If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كان باذان والي الفرس على اليمن، قد أسلم بعد أن تحققت لديه نبوءة النبي محمد بوفاة كسرى. وقد ثبّته النبي محمد في منصبه حتى وفاة باذان عام 10 هـ، فقسّم النبي ولايته، فجعل ابنه شهر بن باذان على صنعاء وبعض أصحابه على باقي مناطق اليمن. وفي آخر عهد النبي محمد، خرج عبهلة بن كعب بن غوث العنسي المذحجي المعروف بذي الخمار الأسود العنسي على عمّال النبي محمد في اليمن، فجمع 700 مقاتل وهاجم بها نجران فانتزعها، ثم سار إلى صنعاء فقاتله شهر بن باذان، فهزمه الأسود وقُتل شهر. فاضطربت الأمور في اليمن، ودانت له من حضرموت إلى الطائف إلى البحرين والأحساء إلى عدن، فعظُم ملكه واستغلظ أمره. فارتد بعض أهل اليمن، وآثر أكثر المسلمين مُداراته وإتقاء شر أمره. أسند الأسود أمر جنده إلى قيس بن عبد يغوث بن مكشوح المرادي، واستعان في إدارة ملكه بفيروز الديلمي وداذويه، وتزوج من آزاد أرملة شهر بن باذان والتي هي ابنة عم لفيروز، وكانت قد بقيت على إسلامها غير أنها كتمت ذلك. حين بلغ الخبر إلى النبي محمد، أرسل وبر بن يحنس الدليمي إلى مسلمي اليمن يأمرهم بقتال العنسي. تولى معاذ بن جبل الدعوة لذلك، وكان حينئذ باليمن حيث أرسله النبي محمد ليُعلم أهلها الإسلام، فاجتمع له عدد من مسلمي اليمن، ونجحوا في الاتصال بقيس بن عبد يغوث قائد جند العنسي الذي وقع الخلاف بينه وبين العنسي. كذا اتصلوا بفيروز وداذويه، وكانا أيضًا على خلاف مع الأسود، واتفقوا على قتل الأسود. وأرسلوا إلى آزاد زوجة العنسي يطلبوا معونتها، فوافقتهم وأعلمتهم بمحل يكون فيه بلا حراسة، ويسّرت لهم سلاح وسُرُج. واتفقوا على موعد تمكن فيه فيروز من قتل الأسود بمعاونة صاحبيه، واحتزوا رأسه، ثم جمعوا الناس وألقوا الرأس بينهم، فانهزم أصحاب عبهلة ونجح عدد من الفرسان من أتباع العنسي في الفرار، وظلوا يترددون بين نجران وصنعاء لا يأوون إلى أحد. وبذلك، عادت بذلك اليمن إلى إسلامها، وأرسلوا إلى النبي محمد بالخبر. كان مقتل الأسود العنسي قبل وفاة النبي محمد بأيام، وقد وصل الخبر المدينة في آخر ربيع الأول في خلافة أبي بكر.
أما عن المنطقة الواقعة بين مكة واليمن، فبعد وفاة النبي محمد واضطراب الأمور، كتب عتاب بن أسيد عامل أبي بكر على مكة إلى أبي بكر بخبر من ارتد، وبعث عتاب أخاه خالدًا إلى أهل تهامة لقتال من ارتد منهم، فهزم خالد كنانة في الأبارق، وبعث عثمان بن أبي العاص عامل الطائف عثمان بن أبي ربيعة لقتال شنوءة فهزمهم، وقاتل الطاهر بن أبي هالة عامل أبي بكر على بنو عكّ والأشعريين بمن بقي على إسلامه المرتدين من عك والأشاعرة وهزمهم. أما بُجيلة، فقد أمر أبو بكر جرير بن عبد الله البجلي أن يقاتل من ارتد من قومه، ثم يسير لقتال خثعم، ففعل وتمكّن من ذلك. فيما بقي أهل نجران على عهدهم، وبعثوا وفدًا منهم لتجديد العهد مع أبي بكر.
وفي اليمن، فبالرغم من وفاة الأسود العنسي، إلا أن أمورها اضطربت من جديد. طمع قيس بن مكشوح المرادي في مُلك اليمن، فارتد عن الإسلام، وكاتب أصحاب الأسود فأجابوه، ثم أعد قيس مكيدة لفيروز وداذويه، فدعاهما إلى طعام، فسبق داذويه فيروز إلى الوليمة، فانفرد به قيس وقتله. وفي طريقه إلى الوليمة، سمع امرأتان تتحدثان عن مقتل داذويه، ففر إلى أخواله بجبل خولان، وارتدت صنعاء عن الإسلام مجددًا. ثم لجأ قيس بن مكشوح إلى إجلاء الأبناء عن اليمن.(1) استطاع بعد ذلك فيروز أن يجمع جيشًا قاتل به ابن مكشوح، وهزمه وأُسر قيس بن مكشوح المرادي وحليفه عمرو بن معد يكرب. كان أبو بكر قد أرسل بعثًا بقيادة المهاجر بن أبي أمية المخزومي لقتال مرتدي اليمن، فسلّم فيروز أسيريه إلى المهاجر الذي أرسلهما إلى المدينة، فعنّفهما أبو بكر ثم عفا عنهما بعد اعتذارهما، وبذلك استقر الوضع لصالح المسلمين في اليمن. وعمل المهاجر على مطاردة جيوب المرتدين في اليمن حتى تمكّن منهم، وبعث بأمره إلى أبي بكر.