If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كما هو الحال في بقية إسبانيا فقد بدأ الإضراب الثوري العام في أراضي أستوريا في الساعات الأولى من صباح يوم 5 أكتوبر، وسرعان ماتحرك عمال المناجم وسيطروا على حوض التعدين بأكمله، حيث تقع مراكز عملياتها في ميريس (حوض كودال) وفي سما دي لانجريو (حوض نالون). وكلا الموقعين تم تنسيق عمليات عمال المناجم التي أدت إلى استسلام 23 ثكنة للحرس المدني في الساعات الأولى، وتم احتلال الباقي بعد هروب المدافعين عنها في اليوم التالي. وهذا النجاح لم يسبق له مثيل "في تاريخ العداء بين العمال والفلاحين ضد الحرس المدني منذ تأسيسه في منتصف القرن التاسع عشر". هذا بالإضافة إلى انتصار الميليشيات العمالية في محيط أوفييدو على كتيبة مشاة وقسم من حرس الاقتحام الذي ارسلوا من عاصمة المقاطعة بعد إعلان حالة الحرب.
ولكن من ناحية أخرى، لم تنجح حركة التمرد فجر يوم 5 أكتوبر في العاصمة أوفييدو بسبب وجود خطأ فني منع قطع التيار الكهربائي عن المدينة، والتي كانت الإشارة المتفق عليها للتعبئة ودخول رتل التعدين من ديل كودال إلى المدينة برئاسة الأمين العام لاتحاد التعدين الاشتراكي رامون غونزاليس بينيا، الذي سيصبح "القائد العام للثورة". وهكذا كان لدى الجيش والحرس المدني الوقت للاستعداد للدفاع عن المدينة من خلال التحشد في الثكنات والنقاط الإستراتيجية للمدينة. ولكن هذا لم يمنع أرتال عمال المناجم من دخول المدينة واحتلال قاعتها يوم 6، ثم ثكنة الشرطة ومحطة السكك الحديدية في اليوم 7، ومقر الحرس المدني في اليوم 8 ومصنع الأسلحة فجر يوم 9. وحاصر عمال المناجم ثكنات بيلايو وسانتاكلارا، ولكنهم لم يتمكنوا من اقتحامها. وكان من الصعب على حامية المدينة المؤلفة من حوالي 1000 جندي التغلب على هذا التمرد، ولكنها قاومت ببسالة هجمات العمال بانتظار وصول أرتال اغاثة. وقد جرت عمليات مهمة خارج العاصمة في مدن حوض التعدين، وخاصة في ميريس وساما دي لانجريو. وتعرضت مراكز الحرس المدني في أجزاء أخرى من المقاطعة للهجوم، وكذلك بعض الكنائس وقاعات البلديات.. إلخ.
في خيخون كانت الحركة التمردية قد هيأت نفسها عن نقص الأسلحة والذخيرة. حيث لديها القليل من "الطرود"، فاختارت اللجنة الثورية توزيع المتاح من الأسلحة والذخيرة لأربعة مجموعات من كل منها خمسة عشر رجلاً، قاموا بالقفز خلف المتاريس التي أقيمت في الأحياء الثلاثة. وفي 7 أكتوبر عندما وصل الطراد ليبرتي إلى الميناء، ونزلت بكتيبة أولى من الجنود من القوات العسكرية التي أرسلتها الحكومة لقمع التمرد، وفقامت جماعة خيخون المسلحة -ساندتها مجموعة قدمت من سمادي لانجريو وأرسلت شاحنة مدرعة من لافيلغيرا- بمضايقة القوات الحكومية في محاولة لاقتحام أوفيدو.
خارج أحواض التعدين وعاصمتي أستوريا الكبيرتين، كان هناك حركات تمرد في مجلس بولا دي سيرو، حيث هاجمت اللجان الثورية ذات الأغلبية الاشتراكية ثكنات الحرس المدني فاستسلمت لها، فتم توزيع الأسلحة وتنظيم الدفاع. في تروبيا كان عمال مصنع الأسلحة يتصرفون بسرعة وبقوة للحرس المدني والحامية العسكرية التي تحرس المصنع؛ في غرادو سيطرت لجنة الأغلبية الشيوعية على المدينة ورفعت العلم الأحمر في بلديتها؛ وفي أفيليس بدأ التمرد بيوم من التأخير بسبب عدم وجود قوات وأسلحة، وأبرز ماأنجزه المتمردون قبل وصول رتل الجنرال لوبيز أوتشوا إلى المدينة هو إغراق سفينة أغادير في مدخل الميناء لمنع وصول وحدات الأسطول. في لوركا المدينة الأكثر اكتظاظا بالسكان في غرب أستورياس، لم يكن هناك تمرد لأن الحرس المدني أوقف اللجنة الثورية قبل بدء التمرد.
