If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
قدّم عددٌ مِن الفلاسفة والمؤرّخين الإغريق تحليلاً ووصفاً لعناصر حوكمةٍ تُعرف لدينا اليوم بالجمهوريانيّة الكلاسيكيّة. من ناحية تقليدية، فإنّ مفهوم الجمهورية الإغريقي انتقل إلى اللاتينية باسم «ريس بوبليكا». تبعاً لهذا، ظلّت النظرية السياسية حتى زمنٍ قريب تستخدمُ مفهومَ الجمهورية بالمعنى العام لنظام الحُكم. لا توجدُ مصطلحاتٌ أو تعريفاتٌ مقيّدة من فترة الإغريق تطابِق تماماً المفهوم المعاصر لمصطلح «الجمهورية»، إلا أنّ مُعظم السِمات الأساسية للتعريف المعاصر تحضر في أعمال أفلاطون، وأرسطو، والمؤرخ الإغريقي بوليبيوس.
يُنظرُ الآن إلى عددٍ مِن الدول المدينيّة الإغريقية القديمة مثل أثينا وإسبرطة على أنّها «جمهوريات كلاسيكية»، بسبب اشتمال أنظمتها السياسية على المشاركة الشعبية الشاملة للمواطنين في وضع التشريعات وصُنع القرار السياسي. اعتبر أرسطو نفسُه مدينةَ قرطاج على أنّها كانت جمهورية لتشابِه نظام حُكمها بنظام المدن الإغريقية.
تتَبعَ كلٌّ من ليفي، وهو مؤرّخ روماني، وبلوتارخ، الذي يشتهر بكتاباته التاريخية ومقالاته الأخلاقية، تتبّعا كيف طوّرت روما تشريعاتها، لا سيّما الانتقال من طور المملكة إلى الجمهوريّة، باحتذاء مثال الإغريق. يجدر بالذكر أنّ المصادر التاريخية التي جاء معظمها بعد 500 سنة من الأحداث والتي تضمّ أقلّ القليل من النصوص المكتوبة قد تجنح إلى التأليف من وحي الخيال أكثر من التقرير الواقعي. إذا نظرنا بعين معاصرةٍ إلى نظام الحُكم الروماني، فقد ينطبق عليه وصف الجمهوري، وإلّم يكُن كاملاً. لهذا السبب، اعتبر فلاسفة عصر الأنوار أنّ النظام الجمهوري الروماني نظامٌ مثاليّ لتطبيقه ميّزة الفصل بين السلطات. ظلّ الرومان القدامى يستخدمون «ريس بوبليكا» لوصف دولتهم حتى في أزمان حُكم الأباطرة الأوائل، لأنّه ومن ناحية ظاهرية، كانت الدولة قائمةً ونظام الحُكم لم يطرأ عليه تغييرٌ يُذكر.
عبّر الفيلسوف الروماني شيشرون عن تحفّظاته بخصوص شكل الحُكم الجمهوري. رغم أنه في كتاباته النظرية، كان يدافع عن أنظمة الحُكم الملكيّة، أو المزيج بين حُكم الأقليّة الممثّلة أو المستبدّة، فقد كان في حياته السياسية معارضاً شرساً لأمثال يوليوس قيصر، ومارك أنطوني، وأوكتافيان، الذين كانوا يسعون لتطبيق نظامِ حُكمٍ أشبه ما يكون بالملكيّة. في نهاية الأمر، دفع شيشرون حياته ثمناً لهذه المعارضة، ويُمكن اعتبارُه ضحيةً لمعتقداته الجمهورية.
أُعيد إحياء مفهوم الحُكم الجمهوري في أوروبا في القرون الوسطى، عندما اتّخذته نظاماً للحُكم بعض الكومونات الناشئة. كانت هذه عبارةَ عن دويلاتٍ تجارية صغيرة نسبياً لكن ثريةً وصلت طبقة التجار فيها إلى أعلى السلّم الاجتماعي. يُذكر منها، فلورنسا، جنوا، والبندقية، والرابطة الهانزيّة (شمال ألمانيا). إضافةً إلى استقائهم بعض مفاهيم الإقطاعية، عمِدَ مفكّرو عصر النهضة إلى استخدام أفكار الإغريق والرومان لترويج رؤيتهم عن ماهيّة نظام الحُكم المثالي. لهذا السبب، تحمل التطبيقات الجمهورية في عصر النهضة نفس الاسم «الجمهوريانية الكلاسيكية».
تأسست أول جمهوريات عصر الأنوار الأوروبي في القرن الثامن عشر في جزيرة صغيرة في البحر الأبيض المتوسط، جزيرة كورسيكا. منذ عشرينيات القرن الثامن عشر، تتابعت سلسلة ثوراتٍ وانتفاضاتٍ قصيرة الأمد ضدّ هيمنة دولة جنوا الإيطالية على الجزيرة.
أقام أوليفر كرومويل جمهوريةً أطلق عليها اسم «كومنويلث إنجلترا» (1649 – 1660) حكَمها بعد الإطاحة بالملك تشارلز الأول. كان جيمس هارينجتون والشاعر جون ميلتون من المفكرين الجمهوريين البارزين في تلك الفترة. في قصيدته الملحمية، الفردوس المفقود، ذكر ميلتون بأنّه يجب محاسبة الملوك فاقدي الأهلية.
على كل حال، أدّى سقوط الكومنويلث واستعادة الملكيّة في العام 1660 إلى فقدان نظام الحُكم الجمهوري جاذبيّته في أوساط الحُكم الإنجليزية.
احتدم النقاش الفكري في السنوات الأخيرة بشأن الدور الذي أدّته الجمهوريانيّة في الثورة الأمريكية في القرن الثامن عشر. على مدار عقودٍ طويلة، ساد ثمّة إجماع بأنّ الليبرالية، وخصوصاً بنسخة جون لوك، كانت لها اليد الطولى وأنّ الجمهوريانيّة كانت ذات دورٍ ثانويّ.
من ناحية تاريخية، ففي العقود السابقة للثورة الأمريكية (1776)، محّص قادةُ الفكر والسياسة في المستعمرات البريطانية التاريخَ بحثاً عن أنماطِ حُكمٍ صالحة. وتتبعوا بشكلٍ خاص تطوّر الأفكار الجمهورية في إنجلترا.
أدّى التزام العديد من الأمريكيين بالقِيَم الجمهورية إلى جعلِ نشوب الثورة الأمريكية أمراً محتوماً. وبدأت تسود نظرةٌ إلى بريطانيا على أنّها قوة فاسدة معادية لفكرة الجمهورية وتشكّل خطراً على الحريات القائمة التي يتمتع بها الأمريكان.
لعبت فكرة الجمهوريانية، وخصوصاً كما وصفها روسو، لعبت دوراً محورياً في الثورة الفرنسية، وكانت إحدى المقدّمات الأولى لفكرة الجمهوريانيّة بنسختها المعاصرة. بعد الإطاحة بالنظام الملكي الفرنسي، أسّس الثوريون نظام حكم جمهوريًّا. تُعتبر الجمهوريانية الفرنسية شكلاً من أشكال العقد الاجتماعي المقتبس من فكرة جان جاك روسّو عن الإرادة الشعبية.