If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
يقول الصديق الحبيب الدكتور محمود حيدر : ليس يكفي لنتعرَّف إلى هايدغر أن ندخل عالمه من باب واحد. أو أن نسائله كما لو كان هو، هو، من مبتدئه إلى خبره. إنه من بين ندرة مضوا في سَيْريّة تفكُّر، ما كان لها مستقر. وهو ممن قل نظيرهم لمَّا نَقَد مكتوبه الفلسفي من دون أن يردَّه عن “نقد الذات” خوفٌ على الأنا وكبريائها.. لكي يُقرأ نصُّه وَجَبَ التهيؤ لرحلة مشرعة على طبقات شتّى من الفهم. لكن هذا لن يفضي بك إلى الإعراض، بل إلى ما يدعوك لمجاراته بخفرٍ وصمتٍ وانتباه.. فلو أخذك سهوٌ عما قَصَدَ من وراء عبارةٍ أو نعتٍ، فلربما أشكل عليك ما كنت تحسَبُه من بديهيات الكلام..وحالئذٍ ما لَكَ إلا أن تتحرَّى عالمه الشخصي من قبل أن تتأوَّل كلماته.. كما لو صرتَ بإزائه تلقاء كتاب موصود.. يطيب لهايدغر الوقوف على الحافَّة. يراقب ما يتوارى بين الثنايا والتخوم، أو ما يتخفَّى تحت أقنعة اللغة. يتعامل مع المفاهيم ومرجعياتها كمشرفٍ على عالمٍ أدنى.. أو كعاهلٍ يستبد بالكلمات حتى لا تستبد به الكلمات. متحررٌ مما سبق، ومما يعايش الآن، وما سيلي من وقائع. لكي تنعتق من أسره وجاذبيته ليس لك إلا أن تتاخمه برفق. ثم أن تعقد معه ميثاقًا ينتظمُه ديالكتيك الوصل والفصل. تَودُّ لو تقربُهُ وتكون في الآن عينه، لا مُريدًا له ولا خصمًا. فيلسوف ينطوي على سرّ متعدد الكمائن مثل هايدغر لا مناص مع رفقته من تقوى المتدبِّر.. أنت وهو حالئذٍ نظيران يتناظران من بُعد.. فلئن لم تفعل بما تُمليه عليك حكمة التناظر، سكَنْتَ عالمه الحائر، فتشابهت عليك المقاصد، فلا تستطيع معه صبرًا على فهم.. وإذًا .. سوف يكون على المتعرّف، أن يُبرم مع هايدغر وإنشاءاته ضربًا من تعادل لا محل فيه للغلبة. وليس ذلك إلا لينأى مسافة ما من سطوة المفهوم، وغواية المصطلح، وضباب الفكرة. لعل في التناظر معه ما ينشئ للقارئ منفسحًا من تَرَوِّ يعينُه على احتواء ما هو شاقٌّ وغامضٌ من قوله الثقيل.
قصدت الاستشهاد بذلك لأتحدث عن شارل حبيب مالك (1987 - 1906) ذلك العالم والسياسي والدبلوماسي والمفكر لبناني، وهو الذي كان يعد العربي الوحيد الذي شارك في صياغة وإعداد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في (ديسمبر) 1948، بصفته رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة، شغل منصب وزير الخارجية، بين نوفمبر 1956 وسبتمبر 1958، كما شغل منصب وزير التربية والفنون الجميلة؛ من تشرين الثاني (نوفمبر) 1956 حتى أغسطس 1957، في حكومة سامي الصلح، في عهد الرئيس كميل شمعون، ساهم في بدايات الحرب الأهلية اللبنانية في تأسيس الجبهة اللبنانية، وكان من أبرز منظريها مع الدكتور فؤاد أفرام البستاني، وقد كان الوحيد بين أقطابها الذي لا ينتمي إلى الطائفة المارونية، توفي في بيروت، في 28 كانون الأول (ديسمبر 1987 بسبب مرض السرطان).