بعد ثلاثة أيام من التمرد كانت معظم أستورياس بيد عمال المناجم، بما في ذلك مصانع الأسلحة في تروبيا ولافيغا الذين عملوا جاهدين ليل نهار. وتم تنظيم جيش أحمر في جميع أنحاء المقاطعة، والذي وصل عدده بعد عشرة أيام إلى حوالي 30,000 جندي معظمهم من العمال وعمال المناجم. أما مارتينيز دوتور الرقيب السابق الذي شارك في حروب الريف والعضو في اتحاد العمال العام UGT أصبح المستشار العسكري للقيادة الثورية، على الرغم من أن مساهمته لا تذكر أمام مساهمة القادة الآخرين.
اعتبرت الحكومة أن ثورة أستوريا هي حرب أهلية كاملة، حتى أنها تجاهلت أن عمال المناجم يبدأون في التفكير من ميريس في إمكانية تنظيم مسيرة إلى مدريد. فتبنت سلسلة من التدابير القوية. بناءً على طلب جيل روبليس الذي أبلغ ليروكس بأنه لا يثق برئيس الأركان الجنرال مسكويليت، فاستدعت هيئة الأركان العامة في مدريد الجنرالان جودد وفرانكو (الذين كان لديهم خبرة بعد أن شاركوا في قمع الإضراب العام سنة 1917 في أستورياس) لقمع التمرد. فأوصى الجنرالان بإحضار قوات الفيلق والقوات الأهلية النظامية من المغرب. كما تم إرسال طراد الميرانتي سيرفيرا والبارجة خايمي الأول اللذان شاركا في قصف بعض المراكز الساحلية.
فقبلت الحكومة المقترح. وبرر ديغو هيدالغو وزير الحرب رسميًا استخدام قوات الاحترافية، لأنها كانت القوات العسكرية الإسبانية الوحيدة التي دخلت في قتال في إفريقيا، وأيضًا كانت الحكومة قلقة أيضًا بشأن بديل المجندين الشباب في شبه الجزيرة قليلي الخبرة، والذين سيقتلون في المواجهات أمام المليشيا ذات الخبرة نوعا ما، لذلك يبدو أن الحل الذي تم تبنيه مقبول جدًا. ويرجع ذلك أيضًا إلى عامل الخوف المتمثل في استخدام العناصر النظامية التي شكلها الجنود المغاربة، الذين يتمتعون باستقلالية كبيرة لأوامرهم ليتمكنوا من اغتيال واغتصاب ونهب السكان.
تم نشر تلك القوة على أربع جبهات. فكانت الجبهة الجنوبية أول من تقدمت بنفس اليوم 5 أكتوبر بعدة وحدات عسكرية عبر ميناء باخاريس. ولإيقافها نشر المتمردون قوة مؤلفة من حوالي 3,000 عنصر من عمال المناجم والتعدين تم تنظيمهم وتسليحهم من ميريس، ونظريًا كان عليهم الذهاب إلى أوفييدو، حيث كان الاستوريون يأملون في أن التمرد قد انتصر بمنطقة التعدين في ليون، وبالتالي منع مرور القوات الحكومية من الهضبة إلى أستورياس. تمكن رجال الميليشيات المنظمون جيدًا والعارفون بتضاريس المنطقة من تطويق تلك القوات في فيغا ديل ري، والذين ظلوا محاصرين حتى 10 أكتوبر. في اليوم التالي فقط وبعد قتال عنيف استخدم فيه المتمردون قطع المدفعية بفضل تعاون ضابط أسير من الحرس المدني، تمكنت القوات الحكومية من الوصول إلى حوض كودال وعاصمتها ميريس.
أما الجبهة الثانية فكانت في الشمال مع وصول قوات الفيلق والنظامية من جيش إفريقيا يوم 7 أكتوبر تحت قيادة اللفتنانت كولونيل ياجوي إلى خيخون، الذي تسبب وصوله بفرار العديد من السكان بحثًا عن ملجأ. وبعد التغلب على المقاومة التي واجهوها -على الرغم من الإضراب العام في خيخون الذي استمر إلى 16 أكتوبر- بدأ تقدمهم نحو أوفييدو في 10 أكتوبر. أما الجبهة الثالثة وهي الجهة الغربية التي فتحها تقدم رتل يقوده الجنرال لوبيز أوتشوا من غاليسيا الذي احتل مصنع الأسلحة في تروبيا. وبعدها بقليل تم فتح جبهة رابعة في الشرق مع تقدم رتل من بلباو عبر سانتاندر ولكن أوقفتها العربات المدرعة في لا فيلجويرا القريبة من أوفييدو.
