العربية  

books khansa and lamentation

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

الخنساء والرثاء (Info)


في يوم من الأيام طلب من الخنساء أن تصف أخويها معاوية وصخر، فقالت: إن صخرًا كان الزّمان الأغبر، وذعاف الخميس الأحمر، وكان معاوية القائل الفاعل. فقيل لها: أيّ منهما كان أسنى وأفخر؟ فأجابتهم: بأن صخر حرّ الشتاء، ومعاوية برد الهواء. قيل: أيهما أوجع وأفجع؟ فقالت: أمّا صخر فجمر الكبد، وأما معاوية فسقام الجسد.


ولذا قيل: كان موت صخر بن عمرو بن الشّريد تاريخ ميلاد شاعرة العرب، نظراً لكثرة ما قالت فيه. والواقع أنّه كان تنفسياً لذلك الحزن المكبوت، ولذا كانت تسوم هودحها في الموسم، وتعاظم العرب بمصيبتها بأبيها وأخويها، وتقول: أنا أعظم العرب مصيبةً، فيقرّ لها النّاس في ذلك وليس هذا جديد، فقد سبقوا أن أقرّوا لأبيها حين فاخر بابنيه، ثمّ لمّا كانت وقعة بدر، وقت عتبة وشيبة أبناء ربيعة، والوليد بن عتبة، أقبلت هند بنت عتبة ترثيهم، وبلغها تسويم الخنساء ودجّها في الموسم، ومعاظمتها العرب بمصيبتها بأبيها وأخويها، فقالت هند: بل أنا أعظم العرب مُصيبة، فامرت بهودجها فسوم براية أيضا، وشهدت الموسم بعكاظ، وكانت عكاظ سوق تتجمّع فيه العرب.


هكذا لا ترى الخنساء الأخت إلى هائمة على وجهها في حياة إخوتها، تهيم على وجهها إلى الأخ الرّقيق، فيمسح عليها بيده الحنون ليزيل عنها متاعبها ويخفّف عنها آلامها، وبعد موت إخوتها تهيم على وجهها إلى اللّا شيء، وتبكي وتنوح، ولا يعترض طريقها أحد. فلم يكن بُدٌّ من أن يعلن في الملأ صدق حزنها، واليأس من تغيير حالها، إلى أن تترك لدمعها تناجيه ويناجيها، وفي ذلك السّلوى لها والرّاحة، وكان ذلك بلسان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه عندما قال: (دعوها، فإنّها لا تزال حزينة أبداً). (5)


وقد اجتمعت للخنساء في مراثيها أنواع الرّثاء الثّلاثة تلك، نسمعها نادية باكية، يرتفع نشيجها فيثير الأشجان، ويُجري الدّموع من المآقي، وذلك إذ تقول:

أبنت صخر تلكم الباكية

لا باكي اللّيلة إلا هيه


وتقول:

يا عينِ جودي بالدّموعِ الغِزَارْ

وأبكي على أروعَ حامِي الذّمارْ


فرعٍ منَ القومِ الجدى

أنْماهُ منهُمْ كلُّ محضِ النِّجارْ


أقولُ لمّا جاءَني هُلْكُهُ

وصرَّحَ النَّاسُ بنجوى السّرارْ


أُخَيّ! إمّا تَكُ وَدّعْتَنَا

فَرْعٍ منَ القَوْمِ كريمِ الجَدا


فرُبّ عُرْفٍ كنْتَ أسْدَيتَهُ

إلى عيالٍ ويتامى صغارْ


وربَّ نعمى منكَ أنعمتها

على عُناة ٍ غُلَّقٍ في الإسارْ


أهْلي فِداءٌ للّذي غُودِرَتْ

أعْظُمُهُ تَلْمَعُ بَينَ الخَبارْ


صَريعِ أرْماحٍ ومَشْحوذَة

كالبرقِ يلمعنَ خلالَ الدّيارْ


مَنْ كانَ يَوْماً باكياً سَيّداً

فليبكهِ بالعبراتِ الحرارْ


ولتبكهِ الخيلُ إذا غودرتْ

بساحة ِ الموتِ غداة َالعثارْ

وليبكهِ كلُّ أخي كربة

ضاقتْ عليهِ ساحة ُ المستجارْ


رَبيعُ هُلاّكٍ ومأوى نَدًى

حينَ يخافُ النَّاسُ قحطَ القطارْ


أسْقَى بِلاداً ضُمّنَتْ قَبْرَهُ

صَوْبُ مَرابيعِ الغُيوثِ السَّوارْ


وما سؤالي ذاكَ الاَّ لكي

يسقاهُ هامٍ بالرَّوي في القفارْ


قُلْ للّذي أضْحَى بهِ شامِتاً

إنّكَ والموْتَ، مَعاً، في شِعارْ


وتقول:

