسُنَّة النبويَّة وتعاليم الإسلام في صُفوف البربر. وساهم استيطان العرب بِبلاد المغرب واختلاطهم بالسُكَّان الأصليين في بناء المُجتمع الإسلامي الجديد، فمُنذُ الفتوحات الأولى وفد إلى بلاد المغرب أكثر من 180,000 رجل من المُقاتلة العرب استقر أغلبهم فيما بعد بالقيروان وقد كتب اليعقوبي أنَّهُ كان بالمدينة سالِفة الذِكر أخلاطُ من الناس من قُريش ومن سائر بُطون العرب من مضر وربيعة وقحطان وأنَّ بها أصنافٌ من العجم من أهل خُراسان ومن كان وردها مع عُمَّال بني هاشم من الجُند وأنَّهُ رأى فيها عجمٌ من عجم البلد البربر والروم وأشباه ذلك. ومع مُرور الوقت ونتيجة التثاقف طويل الأمد، استعرب الكثير من البربر واقتبسوا الهويَّة واللُغة العربيَّة، وأغلب هؤلاء كان من أهل المُدن، بينما بقي أغلب سُكَّان الأرياف يحتفظون بهويَّتهم القوميَّة الأصليَّة. وقد بيَّنت دراساتٌ لاحقة أُجريت خلال القرن العشرين الميلاديّ أنَّ استعراب البربر كان نتيجة استيعابٍ ثقافيٍّ دام سنواتٍ طويلة.