If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
حافظ المجتمع الإسلامي في القرون الخمسة الأولى للهجرة على أصحاب العقول المبدعة والمهارات المتفوقة في شتى ميادين الحياة، وكان العلماء أحراراً في التجول في أرجاء الدنيا طلباً للعلم وزيادة في الاطلاع، ولكن لم يحدث قط أن اختار عالم كبير البقاء الدائم خارج العالم الإسلامي، ولا يمكن القول بأن عناصر الجذب لم تكن موجودة في بلاط البيزنطيين في القسطنطينية، أو في بلاط اللاتين في فرنسا ـ على الأقل في علوم الطبيعة ـ ولكن قوة الشعور بالانتماء للأمة، والتمايز الواضح ثقافياً وحضارياً وشعورياً بين عالم الإسلام وما وراءه، ومكانة العلماء في الإسلام تلك المكانة التي قررها كتابه الأول (القرآن الكريم) وجاءت السنة تؤكدها وترسخها، واستقرار هذه المعاني في نفوس عامة الناس وخاصتهم ـ فجميعهم يحترم العالم ويعترف له بالمكانة، بل وكثير من معارفه يتطوعون في خدمته ودعايته وقضاء مصالحه دون مقابل ـ كانت أسباباً في لزوم العلماء المسلمين دار الإسلام.
كما أن العالم لم يجد أمامه قيوداً فكرية تمنع البحث العلمي الخالص أو تحد من مجالاته. سواء اتصل بعلوم الشريعة أو الآداب أو الفنون والصناعات. فقد حظي أرباب الفنون جميعاً بمكانة اجتماعية طيبة، ولقوا رعاية وتشجيعاً ومكافآت سخية من حكام عصرهم، ونظراً لاجتماع هذه العقول المفكرة وكثرتها في كل فن فقد ظهرت التيارات الفقهية والنحوية والأدبية والعلمية المتنوعة، وانتشر التعليم وأسست المدارس التي تطورت إلى الجامعات التي تعتبر أقدم الجامعات في العالم . لقد أدى ذلك الاهتمام بالتعليم والرعاية لأصحاب الكفاءات أدبياً ومادياً إلى الازدهار الأدبي والاجتماعي والاقتصادي. فنجد اهتماماً بالأدب وتذوقاً للّغة وللأساليب، ونتاجاً واسعاً يحظى الكثير منه بعناية النقاد، كما نلحظ حياة اجتماعية مزدهرة رسخت نظام الأسرة كما حدده الإسلام، ووثقت عرى الروابط بين أبناء العشيرة والقبيلة والمحلة والقرية والمدينة والقطر والعالم الإسلامي كله بشكل دوائر متداخلة بؤرتها الأسرة، وفيها تقوى التزامات التكافل وتشتد ثم تخف كلما اتسعت الدائرة ...
ولكن العلاقات تبقى دائماً منضبطة في دائرة الأخوة وتحريم العصبية والتناصر في الظلم وإقرار العدل والتكافل بين المؤمنين.
وكان العلماء على صلة ببعضهم، يتوارثون تقاليد التربية والتعليم خلفاً عن سلف، فكانوا يعيشون في أجواء علمية كَوَّنوها لأنفسهم في مراكز الحركة الفكرية المهمة في العالم الإسلامي، وقد ساعدت الحكومات القائمة في كثير من الأحيان على استقطاب العلماء في مراكز الحكم، وكان اجتماع أصحاب العقول يولد فيضاً من الأفكار الجديدة في الفنون المتنوعة.
وكان من ثمار ذلك في الحياة الاقتصادية أن تحولت منطقة السواد إلى بقعة خضراء مرتبطة بشبكة ري معقدة. كما نلاحظ التعقيد في هندسة الري في حدائق قصر الحمراء بغرناطة التي تعرف اليوم بـ(جنراليف).
ومن الواضح أن السياسة الاقتصادية التي ترتكز على مبادئ العدالة أدت دوراً في التقدم الزراعي والصناعي كما أن فكرة الاهتمام بعنصر الوقت أساسية في تكوين الحضارة الإسلامية حيث اهتم الدين بغرس فكرة أن الإنسان يحاسب عن وقته فيما قضاه ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه )) [أخرجه الترمذي في جامعه 4/ 612، وقال: حديث حسن صحيح ].
