If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
خلد الماء هو حيوانٌ نصفُ مائيّ ونصفُ بريّ، حيث يعيشُ في الجداول أو الأنهار الصغيرة كما يستطيعُ الزَّحفَ خارجها، وتتراوحُ الارتفاعات التي يتواجدُ فيها ما بين المرتفعات قارسة البرودة في جزيرة تسمانيا وجبال الألب الأسترالية إلى الغابات المطيرة الدَّافئة الواقعة على سواحل كوينزلاند وشمالاً حتى شبه جزيرة كيپ يورك. وليس من المعروف كثيرًا أين يتواجد خُلْد الماء في أعماق قارَّة أستراليا، فهو يعتبر منقرضًا في جنوب القارَّة (ما عدا جماعةٍ استقدمها الإنسان إلى جزيرة كانغارو)، وأصبح نادرًا جدًا ضمنَ حوض موراي دارلينغ (نتيجةً لتدنِّي جودة المياه النَّاجم عن مُخطَّطات إزالة الغابات والري)، وأمَّا في الأنهار الساحليَّة فإنَّ وجوده غير مُنتظِم، فقد يبتعدُ خلد الماء عن الأنهار التي تبدو في حالةٍ بيئيِّة جيِّدة، بينما يُعثَرُ عليه بأعدادٍ كبيرة في أنهارٍ أخرى شديدة التلوّث.
سبق لخلد الماء وأن عاشَ، في الأسر، لمُدَّة 17 عامًا، كما عُثِرَ عليه في البرية وقد عمَّر 11 سنة، وبالإجمال، يبدو أن معدل الوفيات بين مَنَاجِذِ الماء البالغة قليل جداً. أهمُّ الأعداء الطبيعيِّين لهذه الحيوانات هي الثعابين، وجِرْذَان الماء، وسحالي الورل، والبوم، والعقبان، والبيزان. وتعتبر أعدادُ خلد الماء في شمال أستراليا قليلة، ممَّا يُفسِّرُهُ بعْضُ الباحثين بأنَّ التماسيح تفترِسُهَا هناك. ولكنَّ الإنسان الأوروبي استقدم إلى أستراليا في عام 1845 الثعلب الأحمر، الذي لم يَكُن يعيشُ على القارَّة بصورة طبيعية، للاستفادة منهُ في الصَّيد، ويعتقد أنَّ هذه الثعالب اقتاتت على الكثير من مناجذ الماء في أستراليا. ويُعَدُّ خُلْد الماء حيواناً ليليًا، فهو يخرجُ ليبحث عن الطعام بعد حُلول الظَّلام، ولكنَّهُ قد يستيقظُ في النهار أحيانًا، خصوصاً عندما تكونُ السَّماء غائمة. ويعيشُ خُلْد الماء عادةً في الأنهار وعلى ضفافها الرَّطْبَة، وذلك لأنَّ الحيوانات التي يصطادُهَا ويَقْتَاتُ عليه تعيشُ في الماء، ولأنَّه يستطيع (على ضفاف النهر) أن يحفرَ لنفسه جُحْراً يحتمي بداخله ويُربِّي صغاره. وقد يبلُغُ امتداد منطقة الصَّيْد لخُلْد الماء الواحد ما يصلُ إلى سبعة كيلومترات، حيثُ يُمْكِنُ لمنطقة كلّ ذكرٍ أن تتداخلَ مع مناطق عِدَّة إناث.
يستطيع خُلْد الماء السّباحة ببراعةٍ شديدة، فهو يمضي أوقاتاً طويلةً في المياه بحثًا عن طعامه. ويمكن تمييزه عن الحيوانات الثديِّيَّة الأخرى التي تسكنُ أستراليا، عندما يسبح، لكونه - على عكس غيره - لا يمتلك صوان أذن. كما يتميَّزُ عنها بأنَّه يدفع نفسه، أثناء السّباحة، بساقيه الأماميَّتين فقط (عوضاً عن الأربع)، بينما يُبقِي ساقيه الخلفيَّتين مطويَّتين تحتَ جسده، ولا يستعمل هاتين الساقين ولا ذيله سوى لإمالة جسده نحو الاتجاه الذي يريد السباحة إليه. ولكون خلد الماء من ذوات الدم الحار فهو يُبْقِي حرارة جسده ضمنَ الاثنين وثلاثين درجة مئوية، حتى ولو ظلَّ يأكلُ لساعاتٍ في مياه باردةٍ تقلّ حرارتها عن الخمس درجات.
