If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
لم يكن عصر الإمام أبي حنيفة عصر تأليف وتدوين بالمعنى المعروف فيما بعد، بمعنى أن يخلو العالم إلى نفسه فيكتب أو يملي الأشياء الكثيرة، فلم يكن أبو حنيفة قد فرغ نفسه للتأليف والإملاء، فقد كان يقوم الليل حتى يصبح، فإذا أصبح صلى الصبح ثم جلس يُعلِّم الناس حتى يضحي، ثم ذهب إلى بيته لحاجاته، ثم يخرج إلى السوق لينظرَ في شؤون تجارته ودنياه، ويعودَ مريضاً، أو يشيعَ ميتاً، أو يزورَ صديقاً، وينام بين الظهر والعصر، ثم يجلس بعد العصر لتعليم الناس والإجابة على أسئلتهم إلى الليل، وهكذا. والتدريس شغله عن التأليف، وهو فوق ذلك مرجع طلاب العلم وشُداته، يقصدونه من الكوفة والبصرة وداني البلاد وقاصيها، لذا لم تكن لأبي حنيفة تآليف كثيرة تتناسب مع مكانته العلمية العظيمة.
لقد ثبت عن الإمام أبي حنيفة أنه ألف في علم الكلام كتابي "الفقه الأكبر" و"الفقه الأوسط"، وكتاب "العالم والمتعلم"، وكتاب "الرسالة" إلى مقاتل بن سليمان صاحب التفسير، وكتاب "الرسالة" إلى عثمان البتي فقيه البصرة، وكتاب "الوصية" وهي وصايا عدة لأصحابه. ولقد ترك الإمام أبو حنيفة عدة رسائل صغيرة في علم الكلام نسبت إليه، وقام بشرحها بعض أئمة المذهب الحنفي. ولقد ذكر ابن نديم في ترجمته لأبي حنيفة والكتب التي صنفها أن له: كتاب الفقه الأكبر، وكتاب رسالته إلى البتي، وكتاب العالم والمتعلم، وكتاب الرد على القدرية.
وخلاصة ما اشتمل عليه الفقه الأكبر هو بيان أصل التوحيد وما يصح الاعتقاد عليه وذكر عدة قضايا كلامية من غير إيراد أدلة تفصيلية، وهو لم يتعرض للدليل في الفقه الأكبر إلا في موضعين: الأول: مشكلة خلق القرآن، والثاني: بيان ذكر اليد والوجه والنفس لله تعالى. ونرى في الفقه الأكبر اهتماماً بالحديث عن الإيمان والإسلام ومسألة التكفير والتفسيق، وفي هذا رد على الخوارج، وكذلك الحديث عن مسألة خلق الأفعال كرد على القدرية، ومسألة أخرى تتصل بصفات الله تعالى، ونفي التشبيه والتجسيم كرد على المجسمة والمشبهة. ومسألة النبوة وعصمة الأنبياء، ومعجزات الأنبياء، والكرامات للأولياء، ورؤية الله، وبيان مسمى الدين وأن اسمه جامع للشرائع كلها، والشفاعة والمسائل السمعية من وزن الأعمال والجنة والنار وعذاب القبر.
إلا أن آراء أبي حنيفة الكلامية لا تقتصر على هذه الرسائل بل توجد له آراء متناثرة خاصة في كتب المناقب التي صنفت في ذكر مناقب الإمام الأعظم، كذلك مؤلفات الإمام أبي يوسف ومحمد. كما أملى الإمام أبو حنيفة وكتب الأحاديث النبوية، فقد أخذ أحاديث كثيرة من رواته الأعلام، حتى جمع منه صناديق، وانتخب الآثار التي قال بها من أربعين ألف حديث، وقد أخذ حديث الكوفة والعراق وغيرها، غير أنه شُغل عن رواية الحديث بفقه الحديث وفهمه وجمع نصوصه. وقد رُوي عن يحيى بن نصر بن حاجب أنه قال: سمعت أبا حنيفة يقول: «عندي صناديق من الحديث ما أخرجت منها إلا اليسير الذي يُنتفع به». ولقد جُمع حديث أبي حنيفة في سبعة عشر مسنداً، وكان أبو حنيفة أول من صنف في الحديث النبوي الشريف مرتباً على أبواب الفقه.
