If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
لم يُدوّن الحديث على عهد النبي محمد، بل ونهى النبي عن تدوينه، فقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي محمد قوله: «لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج. ومن كذب عليّ متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار». إلا أن هناك بعض الحالات التي أذن النبي محمد فيها بتدوين أحاديث كحديث أبي هريرة عن خطبة النبي محمد عام فتح مكة حين قتلت خزاعة رجلاً من بني ليث بقتيل منهم قتلوه، حيث طلب رجل من أهل اليمن من النبي محمد أن يكتب له الخطبة، فأمر النبي محمد بكتابتها له. وقد رأى بعض العلماء أن النهي عن الكتابة كان وقت نزول القرآن، خشية التباس القرآن بالحديث. كما أذن النبي محمد لبعض أصحابه كعبد الله بن عمرو بن العاص وأنس بن مالك وسمرة بن جندب وأبى أن يأذن لبعضهم كأبي سعيد الخدري.
وقد عمد بعض الصحابة مبكرًا إلى تدوين الحديث وجمعه بعد وفاة النبي محمد كابن عباس الذي كان يدور على الصحابة ليسألهم، ويكتب ما يحدثونه به من أحاديث سمعوها من النبي محمد. بل وأراد عمر بن الخطاب أن يكتب الحديث، فاستشار الصحابة في ذلك، فأشاروا عليه أن يكتبها، إلا أنه تراجع خشية أن يُكبّ الناس عليه، ويتركوا القرآن. لم يمض الكثير من الوقت حتى اعتنى التابعون بجمع الحديث وكتابته، وكذلك اهتم الخلفاء والأمراء الأمويون على المستوى الرسمي بجمعه، فأمروا بعض علماء المسلمين مثل أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وابن شهاب الزهري بجمع الحديث.
عني التابعون وتابعيهم بتنقية الحديث مما أصابه من وضع الوضّاعين عن طريق العناية بحفظه وتتبُّع الأسانيد والبحث في أحوال الرجال، ثم أخذوا يشرِّحون الرجال، فيُجرِّحون بعضًا، ويُعدِّلون بعضًا(4)، فاستدعى ذلك منهم أن يلتمسوا الأحاديث وأسانيدها مهما كلّفهم ذلك من رحلات شاقة وطويلة.
بدأت محاولات جمع وترتيب الحديث في منتصف القرن الثاني الهجري على يد الربيع بن صبيح ثم سعيد بن أبي عروبة، تلاها ما جمعه ابن جريج في مكة، ومالك في موطأه في المدينة، والأوزاعي في الشام، وسفيان الثوري في الكوفة، وحماد بن سلمة في البصرة ومعمر بن راشد الصنعاني في اليمن والليث بن سعد في مصر بما تيسّر لهم من أحاديث. وقد صنّف هؤلاء ما جمعوه ورتّبوه وبوّبوه بحسب الأبواب والمواضيع الفقهية، وضمّوا إليها بعض أقوال الصحابة وفتاوى التابعين.
وقد أرّخ جلال الدين السيوطي في ألفيته لبدايات جمع الحديث بأبيات قال فيها:
انتقل تدوين الحديث إلى طور آخر أكثر تطوّرًا، وازدهر التدوين بازدهار تأليف الكتب في عصر هارون الرشيد، وتشعّب وتنوّع، فظهرت منه الموطآت(5) والمصنفات(6) والمسانيد(7) والسنن(8) والأجزاء(9) والجوامع(10) والمستدركات(11) والمستخرجات(12). وبلغ التدوين عصره الذهبي بحلول القرن الثالث الهجري الذي ظهر فيه كتب الصحاح، وانتشر فيه الكثير من علماء وحُفّاظ الحديث الذين أسّسوا لعلوم الحديث كابن حنبل وإسحاق بن راهويه وابن المديني ويحيى بن معين والبخاري ومسلم وأبي زرعة الرازي وأبي حاتم الرازي وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وعثمان بن سعيد الدارمي.
استمرت عملية جمع وتدوين الحديث وتصنيفه وترتيبه حتى نهاية القرن الخامس الهجري، ثم انتقل إلى مرحلة أخرى وهي مرحلة «نقد الحديث» تصحيحًا وتضعيفًا، ونقد رجاله تجريحًا وتعديلاً، وتناول المتن شرحًا وانتخابًا، لما جمعه الأولون من مؤلفات في القرون الخمسة الأولى، فجمعوا شتات الأقوال النقدية حول الحديث المروي عند الأولين من تعليل للمتن وتجريح وتعديل للرواة ووصل وإرسال وانقطاع للسند. فنتج عن ذلك أن أكثروا من كتب مصطلح الحديث التي رتّبوا فيها الحديث وهذّبوه وتناولوه بالشروحات.