لا يستطيع خُلْد الماء التنفّس تحتَ الماء، فهو يحتاجُ إلى الهواء الطَّلْق، ولذا فإنَّ معظم غطساته لا تتجاوزُ مدّتها نصفَ دقيقة، ومن ثمَّ يجبُ عليه أن يخرجُ إلى سطح الماء ليلتقط الهواء لما بين عشر ثوانٍ إلى عشرين ثانية. وإذا لم يَكُن في الماء فهو يُحِبّ أن يرتاحَ في أوكارٍ غير عميقةٍ مكوّنة من نفقٍ مستقيم، عادةً ما يحفرُها على ضفة النهر، ويختارُ لها موقعًا خفيًا بين جذور الأشجار. ويُعتقد أن فترة نوم خُلْد الماء تصلُ إلى 14 ساعة يوميًا، وقد يكونُ ذلك لأنَّه يتغذّى على الكثير من القشريات التي تحتوي الكثير من السّعرات الحرارية.
خلد الماء هو من آكلات اللحوم، فهو يتغذَّى على الديدان الحلقية، واليرقات، وإربيان الماء العذب، وجراد البحر الذي يفترسه بحفر تربة قاع النهر بفمه أثناء سباحته. ولدى خُلْد الماء جيوبٌ في خدَّيْه يستعملها لحمل فريسته إلى خارج الماء، حيث يتناولها على اليابسة. ويحتاجُ خلد الماء لتناول ما يعادل 20% من وزنه من الطعام يوميًا، ولذلك فإنَّه يقضي حوالي 12 ساعة كلَّ يوم في البحث عن طعامه.
عندما تعرًَّف أوائل علماء الطبيعة الأوروبيِّين على حيوان خلد الماء، اختلفوا فيما إذا كانت أنثاه تضعُ بيوضًا أم لا. ولم يتوصلوا إلى اتفاق حتى عام 1884، حيث سافر العالم كلادويل إلى أستراليا، وأجرى بحوثًا دقيقةً على مناجِذِ الماء بمساعدة فريق من 150 أستراليًا أصليًا، تمكَّن - بنهايتها - من اكتشاف عِدَّة بيوض. ولأنَّ البرقيات كانت مُكلِفة جدًا آنذاك، فقد أرسل كلادويل إلى لندن الكلمات الآتية: «وحيد مسلكٍ بيَّاض، بُوَيْضة مُنْقَسِمَة». وهي تعني أن خلد الماء (وهو حيوان أحادي المسلك) يضعُ البيوض، وأنَّ بويضات الإناث لا تنقسمُ بالكامل عندَ تكوّن الجنين، بل ينقسمُ جزءٌ صغير منها فقط، وهي صفة تشبه الزواحف.
لا يتزاوج خُلْد الماء سوى في موسم تناسل واحد، وهو يكون ما بين شهري تمُّوز (يوليو) إلى تشرين الأوَّل (أكتوبر)، مع اختلاف هذا الوقت قليلًا بين المكان والآخر. استُعمِلَت طرقٌ مختلفة في دراسة سلوكيات التكاثر لدى هذا الحيوان، منها المراقبة المباشرة، وتثبيت العلامة وإعادة الأسر، وغير ذلك من وسائل البحث، وأظهرت هذه الدراسات أنَّ بعض مناجِذِ الماء تتكاثرُ في منطقتها الأصلية، بينما ترتحلُ بعضها إلى مناطق جديدةٍ بحثاً عن شريك للتزاوج، كما توحي الدراسات بأنَّ ذكور خلد الماء تكون مُتعددة التزاوج. ويعتقد أن الإناث تصلُ مرحلة النضج الجنسي بعد أن تبلغ عامَيْن من العمر، إلا أنَّ البحوث أثبتت أنَّها لا تتكاثرُ حتى تبلغ من العمر ما يقارب تسع سنوات.
يعيش خلد الماء، بعد انتهاء موسم التزاوج، في جحورٍ بالأرض لا يتعدَّى ارتفاعُ مدخلها 30 سنتيمترًا فوق مستوى الماء. وقد تبني الإناث جحورًا عميقةً وأكثر تعقيداً من الذكور، إذ تصلُ في طولها إلى عشرين مترًا، وتكون مغلقةً بين الممرَّات بسداداتٍ (وربّما يكونُ الغرض من السّدادات حمايتها من ارتفاع مستوى الماء أو تسلّل الحيوانات المفترسة، كما قد تكونُ طريقةً لتنظيم حرارة ورطوبة الجُحْر). ولا يشارك ذكور خلد الماء في رعاية صغارهم، بل يعودون إلى جحورهم بعد التكاثر. وأما الأنثى فهي تستعدُّ لوضع بيوضها بفرش أرضيَّة الجُحْر بأوراقٍ الشجر الرَّطبة والمطويَّة، وهي تهتمُّ - بصورة خاصَّة - بجعل أرضيَّة مكان وضع البيض ناعمةً بإضافة الكثير من الأوراق والقصبِ إليها. وهي تتمكَّنُ من إدخال هذه الأشياء إلى جُحْرها من خلال الإطباق عليها بذيلها وجرِّها تحته.
