If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
قدم بشارة فكريًا نظرية في العلمانية والعلمنة بعد نقد للنظريات السابقة. وكان منطلقها انشغاله في مسألة عوائق التحول الديمقراطي. وقد تطرّق إلى هذا الموضوع في كتابه "المسألة العربية"، التي بيّن فيها العلاقة بين عدم حل المسألة العربيّة وبين إعاقة التحوّل الديمقراطي، وذلك بتحول العروبة إلى أيديولوجيا دولة تبريرية من جهة، أو علّة للتدخل في شؤون الدول الأخرى من جهة أخرى. كما قاده هذه الانشغال إلى نقد بحث العلاقة بين الإسلام والديمقراطية الذي انتشر في نهاية القرن الماضي وذلك في دراسة نشرت بعدة لغات تؤكد عدم وجود علاقة ذات معنى بين الدين والديمقراطية، وداعيًا لبحث العلاقة بين الديمقراطية وأنماط التدين "بدلاً من السؤال غير المفيد والذي لا إجابة علمية عليه حول الإسلام والديمقراطية" بحسب قوله. وقد بدأ بدراسة هذا الموضوع، حين وجد نفسه مضطرًا لدراسة أنماط العلمنة التي تحدد في رأيه أنماط التدين إلى حد بعيد.
وضع بشارة تصوره الفكري والفلسفي حول العلمانية في مشروعه البحثي المستفيض "الدين والعلمانية في سياق تاريخيّ" وهو مشروع معرفيّ تراكميّ، بدأ البحث فيه منذ عقدٍ ونصف، وصدر منه حتى الآن جزآن في ثلاثة مجلدات. حيثُ يقترح بشارة صيغة مغايرة للسائد في تناول ثنائيات مثل الدين والعلمانية، فهو يرى أن إشكاليّة البحث لا تكمن في الدين (كدينٍ بذاته)، بل في "أنماط التديّن"، ففرّق بين الدين والتدين، حيثُ أنّ الدّين عند بشارة هو تطور طبيعي ومعقد في تجربة المقدس، أي الانفعال بالجمال والرهبة من الأسرار والخوف من الطبيعة، لكن تجربة المقدس وحدها لا تميز التجربة الدينية، والدين بهذا المعنى ليس هو تجربة المقدس وكفى، بل هو، فوق ذلك كله، جماعة من البشر ذات إيمان مشترك ومؤسسة دينية وعبادة وشعائر وطقوس...الخ. ولمعالجة الفارق بين الدين وأنماط التدين بيّن بشارة الأمور المشتركة والمفترقة بين الدين والأسطورة، وبين الدين والسحر، وبين الدين والأخلاق وغير ذلك من الموضوعات.، وهكذا تحولت مقدمة الكتاب إلى مجلد قائم بذاته يعالج بشكل عام الدين والتدين، ويفكك العلاقة بين الدين والأسطورة، والدين والأخلاق، والدين والعلم قبل أن يصل إلى تعريف للدين والتدين. ما يعتبره بحد ذاته جهدا علمانيا.
أمّا في الجزء الثاني فعالج في مجلده الأول بشكل مستفيض تاريخ تطور الفكرة العلمانية من خلال مراجعة تاريخ الأفكار في أوروبا، منذ بداية نشوء المصطلح داخل الفكر الديني وصولاً إلى العلمانية كأيديولوجيا منفصلة قائمة بذاتها. وقد تتبع هذا التطور عبر تطور العقلانية والمقاربة العلمية للطبيعة والمجتمع من جهة، وتطور التفكير بالدولة من جهة أخرى.
وبعد دراسة تطور العلمانية في الفكر انتقل في المجلد الثاني من الجزء الثاني إلى مناقشة نظريات العلمنة. وهي نظريات سوسيولوجية مقدما رؤيته للعلمنة كعملية تمايز متواصلة بين عناصر المقدس والدنيوي في الفكر والمجتمع، وبين الدين والسياسة، والفضاء الخاص والفضاء العام. ولكن يتوصل إلى نتيجة أن التوق إلى المقدس لا ينفصل عن الإنسان ويبقى قائمًا في مجالات وأنشطة إنسانية مثل الفن والأدب وغيرها وأيضا في أيديولوجيات دنيوية انفصلت عن الدين ولكنها ظلت تعلمن مصطلحات الدين وممارساته الطقسية في تقديس قيم دنيوية مثل الدولة والشعب والوطن والحزب وغيرها. وأخيرا ينتقل بشارة إلى جزء هام من بحثه وهو بحث نماذج علمنة السياسة والدولة التي طبقت في أوروبا (فرنسا ألمانيا بولندا بريطانيا) والولايات المتحدة وغيرها مبينًا العلاقة بين نمط العلمانية (الصلب المتشدد المناهض للدين والرخو المتساهل الذي يترك مجالاً للدين في الفضاء العمومي) ونمط الديمقراطية السائد في كل بلد. ويتعرّض بالنقد إلى محاولات فر ض نموذج بعينه أو استيراده باعتباره نموذج العلمانية الوحيد الممكن. وهو يعرض نموذج في نظرية العلمنة في نهاية الكتاب في محاولة هي الوحيدة من نوعها. ووعد عزمي بشارة في كتابه أن يتناول الجزء الأخير نموذج العلمنة في الدولة العثمانية والدولة العربية ونتائجه.
لكنه في هذه الأثناء أصدر كتبه عن الثورات العربية ولا سيما الكتاب الضخم حول ثورة مصر، كما أصدر كتابًا فلسفيًا صغيرًا هو مقالة في الحرية وكتاب آخر بعنوان: "الجيش والسياسة، إشكاليات نظرية ونماذج عربية" ليسدّ نقصًا مهمًّا في المكتبة العربية في تناول هذا الموضوع الهام نظريًا وعبر نماذج سورية ومصرية بشكل خاص.