انتشر الإحباط بعد وصول الأخبار عن تقدم القوات الحكومية من الجبهات الأربع على أوفييدو، إلى جانب أخبار فشل الحركة الثورية في بقية إسبانيا. ففي ليلة 11 أكتوبر أمرت اللجنة الثورية الإقليمية الانسحاب عن المدينة وحل اللجنة. ولكن لم يصل حلها إلى الجميع، فاستمرت المعركة في الوسط الحضري ودخلت قوات لوبيز أوتشوا العاصمة. وفي غضون ساعات قليلة تم تشكيل لجنة ثورية جديدة، مؤلفة بشكل أساسي من الشباب الاشتراكيين والشيوعيين وهم على استعداد لمواصلة الكفاح. وعندما اندمج جيش لوبيز أوتشوا مع فيلق والقوات النظامية للجنرال ياجوي اندلعت أول أعمال العنف والنهب. واستمر القتال خلال اليومين التاليين حيث هاجمت المليشيات العمالية العدو من المواقع المرتفعة (نارانكو وسان إستيبان دي لاس كروسيس) ومن أحياء الطبقات العاملة، في حين حثتهم المنشورات التي أطلقتها الطائرات على الاستسلام. وقيل إن المقاومة عديمة الفائدة لأن الحركة الثورية قد فشلت بالفعل في جميع أنحاء إسبانيا، وهو مارفض المقاومون تصديقه، وما زالوا على استعداد لإعطاء الرأسمالية المحتضرة الضربة القاضية، كما جاء في بيان صاغه الشيوعيون. وأخيرًا في 13 أكتوبر احتلت القوات الحكومية أوفييدو بالكامل.
بعد سقوط أوفييدو انسحب العمال إلى أحواض التعدين، حيث تم تشكيل اللجنة الثورية الثالثة والأخيرة تحت رئاسة بيلارمينو توماس الاشتراكية، ومقرها سما دي لانجريو عاصمة حوض نالون. وفي 15 أكتوبر تمكنت قوات الجنرال بالمز على الجبهة الجنوبية من التغلب على المقاومة الأخيرة في حوض كودال التي منعتهم من التحرك نحو ميريس. ثم قررت اللجنة الثورية الإقليمية التفاوض على الاستسلام وأرسلت ملازم الحرس المدني تورينس الذي كان قد أسره المتمردون، لمقابلة الجنرال لوبيز أوتشوا القائد الأعلى للقوات البالغ عددهم 18,000. ولكن في الاجتماع الثاني كان بين الجنرال لوبيز أوتشوا وبيلارمينو توماس نفسه، حيث حددت شروط استسلام المتمردين.
جرت المقابلة في ميريس وفيها قبل الجنرال لوبيز أوتشوا الشروط التي اقترحها بيلارمينو توماس: أن المغاربة من النظاميين والفيلق لن يكونوا في طليعة القوات التي احتلت أحواض التعدين، لأن "مجازر المغاربة بالمتمردين والمدنيين في الأحياء العمالية في أوفييدو كانت معروفة بالفعل." بالمقابل يضمن قائد المتمردين تسليم الأسلحة والسجناء، إن لم يكونوا من أعضاء اللجنة الثورية. ذلك الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الجنرال لوبيز أوتشوا وزعيم عمال المناجم بيلارمينو توماس قد أغضب اللفتنانت كولونيل ياجوي والجنرال فرانسيسكو فرانكو الذي قاد العمليات من مدريد، وكذلك زعيم CEDA خوسيه ماريا جيل روبليس، وثلاثتهم من أنصار القمع الوحشي.
قبلت جمعيات عمال المناجم شروط الاتفاقية، مع بعض المقاومة من الأقليات. على الرغم من أن البعض اختار إخفاء الأسلحة وعدم تسليمها وغيرهم فر عبر الجبال. وفي 18 أكتوبر بعد أسبوعين من لبدء التمرد، استسلم آخر معقل واحتلت القوات الحكومية أحواض التعدين. بعد أيام قليلة أفسح القمع غير المنضبط الطريق أمام القمع الرسمي. لكن كل ذلك القمع لم يكن بالجديد على طبقة أستوريان العاملة؛ فقد تعرضت للقمع الدموي والهروب إلى الجبال سنة 1906 عند اندلاع إضراب ميريس، وتكررت في أغسطس 1917. أما ثورة أكتوبر 1934 فقد جعلها جزءًا لا يتجزأ من تقاليدها ...".