لأنثى خلد الماء مبيضان اثنان، لكن الأيسرَ منهُما فقط يؤدّي عمله. ومن المحتمل أن تكون جينات خلد الماء الحديث حلقة وصلٍ ما بين جينات XY المُحدّدة للجنس لدى الثدييات، وجينات ZW المقابلة لها لدى الزواحف والطيور، وذلك لأنَّ أحد كرومسومات X الخمسة عند خلد الماء فيه جين DMRT1 الذي يوجد أيضاً في كوروسومات Z لدى الطيور. وتضعُ أنثى خلد الماء ما بين بيضةٍ إلى ثلاثة بيوض (أو اثنتين في الغالب) ذات قشرة صلبة مشابهة لبيوض الزواحف، ويكون قطرها حوالي 11 ملليمترًا، وأكثر كرويَّة بقليلٍ من بيوض الطيور. وتنمُو البيوض في الرحم لمُدَّة 28 يومًا، ولا تحضنُها الأمّ سوى لعشرة أيام، وبالمقارنة فإنَّ بيضة الدجاجة تقضي يومًا واحدًا في الرحم وثلاثة أسابيعٍ في فترة الحضانة. وتُكوِّر الأنثى جسدها حول بيوضها بعد وضعها، وتمرّ - في فتة الحضانة - بثلاثة مراحل. إذ لا تكونُ للجنين، في المرحلة الأولى، أيّ أعضاءٍ عاملة، ويعتمدُ بالكامل على الكيس المحيّ للحصول على الغذاء. ومن ثمَّ يمتصُّ الجنين كلَّ المح، وفي المرحلة الثانية تنمو الأطراف والأصابع. وأخيرًا، في المرحلة الثالثة، ينمو سنّ البيضة (الذي يستخدمه الصَّغيرُ لكسر بيضته ويخرجَ منها).
وفي معظم أنواع الثدييات تمرّ البويضة المُخصَّبة بمرحلة انقسام، إذ تتعدَّدُ إلى خلايا مُنقسمة كثيرة. وأما خلد الماء فإنَّ بويضته تتصرَّفُ مثل بيوض الطيور، حيث ينقسمُ جزءٌ من البويضة فحسب، وليس البويضة كلّها. وهذا يجعل سيتوپلازم خلايا المُحّ متصلًا بسيتوپلازم البُويضة نفسها، وبالتالي يتمكَّنُ الجنين - الموجود في المُحّ - من تبادل الفضلات والأكسجين والموادّ المغذية من خلال السيتوپلازم، وهو أمرٌ يحتاجه خلد الماء لكونه حيوانًا يضعُ البيوض (على عكس باقي الثدييات).
وتفقسُ صغار هذه الحيوانات من بيوضها وهي عاجزة جدًا، إذ تكون أبكمة وعارية من الشَّعر، ولا تتغذى إلَّا على حليب أمّها. ولأنثى خلد الماء غدد ثديية، ولكن ليست لها حلمات، إنَّما يخرجُ حليبها من خلال ثقوبٍ في جلدها، إذ يتدفَّقُ الحليب من خلال مساراتٍ في بطنها حتى يلعقه الصغار. ويرضعُ صغار خلد الماء لما بين ثلاثة إلى أربعة شهور، وفي تلك الفترة لا تتركُ الأمّ العش إلا لفتراتٍ قصيرة، تستغلّها بالبحث عن الغذاء. إلا أنَّها، قبل أن تخرجَ من الجحر، تصنعُ سداداتٍ ترابيَّة تغلقُ أجزاءً منه، ولعلَّ في هذا إجراءً احترازيًا لحماية صغارها. وبعد مرور خمسة أسابيع على الفطام يصبح تردُّد الأنثى على صغارها أقلّ، وبعد أربعة شهور تقريبًا من التفقيس يغادر الصّغار الجحر لأول مرة. ويولد صغار خلد الماء ولها أسنان، ولكنَّ أسنانها تتساقطُ بعد التفقيس بمُدَّة قصيرة جدًا، ولا تبقى مكانها سوى صفائحُ منقاريَّة يستعملها خلد الماء في سحق طعامه.