يمكن أن تُستخلص الآراء الكلامية لأبي حنيفة من مصنفاته أو من شروح الشراح لهذه المصنفات، ومن آرائه المتناثرة:
يرى الإمام أبو حنيفة ضرورة النظر، ويؤيد قيام علم الكلام والحاجة إليه، ويدفع دعاوى المعارضين للاشتغال بعلم الكلام، محتجين بأنه لم يرد اشتغال النبي به ولا الصحابة من بعده، ويرد عليهم بأن الحاجة إلى علم الكلام في ذلك العصر لم تكن قائمة، ولكن بعد ذلك العصر ظهرت الحاجة إلى هذا العلم، وهذه الحاجة متمثلة في ظهور فرق انحرفت عن قواعد الدين، وظهور الخلاف بين المسلمين، فظهرت بذلك ضرورة الحاجة إلى الكلام، ثم يذكر الإمام فوائد الكلام فهو يوفقنا إلى معرفة الخطأ والصواب، والتفرقة بينهما ويساعدنا على إزالة الشبهة ومعرفة المخطئ والمصيب.
يرى أبو حنيفة وجوب النظر في معرفة الصانع تعالى، ويرى أنه لا عذر لأحد في الجهل بخالقه، وأن أول الواجبات على المكلف هو النظر والاستدلال المؤدي إلى معرفة الله وصفاته، ثم النظر والاستدلال المؤدي إلى جواز إرسال الرسل وتكليف العباد، ثم الاستدلال بالمعجزات على صدق الرسل، ثم الاستدلال المؤدي إلى تفصيل أركان الشريعة، إلا أن أبا حنيفة لا يعني بالنظر على طريقة المتكلمين وتفصيلاتهم وتفريعاتهم التي قد تعسر على العامة، ولكن يعني وجوب النظر والاستدلال على كل واحد بحسب ما تيسر له والنظر في الكون وما فيه يؤدي إلى معرفة الله تعالى، ويضرب لذلك مثلاً أنه كما يحيل العقل ويجزم الاستحالة في سفينة مشحونة بالأحمال، أحاط بها من جهة أمواج متلاطمة، ورياح مختلفة تهب من كل جهة، أن تجري بنفسها مستوية لا تميل إلى طرف ولا تقف وقفة مع تصادم الرياح، دون أن يقودها أحد، فكذلك يستحيل في العقل قيام هذا العالم من السموات والأرض وما فيهما بنفسه على اختلاف أحواله من حركات السموات والكواكب والأرض، واختلافها في الكيفيات، وما خص به الإنسان من الهيئات واستجماع أنواع الكمالات، وما يختص به سائر الموجودات، وتغير أموره من تعاقب الضوء والظلمات، وتغير أحوال الحيوانات والمعادن والنبات من غير صانع، واجب بالذات واحد موصوف بصفات الكمال، منزه عن سمات التغير والزوال، ومحدث يحدث العالم، وما اختلف فيه من الأحوال وتغير من الأعمال، وحافظ يحفظه من الاختلال وهذا يعني أن يبنى دليله على وجود الله تعالى عن طريق حدوث العالم إذ أن العالم وما فيه حادث متغير، وكل حادث فله مُحدث، وهي طريقة اعتمد عليها عامة المتكلمين.
ويذكر أبو حنيفة دليلاً آخر على وجود الله تعالى، وذلك بالنظر إلى خلق الإنسان وأطوار خلقه، فيذكر أن خروج الجنين من بطن أمه بصورة حسنة من استواء القامة وتناسب الأعضاء، ليس من تأثير نجم من السيارة عديم الشعور كما زعم المنجمون والصابئون من أن الكواكب المتحركة بحركات الأفلاك هي العلل لحدوث الحوادث الواقعة في العالم من الجواهر والأعراض، ولا من تأثير طبع من القوى البسيطة المركبة والمركبة عديمة الشعور بالضرورة، بل من تقدير خالق حكيم عليم خبير. فالتأمل العقلي والنظر في الكون وفي الأنفس يدلنا على وجود الله تعالى، وطريق الإمام هو الطريق الذي نبه إليه القرآن واعتمد عليه المتكلمون في أدلتهم لإثبات وجود الله تعالى، فمعرفة الله بالعقل واجبة عند أبي حنيفة.