بَكَت عَيني وَعاوَدَها قَذاها

بِعُوّارٍ فَما تَقضي كَراها


على صَخرٍ وَأَيُّ فَتىً كَصَخرٍ

إِذا ما النّابُ لَم تَرأَم طِلاها


فَتى الفِتيانِ ما بَلَغوا مَداهُ

وَلا يَكدى إِذا بَلَغَت كُداها


حَلَفتُ بِرَبِّ صُهبٍ مُعمِلاتٍ

إِلى البَيتِ المُحَرَّمِ مُنتَهاها


لَئِن جَزِعَت بَنو عَمروٍ عَلَيهِ

لَقَد رُزِئَت بَنو عَمروٍ فَتاها


لَهُ كَفٌّ يُشَدُّ بِها وَكَفٌّ

تَحَلَّبُ ما يَجِفُّ ثَرى نَداها


تَرى الشُمَّ الجَحاجِحَ مِن سُلَيمٍ

يَبُلُّ نَدى مَدامِعِها لِحاها


عَلى رَجُلٍ كَريمِ الخيمِ أَضحى

بِبَطنِ حَفيرَةٍ صَخِبٍ صَداها


لِيَبكِ الخَيرَ صَخراً مِن مَعَدٍّ

ذَوُو أَحلامِها وَذَوُو نُهاها


وقد أجمع أهل العلم بالشّعر أنّه لم تكن امرأة قلبها ولا بعدها أشعر منها (6) أنشدت في سوق عكاظ بين يدي النّابغة الذّبياني، وحسّان بن ثابت رائيّتها التي رثت بها صخر:

قذى بعينكِ أمْ بالعينِ عوَّارُ

أمْ ذرَّفتْ أخلتْ منْ أهلهَا الدَّارُ


كأنّ عيني لذكراهُ إذا خَطَرَتْ

فيضٌ يسيلُ علَى الخدَّينِ مدرارُ


تبكي لصخرٍ هي العبرَى وَقدْ ولهتْ

وَدونهُ منْ جديدِ التُّربِ استارُ


تبكي خناسٌ فما تنفكُّ مَا عمرتْ

لها علَيْهِ رَنينٌ وهيَ مِفْتارُ


تبكي خناسٌ علَى صخرٍ وحقَّ لهَا

إذْ رابهَا الدَّهرُ أنَّ الدَّهرَ ضرَّارُ


لاَ بدَّ منْ ميتة ٍ في صرفهَا عبرٌ

وَالدَّهرُ في صرفهِ حولٌ وَأطوارُ


قدْ كانَ فيكمْ أبو عمرٍو يسودكمُ

نِعْمَ المُعَمَّمُ للدّاعينَ نَصّارُ


صلبُ النَّحيزة ِ وَهَّابٌ اذَا منعُوا

وفي الحروبِ جريءُ الصّدْرِ مِهصَارُ


يا صَخْرُ وَرّادَ ماءٍ قد تَناذرَهُ

أهلُ الموارِدِ ما في وِرْدِهِ عارُ


مشَى السّبَنْتى إلى هيجاءَ مُعْضِلَة

لهُ سلاحانِ: أنيابٌ وأظفارُ


وما عَجُولٌ على بَوٍّ تُطيفُ بِهِ

لها حَنينانِ: إعْلانٌ وإسْرارُ


تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ، حتّى إذا ادّكرَتْ

فانَّما هيَ إقبالٌ وَإدبارُ


لاَ تسمنُ الدَّهرَ في أرضٍ وَانْ،

رتعتْ فإنَّما هيَ تحنانٌ وَتسجارُ


يوْماً بأوْجَدَ منّي يوْمَ فارَقني

صخرٌ وَللدَّهرِ أحلاءٌ وَأمرارُ


وإنّ صَخراً لَوالِينا وسيّدُنا

وإنّ صَخْراً إذا نَشْتو لَنَحّارُ


(1) جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، أحمد الهاشمي، المكتبة التّجارية الكبرى، الجزء الأول، ص127-128 بتصرّف.

(2) العقد الفريد، أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي، تحقيق مفيد محمد قميحة، دار إحياء التراث العربي، 1983، المجلد السادس، ص28 بتصرّف.

(3) الاستيعاب في معرفة الأصحاب، يوسف بن عبد الله بن عبد البر، تحقيق عادل مرشد، دار الأعلام، 2002، الجزء الأول، صفحة 590 بتصرّف.

(4) الأغاني، الأصفهاني، دار الكتب، الجزء الأول، ص251 بتصرّف.

(5) أدباء العرب في الجاهلية وصدر الإسلام: حياتهم - آثارهم - نقد آثارهم، بطرس البستاني، الطبعة السادسة، مكتبة صادر - بيروت، ص229 بتصرّف.

(6) أدباء العرب في الجاهلية وصدر الإسلام: حياتهم - آثارهم - نقد آثارهم، بطرس البستاني، الطبعة السادسة، مكتبة صادر - بيروت، ص223 بتصرّف.

Source: mawdoo3.com