وقد سطع دوره في كتابة ديباجة الاعلام العالمي بعدما قام الكندي جون همفري بوضع مسودة للإعلان في 400 صفحة بناء على تكليف من اللجنة الثلاثية المؤلفة من روزفلت وتشانغ ومالك. ولما كان من غير العملي أن يصدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 400 صفحة، قطعت اليانور روزفلت الجدل بقرار حاسم جرى بموجبه تكليف رينييه كاسان وضع مسودة مختصرة واضحة ودقيقة، على أن يستنير برأي شارل مالك في كل فقرة من فقراتها. اعتمد كاسان على "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" الصادر عن الثورة الفرنسية عام 1789، وشرعة "الماغنا كارتا" الصادرة عن نبلاء بريطانيا العظمى سنة 1215، قكتب مالك منفردا دباجة الإعلان العالمي. وهكذا انطبعت الوثيقة بأفكار مالك وظهرت في متنها بصماته الدامغة فضلاً عن تفرده بوضع المقدمة. وكان واضحاً إصراره على المواد 18 التي تنص على حرية التفكير والضمير والدين، والمادة 20 التي تنص على حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية وعدم إكراه أي إنسان في الانضمام إلى جمعية ما، والمادة 26 التي تنص على حق الإنسان في التعليم. واستطاع كاسان الفرنسي بدبلوماسيته الفائقة وخبرته القانونية من التوفيق بين القائلين بحقوق الفرد والمدافعين عن حقوق الجماعة.
لم يكتفِ مالك بموقعه كمقرر في اللجنة العالمية لحقوق الإنسان. فعام 1948 ترأس اللجنة الثالثة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية أثناء دراسة الإعلان. وعند وفاة اليانور روزفلت عام 1951، أختير خلفا لها في رئاسة اللجنة. وعام 1958 ترأس الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
والدكتور شارل مالك من مواليد بلدة بطرام – الكورة شمال لبنان في العام 1906. وقد تلقّى تعليمه الابتدائي والثانوي في طرابلس، ثم الجامعي في الجامعة الأميركيّة في بيروت، حيث تخرّج في الرياضيات والفيزياء. وكان، وهو في الجوّ العلمي المحض دراسياً، يقرأ الفلسفة، ويكتب بها، ويناقش أطروحاتها، ويضع حتى نظريات فلسفية خاصة به. واستغراقه الفلسفي العميق، قاده لاحقاً إلى الولايات المتّحدة ليدرّس الفلسفة في أرقى جامعاتها.. جامعة هارفارد، حيث تأثّر هناك عميقاً بألفرد نورث وايتهيد وأسئلته الفلسفية الناقدة.. ثم قاده الاستغراق الفلسفي بعدها، ليدرس في ألمانيا، ويتخصّص في الأطروحات الوجودية لآخر الفلاسفة الكبار في العالم: مارتن هايدغر، وقد لفته هايدغر أيضاً لجهة علاقته بالشاعر الألماني الكبير هولدرلن، والتنظير لمسألة الكينونة والزمن، والكينونة والوطن. فحفرت فيه أفكار هايدغر الفلسفية تجاه وطنه ألمانيا عميقاً، على الرغم من انحياز هايدغر لهتلر، والذي كان شارل مالك على الضدّ منه..
وهكذا شرع شارل مالك ليصير "هايدغر لبنان"، يطبق أسئلة حبّ الوطن وفلسفتها في لاوعيه على حبّه "الصوفي" المتطرّف والدفين للبنان، ويؤسطر ذلك كيانياً ووجودياً. وربما لأجل ذلك، انخرط شارل مالك في ما بعد في السياسة اللبنانية ومستنقع حربها الأهلية التي طالت 15 عاماً، وأسّس مع القادة المسيحيّين في لبنان "الجبهة اللبنانية". واعتبر، إلى جانب الرئيس كميل شمعون، والشيخ بيار الجميل، والشاعر سعيد عقل.
والدكتور فؤاد أفرام البستاني، وإدوار حنين.. وغيرهم ..وغيرهم، أحد عمدتها الكبار، إن لم يكن عمودها الأكبر. فقد قيل إن شارل مالك، "هو العقل الأيديولوجي المدبّر للجبهة اللبنانية، وإن السياسيّين الآخرين فيها هم العضلات".