يؤكد أبو حنيفة على وحدانية الله تعالى، فلقد ذكر في الفقه الأكبر بأن الله واحد أي منزه الذات عن المشاركة والمشابهة، وهو واحد لا من طريق العدد لأن الوحدة من طريق العدد غير مختصة به تعالى ولكنه واحد من طريق أنه لا شريك له في حقيقة الألوهية وخواصها، ويعتمد أبو حنيفة في إثبات الوحدانية على سورة الإخلاص الجامعة لأصول التنزيه، فالله تعالى لا حد له، ولا ضد له، ولا ند له، ولا مثل له، ولا يتصف بشيء من الكيفيات المحسوسة، ولا بالحالات الانفعالية، ولا يجري عليه ما يجري على المخلوقات من التغير والانتقال.
وبالنسبة لصفاته وأسمائه تعالى، فيرى أبو حنيفة أن الله تعالى مع صفاته وأسمائه كلها أزلي لا بداية له، وأبدي لا نهاية له. لم يحدث له صفة ولا اسم، لأنه لو حدث له تعالى صفة من صفاته أو زالت عنه، لكان قبل حدوث تلك الصفة وبعد زوالها ناقصاً وهو محال، فثبت أنه لم يحدث له صفة ولا اسم. وعلى هذا يرى أبو حنيفة أن صفات الله تعالى الذاتية وصفاته الفعلية كلها أزلية، لأن الله تعالى موصوف بصفاته الذاتية والفعلية منذ الأزل، ولم تحدث له صفة سواء ذاتية أو فعلية، وصفاته تعالى مخالفة لصفات المخلوقين، وذلك لأنه تعالى يعلم لا كعلمنا، لأن علمنا حادث لا يخلو من معارضة الوهم، وعلمه تعالى قديم أزلي، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويتكلم لا ككلامنا، ويسمع لا كسمعنا، وكذلك القول في سائر صفاته الذاتية والفعلية، ويذهب الدكتور علي سامي النشار إلى أن أبو حنيفة يميل إلى اعتبار صفات الأفعال الحادثة، وان ما أضيف إليه من أنها قديمة إنما هو تأثير ماتريدي بناء على تمييزه في الفقه بين الحلف بصفة الذات والحلف بصفة الفعل وأن الكفارة تلزم إذا كان الحنث بصفة الذات لا صفات الفعل، ولكن هذه التفرقة الفقهية لا تقوم دليلاً قاطعاً على رأي أبي حنيفة في حدوث صفات الأفعال، وهذا ما يعترف به الدكتور النشار نفسه وإن أثارت بعض الشكوك حول نصوص الفقه الأكبر. وبالنسبة للصفات الخبرية، فأبو حنيفة يسلم بها بلا كيف، فيقول: "ما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف". وخلاصة رأي أبي حنيفة في الصفات الخبرية، أنه يثبت لله تعالى هذه الصفات كما ورد بها التنزيل، لكنه لا يحملها على ظاهرها الحرفي، إذ أن ذلك يؤدي إلى التشبيه والتجسيم، وهذا ما حاربه الإمام وفي نفس الوقت لا يتعرض للتأويل التفصيلي لهذه الصفات. ووفقاً لرأي أبي حنيفة في الصفات الخبرية يمكن القول بأن الله تعالى لا يتصف بشيء من الكيفيات المحسوسة بالحس الظاهر أو الباطن والطعوم والروائح، وأيضاً لا يتصف بالانفعالات النفسية كالشهوة والحزن والغضب والفرح، ولا بالآلام الحسية لأن هذه الكيفيات والانفعالات تخص الأجسام والأنفس وهذه التغيرات والانفعالات محالة على الله تعالى. أيضاً لا يجري عليه تعالى ما يجري على المخلوقات من التغير والتطور والانتقال، فلا تتصف ذاته وصفاته بقبول التغير والانتقال لاستلزام ذلك الحدوث، والله تعالى منزه عن الحدوث. أيضاً أنه الله تعالى لا يتحد بالأشياء ولا يحل فيها.
