If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
يلاحظ ابن فضلان أن أكثر البلغار مريض بداء القولنج حتى أن أكثرهم تختفي من وجهه الحمرة، ويلبسون جميعاً القلانس، وأكثر أكلهم الجاورس (نوع من الحبوب) ولحم الدابة، على أن الحنطة والشعير كثير لديهم، وكل من زرع شيئاً أخذه لنفسه، ليس للملك فيه حق، سوى ما يقدمونه له كل عام من جلد السمور. ويحفرون في الأرض آباراً ويضعون طعامهم فيها، فلا تمضي أيام حتى يتغير طعمه ورائحته، وليس لهم زيت أو دهن، سوى دهن السمك يعتمدونه في أكلهم. ويعملون من الشعير حساء للجواري والغلمان. وفي غياضهم عسل كثير، وعندهم تفاح أخضر شديد الخضرة، وأشدّ حموضة من خلّ الخمر، تأكله الجواري فيسمنَّ عليه. ولم ير في بلدهم أكثر من شجر البندق، كما يوجد عندهم شجر مفرط الطول وساق أجرد الأوراق، يجيئون إلى موضع يعرفونه في ساقه فيثقبونه فيخرج منه ماء أطيب من العسل، إذا أكثر منه المرء أسكره؛ وعندهم أيضاً رمان أمليس (لا نواة له) لذيذ جداً ولا ينسى أن يحدثنا عن المناخ والطقس، وما يحتويانه من غرائب، فيلاحظ تفاوت الليل والنهار واختلافهم عما اعتاده في بلاده، لدرجة صار حائراً والتبست لديه مواقيت الصلاة، فالنهار لديهم طويل جداً، إذ أنه يطول عندهم مدة من السنة ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار، ورأى في يوم إقامته الثاني أن الشفق الأحمر الذي قبل المغيب لا يغيب البتة، وإذا الليل قليل الظلمة يعرف الرجلُ الأشياء عن بعد. ورأى القمر لا يتوسط السماء، بل يطلع في أرجائها ساعة ثم يطلع الفجر فيغيب القمر. ورأى البلد عند طلوع الشمس يحمرُّ كل شيء فيه الأرض والجبال وكل شيء ويحدثنا عن عجائب، حرص أن ينسبها إلى غيره لغرابتها، رغم قوله: “رأيت في بلده من العجائب ما لا أحصيها” فهو يتحدث بلسان أحد أصحابه عن وجود حيوان غريب، هو دون الجمل في الكِبر وفوق الثور، وحوافره مثل أظلاف الثور، له في وسط رأسه قرن واحد غليظ مستدير، يرتقي ورق الشجر، إذا رأى الفارس ظل يلاحقه حتى يقتله، لذا فهم يصعدون إلى أعالي الشجر ليرموه بالسهام المسمومة لقتله. ولعله بذلك يصف ما يسمى بوحيد القرن. كما يتحدث على لسان أحد الرجال عن شعب غامض يسميه يأجوج ومأجوج، ويبعد هؤلاء عن أهل (ويسو) ثلاثة أشهر، وهم عراة، يفصلهم البحر عن أهل (ويسو), وهم مثل البهائم ينكح بعضهم بعضاً. يخرج الله لهم كل يوم سمكة من البحر لطعامهم. كما التبس عليه رؤيته لبعض الظواهر المتعلقة بالشفق القطبي، فتخيَّل أنه يرى أمثال الناس والدواب في الجو، تأثراً ببعض المعتقدات المحلية الراسخة. كما يحدثنا عن لسان ملك البلغار عن شعب (ويسو)، وهو شعب فنلندي شمالي، ولعله كما يرى المستشرق فراهن شعب روسيا البيضاء، قرب موسكو الحالية، إذ يعلمه ملك البلغار أنه يبعد ثلاثة أشهر عن بلاده؛ والليل عندهم أقل من ساعة، يذهب إليهم تجار البلغار ليشتروا منهم جلود السمور والثعلب الأسود. فقدم لنا ابن فضلان صورة حية، عن مقطع من حياة البلغار قبل ألف عام، لا غنى عنها لأي مؤرخ لحياة وأصول شعوب شرق أوروبا، فجمعت رسالته بين أسلوب التقرير الرسمي وبين الدراسة الإثنوغرافية لحياة هذا الشعب.