If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
قال عنه أمير الشعراء أحمد شوقي:
وكتب جبران خليل جبران قصيدتين في تحية طلعت حرب وبنك مصر يقول في إحداهما:
كتب عنه المؤرخ الفرنسي جاك بيرك: (إن ميزته الأولى كانت في إدراكه للقوة الكامنة والإمكانات الهائلة التي لم تستغل بعد عند مواطنيه). وهذا كلام صادق تماماً؛ حيث دأب الاحتلال الإنجليزي على ترويج أن الشعب المصري لا يعرف إلا الزراعة وأنه لا يجيد الأعمال الاقتصادية أو الصناعية وقد أثبت طلعت حرب فساد وخطأ هذه المقولات حيث ساهم بنك مصر في تجميع أموال المصريين التي ادخروها خلال الحرب العالمية الأولى والتي كانت حائرة عاطلة بعد ارتفاع أسعار العقارات. وقد قام بنك مصر برسالته الوطنية في تنمية الودائع علاوة على أرباحه التي استثمرها في إنشاء أكثر من عشرين شركة مصرية ومع تأسيس البنك رفض طلعت حرب رئاسة بنك مصر وترك المنصب لأحمد مدحت باشا يكن واكتفى هو بمنصب نائب الرئيس والعضو المنتدب، وقد استدعى الخبير الألماني فون أنار لوضع النظم الداخلية للبنك وفي نفس الوقت أرسل بعثات من شباب مصر إلى إنجلترا وسويسرا وألمانيا للتدريب العملي على العمل المصرفي، وقد عاد جميع المصريين ليعملوا في بنك مصر، وسريعا ما انتقل بنك مصر من مقره المتواضع إلى مقره الحالي في شارع محمد فريد وسريعا ما انتشرت فروع البنك لتصل إلى 37 وحدة مصرفية في عام 1938.
وقد اهتم طلعت حرب بالمظهر الخارجي لمنشآت بنك مصر فجعل جميع مباني البنك ذات نمط معماري واحد. استطاع بنك مصر وشركاته امتصاص جزء كبير من البطالة حيث زادت ودائع البنك مقارنة بكل البنوك الأجنبية العاملة في مصر مما أنهى مقولة الاستعمار والتي كانت تردد في ذلك الوقت "المصري لا يعرف إلا الاستدانة" حيث استطاع بنك مصر تحفيز الادخار لدي كل المصريين حتى الأطفال بعد أن وزع البنك حصالات على تلاميذ المدارس الابتدائية ثم يأخذ ما فيها ويفتح للأطفال دفاتر توفير بالبنك. كما كان طلعت حرب يراعي دائمًا البعد الأخلاقي في معاملاته وتعاملاته حيث أصدر قراراً بعدم تمويل بنك مصر لأية مشروعات تسيئ إلى الخلق العام، وكرامة الإنسان، كما حرص البنك على مساعدة صغار الصناع والحرفيين للصمود أمام سيطرة المنتجات الإنجليزية على السوق المصرية ومنافستها وكما شجع البنك قيام شركات المقاولات المصرية ودعمها ماليا بكسر احتكار الأجانب لهذه المشروعات حيث كان الأجانب يقرضون الفلاحين والجمعيات التعاونية بضمان الأرض فإن عجزوا عن السداد يتم الاستيلاء على الأرض المرهونة، وقد استطاع طلعت حرب أن يتصدى لهذه السياسة الاستعمارية ليتم الحفاظ على ثروة مصر من الأرض الزراعية، وقد طلب البنك من الحكومة المصرية إنشاء البنك العقاري المصري ليتولى عمليات الدعم للنشاط الزراعي في جميع أنحاء مصر.
قام الكاتب الأمريكي إيريك ديفيز بتأليف كتاب بعنوان (طلعت حرب وتحدى الاستعمار. دور بنك مصر في التصنيع 1920 ـ 1941) وهي دراسة أكاديمية نال عنها رسالة الدكتوراه من جامعة شيكاغو، تعرض الكتاب إلى تجربة طلعت حرب في التنمية جديرة حقا بالتأمل والدراسة، إذ نجح الرجل عبرها في عقد تزاوج ناجح ومثمر بين الصناعة والبنوك حيث قام بنك مصر بتمويل الشركات الصناعية والإنتاجية ونهض بها مؤسسا قلعة مصر الاستثمارية ومقدما في الوقت نفسه منظومة اقتصادية متكاملة عاشت مصر في رحابها في النصف الأول من القرن الماضي.
كما ترصد دور بنك مصر منذ نشأته في أبريل عام 1920 وتطوره عبر السنوات، إذ لم يكن الهدف من إنشاء هذا البنك مجرد هدف تجاري عادي شأن بقية البنوك، وإنما كان مؤسسوه يأملون قيامه بدور ممول للصناعة الوطنية المصرية وكمركز لمجموعة عملاقة من الشركات، كلها يحمل اسم مصر، حيث يصبح البنك بمثابة القوة المحركة لوجود قطاع صناعي حديث في الاقتصاد المصري. تعرض الدراسة إذن لدور بنك مصر خلال فترة ما بين الحربين مقدمة تفاصيل المشروع الاقتصادي الناجح الذي إدارة طلعت حرب باقتدار، حيث تم تأسيس مجموعة الشركات التي ضمت أكبر شركة لصناعة النسيج في الشرق الأوسط وشركة للنقل وأخرى لحلج القطن وثالثة للتأمين، هذا فضلا عن أول شركة طيران مصرية ومجموعة أخرى من الشركات الأصغر حجما.
وظل دور بنك مصر يتنامى ويتعاظم مع نجاح التجربة. البداية كانت لا تزيد على الثمانين ألف جنيه مصري عام 1920، لتصل قيمة رأس مال مجموعة شركاته عند اندلاع الحرب العالمية الثانية إلى خمسة ملايين جنيه، ولم يقتصر تأثير البنك على مجموعة شركاته فقط وإنما لعب دورا رئيسيا في تشكيل السياسة المالية للحكومة خلال عقدي العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين كما كان مؤثرا في مجال تنمية الاقتصاد المصري حيث امتدت أنشطته خارج القطر المصري إلى دول الوطن العربي.
وتتعرض الدراسة كذلك للمشاكل والأزمات والحروب التي واجهها طلعت حرب خلال تصديه لمشروعه. فلم يكن الطريق مفروشا بالورد والرياحين، بل كان وعرا فقد واجه الرجل تحالفات قوية وقفت أمام طريقه، فهناك كبار الملاك المصريين والجاليات الأجنبية المقيمة في مصر وهناك أصحاب التطلعات السياسية. جبهات عديدة كان عليه مواجهتها وربما من هنا تحديدا اكتسبت تجربته قوة وصلابة واستطاعت أن تصنع لنفسها مكانة في قلب الاقتصاد المصري.
وربما أهم ما تشير إليه الدراسة في فصولها هو ضرورة دراسة الحالة الاقتصادية في إطار محيطها المجتمعي وليس بمعزل عنها، بحيث تأتي التجارب الاقتصادية لخدمة المجتمع، لا أن يتم استغلال البشر لدفع تكلفة نمو الاقتصاد، وهو حال معظم تجارب النمو الاقتصادي التي تتبناها المنظمات الرأسمالية العالمية من جانب الصندوق والبنك الدوليين فتجربة طلعت حرب الاقتصادية هنا تمخضت عنها مجموعة اقتصادية ناجحة عملت على خدمة المجتمع والشعب بمختلف فئاته فضلا عن الاقتصاد المصري بمختلف عناصره، ومن هنا تكتسب أهميتها وتأثيرها الإيجابي.