إن الاهتمام بعنصر الزمن، إضافة إلى استثارة الإنسان لإعمار الأرض والإفادة من تسخيرها له، وتهيئة الظروف النفسية والاجتماعية والمادية للعلماء يشكل بعداً إيجابياً عظيم الجدوى في تراثنا، وهو جانب لم يتم استقراؤه بدقة وعمق حتى الآن .. رغم أن الأمة تواجه نزفاً خطيراً في العقول الذكية والكفاءات العالية التي استمرت في الهجرة إلى الغرب (أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ) منذ عدة عقود .. ولا تزال تتصاعد بقوة بسبب ظروف العالم الإسلامي الدافعة للهجرة من ناحية، وظروف عالم الحضارة الغربية الجاذبة لأصحاب الكفاءات العالية ممن تعبت بلدانهم في تعليمهم في المراحل الأولى، ثم الإنفاق عليهم في المراحل العليا، وهم يُبتعثون للحصول على الماجستير أو الدكتوراه أو التخصصات الدقيقة ..
وعند ملاحظة الأرقام التي تذكرها الدراسات والتقارير المتخصصة يُصاب الإنسان بالذهول، ويدرك سبباً مهماً من أسباب تخلف العالم الإسلامي، ومن تلك الدراسات هذه المعلومات الإحصائية للدلالة على خطورة الأمر:
إن هذه الظاهرة قد تعكس ضعف الولاء للوطن الأصلي أحياناً؛ لكنها في أحيان كثيرة لها مسوغاتها القوية والمتمثلة بحالة التخلف في العالم الإسلامي، وانعدام الوعي أو ضعفه أحياناً حتى على صعيد المستويات القيادية فضلاً عن المستويات الأخرى.
وكثيراً ما عاد بعض المهاجرين فاصطدموا بالواقع المرير، وأصابهم اليأس فعادوا من حيث أتوا، يعيشون لأنفسهم ولعلمهم وهواياتهم بعيداً عن مشاكل مجتمعاتهم الأصلية المتخلفة.
لقد تمكنت أرض الحضارة الغربية من احتواء الكثيرين من أبناء العالم النامي؛ ومعظمهم من أبناء العالم الإسلامي، وضمهم إلى مسيرة الأغنياء الأقوياء؛ مفرغين عالمنا الشاحب من بقية الدماء النابضة فيه.
وقد أتحت الأمة بنفسها هذه الفرصة لتفريغ دمائها عندما أرسلت أبناءها للدراسة هناك دون أية توعية. إن الأمة تعاني من فراغ روحي وفكري يشدها إلى بعضها. (( وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية )). وإن الاعتماد على مجرد عبارات طنانة عن خدمة الوطن ما عادت تجدي نفعاً مع عوامل الدفع والجذب العنيفة التي تقطع أوصالها بقوة وتبتها عن جذورها بشدة.
إن عدد سكان الولايات المتحدة يقارب عدد سكان العالم العربي وحده، وكان فيها عام (1968م ) (000, 850 , 1) مليون وثمانمائة وخمسون ألفاً من العلماء والمهندسين والأطباء، واعتبر المخططون ذلك غير كاف، وجامعاتهم تخرِّج (000 ,62 ) اثنين وستين ألفاً من هذه الفئات، وهم يستقبلون قرابة (000, 8) ثمانية آلاف من بقية العالم وخاصة من العالم الإسلامي، ويرون أنهم بحاجة إلى أعداد أكبر لضمان التنمية والتقدم المستمر؛ فكم يقابل هذه الأرقام من العلماء والأطباء والمهندسين في العالم العربي والإسلامي؟!
لقد تمكنت الولايات المتحدة من تحقيق الغنى والتقدم وصناعة أمجادها العلمية والتقنية العسكرية بعقول أبنائها، وعقول أبناء غيرها، وخاصة من أبناء العالم الإسلامي.
فماذا تم فعله من أجل البناء والتقدم. من أجل الأمة الإسلامية ومن أجل مستقبل الأبناء. من أجل الثقافة والمقومات. من أجل العقيدة؟
هناك (25% ) من مجموع الأطباء العاملين في الولايات المتحدة هاجروا إليها من دول أخرى(13 ). وقد وصل عدد المهاجرين إليها من علماء ومهندسي وأطباء العالم الثالث (272, 15 ) خمسة عشر ألفاً ومائتين واثنين وسبعين في عام 1967م، واستمرت الهجرة بعد ذلك باطراد.
إن تقوية الجذور بالحضارة والثقافة، والتأكيد على ملامح الذات التي يحدد التراث قسماتها يقدمان حلولاً كثيرة لمشكلاتنا الحضارية والثقافية، وما تناولته ليس إلاَّ غيضاً من فيض، وإلاَّ فما أكثر القيم الحضارية والحوافز الخُلُقية التي تحتويها كنوزنا التراثية، والتي تنتظر الباحثين الأكفياء يجلونها وينظرونها ويفيدون منها في بناء المجتمع الإسلامي الحديث.