If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كان استيلاءالجيش بقيادة الفريق إبراهيم عبود على السلطة في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 1958 م، أول ضربة لنظام التعددية الحزبية في السودان. وبغض النظر عن كيفية مجيء الجيش، وفيما إذا كان ذلك بدعوة من أحد الأحزاب أو بمباركة منها أو بتأييدها له وابداء استعدادها للتعاون معه، فإن عملية حل الأحزاب في حد ذاتها والإعلان عن مجلس عسكري لحكم السودان يدل على مدى عمق أزمة الحكم في السودان منذ البداية، فضلا عن أن خطوة الفريق عبود تلك، ولدت إحساسا لدى الرأي العام السوداني وهو أنه كلما تأزم الوضع في البلاد تتجه الأنظار نحو الجيش طلبا للخلاص من الأزمة. وهذا الإحساس هو الذي بنى عليه الحكم العسكري التالي المدعوم بحكومة مدنية تكنوقراطية، شرعية الاستيلاء على السلطة، خاصة لاسيما وأنه وجد تأييدا من قطاعات واسعة من الشعب فور وصوله إلى الحكم.
وبموجب الأمر الدستوري الخامس ضم المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة الفريق إبراهيم عبود تسعة أعضاء هم:
كما ضمت حكومة عبود إلى جانب العسكريين عددا من الوزراء المدنيين منهم أحمد خير وزيرا للخارجية وعبد الماجد أحمد وزيرا للمالية إضافة إلى جنوبي واحد هو سانتينو دينق الذي أوكلت إليه حقيبة الثروة الحيوانية.
ووجهت الحكومة الانقلابية بالمشكلة الدستورية ومشكلة الجنوب، وتأخر التنمية الاقتصادية في كافة مناطق السودان.
كانت البلاد عند الانقلاب تحكم بدستور مؤقت، هو صورة معدلة لقانون الحكم الذاتي الذي وضعته الإدارة الاستعمارية ورأت الحكومة بأن مشكلة الدستور يمكن حلها بالاهتمام أولا بالحكم المحلي. أي البدء بإرساء قواعد الديمقراطية على المستوى المحلي ونشرها بين الناس. فتم في أغسطس / آب 1959 م، تشكيل لجنة وزارية لدراسة نظام للحكم المحلي كخطوة أولى نحو صياغة نظام دستوري مناسب للسودان، وبناء على توصيتها صدرت ثلاث قوانين للحكم المحلي. وتم تأجيل صياغة دستور دائم للبلاد لتجنب نقل السلطة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يترأسه الفريق عبود إلى برلمان منتخب.
وفيما يتعلق بمشكلة الجنوب فقد اعتمدت حكومة عبود الحل العسكري على نفس نهج الحكومة التي سبقتها، ، وعينت بعض السياسيين الجنوبيين في مناصب قيادية كتعيين سانتينو دينق وزيرا للثروة الحيوانية - الذي حافظ على منصبه في كافة الحكومات المتعاقبة في تلك الفترة لمدة عشر سنوات وذلك بسبب الخط المتشدد الذي كان يتخذه ضد الحركات الانفصالية في الجنوب. ويرى البعض أن مشكلة الجنوب لم تكن ضمن أولويات حكومة عبود. ولهذا فأنه لم يتقدم بأي طرح لحلها، ويستدلون على ذلك بأن الفريق إبراهيم عبود لم يشر أبدا إلى المشكلة في بيانه الأول يوم الاستيلاء على السلطة. إلا أن حكومة ثورة 17 نوفمبر (كما كان يطلق عليها آنذاك)، تبنت سياسة قطع الدعم الأجنبي الذي كان يتلقاه المتمردين من خلال شن حملة منظمة لوقف أنشطة الإرساليات التبشيرية المسيحية التي تم أتهامها بتأجيج النزاع وتوسيع هوة الخلاف وتغذية الاختلافات من خلال عمليات التبشير والتنصير في الجنوب.
تبنت الحكومة خططا تنموية شملت البنيات الأساسية مثل مد خطوط السكك الحديدية، والتوسع في قطاع الزراعة من خلال إقامة مشاريع تنموية صغيرة في الأقاليم لتنمية الأرياف والمناطق النائية. وتم إبرام اتفاقية جديدة مع مصر لتقاسم مياه النيل أدت إلى رفع حصة السودان إلى 11 مليار متر مكعب من المياه وذلك في إطار صفقة شملت بناء السد العالي في مصر والسماح بتدفق مياه بحيرة السد إلى داخل حدود السودان وإغراق حلفا القديمة.
ورغم هذه الإنجازات الاقتصادية واجهت حكومة عبود أزمة سياسية عميقة لم تمهلها طويلا للبقاء في الحكم. ففي عام 1963م، شهد جنوب السودان نشاطا سياسيا مكثفا من قبل المعارضة الجنوبية في المنفى ضد حكومة عبود. وبرز حزب سانو SANU (الاتحاد السوداني الإفريقي الوطني)، بزعامة جوزيف أدوهو كداعية إلى استقلال الجنوب، كآخر خيار في حالة رفض الشمال الاتحاد الفيدرالي كحل للمشكلة. لم تتم الاستجابة لمبادرة أدوهو، واستمر التصعيد من الجانبين مما أدى إلى اشعال نار الحرب الأهلية في الجنوب. ظهرت في سبتمبر / ايلول 1963 م، حركة الأنيانيا Anyanya (والكلمة تعني الأفعى السوداء السامة بلغة قبيلة المادي التي ينتمي إليها زعيم ومؤسس الحركة جوزيف لاقو) لتشن حرب عصابات في المديريات الجنوبية الثلاث (أعالي النيل، وبحر الغزال، والاستوائية) مما أدى إلى تدهور في الوضع الأمني فيها.
استغلت الأحزاب السياسية الوضع وجاهرت بمعارضتها لسياسات حكومة عبود من خلال تصريحات زعمائها وندوات كوادرها خاصة في الجامعات والمعاهد العليا. وانطلق الحراك الذي أجبر الفريق عبود على التنازل عن الحكم، من جامعة الخرطوم في الربع الأخير من شهر أكتوبر / تشرين الأول على إثر تعرض الشرطة لتجمهر طلابي محظور بإطلاق النار عليه فأردت أحد المشاركين فيه قتيلا ـ وهو الطالب أحمد القرشي طه، وتحول موكب تشييع جثمان القرشي إلى مظاهرة حاشدة حضرها عدد يقدر بحوالي 30 الف شخص، تبعتها مظاهرات مماثلة في مدن أخرى كبيرة بالبلاد. وأصبح القرشي فيما بعد رمزا وطنيا. عمت البلاد الفوضى والانفلات الأمني.
وتحت هذه الضغوط اعلن الفريق إبراهيم عبود عن استقالة حكومته وحل المجلس العسكري، ودخل في مفاوضات مع زعماء النقابات العمالية والمهنية وممثلي احزاب المعارضة والأكاديميين أفضت إلى تشكيل حكومة انتقالية برئاسة سر الختم الخليفة، إلى جانب بقاء الفريق عبود كرئيس للدولة والذي سرعان ما تخلي عن الحكم وحل محله مجلس رئاسي يتكون من خمسة اعضاء، تماما كما كان الحال قبل مجيئه إلى السلطة. وهكذا بدأت فترة الديمقراطية الثانية.