ذكر أبو حنيفة صفة العلم لله تعالى، فهو سبحانه كان عالماً في الأزل بالأشياء قبل كونها أي وجودها، وعلمه تعالى أزلي يشمل الكليات والجزئيات والمعدومات، ويربط كمال الدين البياضي بين قول الإمام: "وخلق الأشياء لا من شيء" أي بين الخلق من العدم وبين رأي الإمام في العلم الإلهي، فيرى أن في هذا القول إثبات للعلم الإلهي من وجوه:
وعلمه تعالى مغاير لعلم المخلوقين، فعلمه تعالى ذاتي قديم كامل منزه عن النقص، أما علمنا فعرض محدث قاصر. لذلك فإن الإمام يقول: "لم يزل ولا يزال عالماً بعلمه، وعلمه تعالى الشامل لجميع الأشياء من الجزئيات والكليات صفته القائمة به في الأزل". فالعلم الإلهي بذلك، واحد تتعدد تعلقاته بحسب معلوماته دون ذاته أي دون تعدد العلم ذاته.
يقول الإمام بأن قدرة الله تعالى شاملة للممكنات وغير متناهية، وإلى هذا أشار في قوله: "لم يزل ولا يزال قادراً بقدرته، والقدرة صفة في الأزل". ويربط كمال الدين البياضي بين القول بالقدرة على جميع الممكنات وبين القول بالاختيار بمعنى إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، ويصح منه الفعل ويصح منه الترك، فهو تعالى قادر مختار يفعل في وقت ويترك في آخر بحسب إرادته، لا موجب لذاته، ووفقاً لرأي الإمام فأن الله صانع قديم تستند إليه الحوادث وجميع الممكنات، خلافاً لرأي المعتزلة التي ترى أن قدرة الله تعالى مختصة ببعض الممكنات لا بجميعها، حيث إنهم يقولون بقدرة الإنسان على أفعاله، وفي الفقه الأبسط يهتم الإمام ببيان شمول قدرة الله تعالى لجميع الممكنات ولكل ما يحدث وذلك عن طريق معارضة الخصم وإلزامه فيقول: "أرأيت أن لو شاء الله أن يخلق الخلق كلهم مطيعين مثل الملائكة هل كان قادراً؟ فإن قال لا، فقد وصفه تعالى بغير ما وصف به نفسه لقوله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده) وقوله تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم). وإن قال هو قادر، يقال له أرأيت لو شاء الله أن يكون إبليس مثل جبريل في الطاعة، أما كان قادراً لمقدوريته وإمكانه في نفسه؟ فإن قال لا فقد ترك قوله ووصفه تعالى بغير صفته، وأبو حنيفة في هذا يحاول إلزام خصمه وإثبات شمول القدرة الإلهية لكل ما يحدث.
أشار أبو حنيفة في الفقه الأبسط إلى إثبات صفة الرؤية لله تعالى فهو لا كرؤيتنا للأشياء، لأننا نحتاج إلى الآلة لسبب عجزنا وقصورنا، وذات الله تعالى منزهة عن القصور، فهو يرى بلا آلة، ولقد صرح صاحب التلخيص والكفاية بأن قول أبي حنيفة يشير إلى أن رؤية الله تعالى تتعلق بالموجودات ولا تتعلق بالمعدومات، وذلك لأن الرؤية إنما تتعلق بما يصح أن يكون مرئياً، والمعدوم في حالة عدمه ليس كذلك، فلا تتعلق به إلا بعد وجوده، ولا يلزم في هذا نقص في رؤية الله تعالى، لعدم تعلقها بالمعدومات.
أشار أبو حنيفة في بعض نسخ الفقه الأكبر إلى أن الله يسمع لا كسمعنا، وهو يعتمد في إثبات صفة البصر والسمع لله تعالى ما جاء به القرآن والحديث وانعقاد الإجماع، ويرى أنه لا حاجة في ذلك للاستدلال لأن ذلك معروف من الدين بالضرورة، وهو تعالى لا يحتاج في بصره وسمعه إلى آلة لمغايرة ذاته تعالى للمخلوقين الذين يحتاجون إلى آلة. ويرى كمال الدين البياضي أن إثبات صفتي الرؤية والسمع، فيه رد على النافين للسمع والبصر عنه تعالى، متمسكين بأنهما نتيجة لتأثر الحاسة عن المسموع والمبصر أو مشروطان به كسائر الإحساسات، وأنه محال في حقه تعالى، وبأن إثبات السمع والبصر في الأزل ولا مسموع ولا مبصر فيه خروج عن المعقول، ولكن أبا حنيفة يفرق بين رؤية وسمع المخلوقين وبين رؤية الله تعالى وسمعه، لذا فلا تجوز شروط الرؤية والسمع الحسية. وأيضاً فأن السمع والبصر صفتان أزليتان قديمتان كالعلم والقدرة فشأنهما كسائر الصفات القديمة. ويرى أيضاً كمال الدين البياضي أن في قول أبي حنيفة رد على الأشاعرة وبعض المعتزلة القائلين بإرجاع السمع والبصر إلى العلم بالمسموعات، والبصر إلى العلم بالمبصرات.
يقول أبو حنيفة إن الله تعالى متكلم وله كلام، ولكن كلامه ليس ككلامنا، وكونه متكلم يعلم بالضرورة الدينية وبإجماع الأنبياء على أنه متكلم، وتواتر نقل ذلك عنهم. وكلامه تعالى غير كلامنا، فكلامنا مكون من حروف وأصوات، ونحن نتكلم في كلامنا الحسي بالآلات من المخارج المعهودة والعضلات الممدودة، والله متكلم بكلامه الذي هو صفته بلا آلة لتنزه ذاته عن القصور والاحتياج إلى الآلة، ولا حرف لتنزهه عن الصوت وكيفيته القائمة بالهواء لحدوثها. ويقول أبو حنيفة كما ذكر أبو المنتهى في شرحه للفقه الأكبر: "والحبر والكاغد والكتابة مخلوقة لأنها أفعال العباد، وكلام الله تعالى غير مخلوق، لأن الكتابة والحروف والكلمات والآيات دلالة القرآن" وذكر أنه وجد في بعض النسخ أنها آلة القرآن، وقال لحاجة العباد إليها، وكلام الله تعالى قائم بذاته ومعناه مفهوم بهذه الأشياء، فعلى هذا فكلامه تعالى معنى قائم بذاته ليس بحرف ولا صوت، لأن الحرف والصوت مخلوقان، وكلام الله صفة من صفاته غير مخلوق لامتناع قيام الحوادث بذاته بذاته تعالى. ورأي أبو حنيفة رد على المعتزلة القائلين بأن كلام الله تعالى مخلوق، وأن كلامه تعالى هو ما خلقه في جسم من اللوح المحفوظ أو جبريل أو الرسل من الكلام اللفظي المرتب الحروف والمتعاقب الكلمات، والمعتزلة تنفي الكلام النفسي. وفيه أيضاً رد على الحشوية القائلين بأن الكلام هو اللفظي وهو قديم مع ترتيب الحروف وتعاقب الكلمات قائم بذاته تعالى. وفيه أيضاً رد على الكرامية الذين يقولون بأن الكلام هو اللفظي وهو حادث قائم بذاته تعالى.
لقد اختلفت المواقف بالنسبة لمرتكب الكبيرة، فمن الفرق من تخرجه من دائرة الإيمان كالخوارج، ومنهم من قالوا بأن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن وليس بكافر بل في منزلة بين المنزلتين، وهؤلاء هم المعتزلة، وفريق ثالث قالوا إنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع من الكفر طاعة، وهولاء هم المرجئة، أما أهل السنة والجماعة فقد رأوا أن صاحب الكبيرة لا يكفر وأنه مؤمن عاصي. وبالنسبة لأبي حنيفة فإنه يقول: "أهل القبلة مؤمنون لست أخرجهم من الإيمان، بتضييع شيء من الفرائض، فمن أطاع الله تعالى في الفرائض كلها مع الإيمان كان من أهل الجنة عندنا، ومن ترك الإيمان والعمل كان كافراً ومن أهل النار، ومن أصاب الإيمان وضيع شيئاً من الفرائض كان لله تعالى فيه المشيئة إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له". ولقد ورد في الفقه الأكبر قول أبي حنيفة: "لا نكفر أحداً بذنب ولا ننفي أحداً من الإيمان". فأبو حنيفة يتوقف في أمر صاحب الكبيرة ويفوض أمره لله تعالى، إن شاء عذبه بعدله بقدر ذنبه، وإن شاء عفى عنه بفضله.