If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
دخل الإسلام إلى السودان على أنقاض ممالك مسيحية منقسمة لم تستطع توحيد نفسها رغم اشتراكها في دين واحد، وهذا ماأضعفها وسهّل سقوطها. ولم تصمد المسيحية أمام دينامية الفاتحين والمهاجرين المسلمين المتدفقين من شبه الجزيرة العربية منطلقين إلى العالم كله. ومن بين المواضع التي قصدتها العناصر الإسلامية، شمال أفريقيا وبالذات مصر ومنها كان التدفق الإسلامي الهائل نحو بلاد النوبة. فقد بدأ احتكاك وتفاعل مباشران، بعد دخول عبد الله بن أبي السرح إلى مصر.
ومن الثابت أن السودان الشرقي قد عرف الهجرات العربية منذ فترة بعيدة قبل الإسلام. فقد نزحت بعض المجموعات بسبب الصراعات القبلية أو شح الغذاء، وعبرت هذه القبائل البحر الأحمر مباشرة أو أتت من الشمال عن طريق مصر، أو من الساحل الشمالي لأفريقيا. وفي هذا الأثناء، جاءت قبائل بني هلال وبني سليم وجهينة وربيعة والجعافرة وقبائل مغربية من البربر. ويرى بعض المؤرخين أن بلاد البجا قد عرفت مبكرا قبل الإسلام هجرة الحضارمة، ثم تحولوا إلى الإسلام، وأطلق عليهم البجا اسم الحدراب.
وتفاعلت بلاد النوبة إيجابيا مع الهجرات العربية السابقة للإسلام، لذلك كان من السهل على القبائل والمجموعات العربية المسلمة لاحقا أن تجد طريقها إلى الممالك النوبية المسيحية منذ القرن السابع الميلادي. ومثال ذلك إن المجموعة التي تسمى: المجموعة الجعلية أو المجموعة الجعلية-الدنقلاوية، والتي سكنت السودان الشمالي، كان أثرها أقوي وأشد مقارنة بالمجموعة الجهينية الأكثر عددا. فقد تمكنت هذه المجموعة من التمازج مع السكان المحليين ونشرت الإسلام والعربية إلى حد كبير. ومن المعلوم أن الإسلام لم يدخل السودان من خلال غزوات والفتح العسكري، لذلك كانت عملية التحول إلى الدين الإسلامي بطيئة للغاية. كما كان التدين بسيطا أقرب إلى القدوة والتقليد منه إلى الفكر والمعرفة العميقة.
وظلت العلاقات بين بلاد النوبة والمسلمين في مصر متوترة باستمرار. وقد تميزت بالمناوشات وتهديد الحدود، وخطوط تجارة القوافل، خاصة بعد أن فتح المسلمون مصر على يد عمرو بن العاص عام 20هـ/641م، في عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه. وتواصلت محاولات إخضاع بلاد النوبة، فقد ذكرت المراجع العربية الوسيطة، أن عمرو بن العاص بعث عقبة بن نافع الفهري، وكان نافع أخا العاص لأمه. فدخلت خيول المسلمين أرض النوبة، ويقول البلاذري: «فلقي المسلمون بالنوبة قتالا شديدا. لقد لاقوهم فرشقوهم بالنبل حتى جرح عامتهم، فانصرفوا بجراحات كثيرة وحدق مفقوءة، فسموا«أي النوبة»رماة الحدق». ولم تكن المعركة حاسمة، لذلك عاد النوبيون بعد فترة وجيزة إلى الإغارة على الحدود والقوافل، وانتهت الهدنة القصيرة. أما عبد الله بن سعد بن ابي السرح، فقد استهل عهده بحملتين عاميّ 20 ــ 21هـ /641م و30 ــ 31هـ /651م. فقد قرر أن يضع حدا لتهديدات النوبة، فجرد جيوشه إلى النوبة ووصل إلى دنقلا وحاصرها ورماها بالمنجنيق الذي أفزع النوبيين، فطلب الملك قليدروت الصلح. وبالفعل تم توقيع اتفاقية البقط.
وهي كما يقول ابن الحكم، هدنة أمان لا عهد ولا ميثاق. وهي في حقيقتها أقرب إلى معاهدة تجارية وسياسية بين مصر الإسلامية ومملكة دنقلا المسيحية، أو مجرد معاهدة حسن جوار تضمن حرية الحركة والتجارة بين البلدين. وهي تختلف عن كل اشكال المعاهدات الأخرى التي عقدت بين المسلمين وغير المسلمين. وقد جاء في نص اتفاقية البقط ما يلي:
ومن الملاحظ أن المسلمين لم يلتزموا بدفع أي شيء للنوبيين في المقابل. ولكن جرى العرف على أن يقوم المسلمون بإرسال كمية من الحبوب والملابس إلى النوبيين. وهذا نتيجة اقتناع عبد الله بن سعد بحاجتهم إليها لفقر بلادهم، فصار هذا التقليد رسما اتبعه كل من جاء بعده من ولاة المسلمين. ويرى في عدم التزام المسلمين بدفع شئ رسميا ما يوحي بادعاء نوع من السيادة في بلاد النوبة، من وجهة نظر إسلامية. كما لم يلتزم المسلمون بالدفاع عن النوبيين إذا هاجمهم عدو خارجي. وهذا شكل مختلف تماما عن المعاهدات التي أبرمها في البلدان التي فتحت عنوة. ويرجع بعض المؤرخين ذلك العهد المختلف إلى فقر البلاد وسوء حالتها الاقتصادية. كما أن المسلمين لم يروا بأسا في مجاورة دولة مسيحية ليست ذات خطر، خاصة أن المسلمين قد واجهوا في المراحل الأولى للتوسع الإسلامي مشاكل كثيرة داخلية وخارجية، رغم أن المادة الخاصة برعاية المسجد الموجود في المنطقة والاجراءات المنظمة للنشاط الاقتصادي، قد مهدت لاحقا بانتشار الموجات المهاجرة من رأوا ضرورة التفرغ لها وعدم تشتيت الجهود.
لم يتضمن البقط منطقة البجا، إذ لم يرد عنهم نص في المعاهدة. ويبدو أن عبد الله بن سعد لم يعطهم أي اعتبار ــ كما يقول بعض المؤرخين مثل ابن عبد الحكم ــ لأنهم لم يمثلوا خطرا على المسلمين. ولكن البجا أغاروا على صعيد مصر حوالي عام 725م، فصالحهم ابن الحبحباب وكتب لهم عقدا خاصا. وقد نص العقد على أن يدفعوا ثلثمائة من الإبل الصغيرة، وعلى أن يجتازوا الريف تجارا غير مقيمين، وألا يقتلوا مسلما أو ذميا وألا يأووا عبيد المسلمين، ويظل وكيلهم في الريف، رهينة في يد المسلمين. ولكن البجة عاودوا مهاجمة المسلمين وأغاروا على قوافلهم من جديد في منطقة أسوان. لذلك جرد عليهم الخليفة المأمون حملة بقيادة عبد الله بن الجهم سنة 841م، انتهت بعهد جديد مع رئيسهم كنون بن عبد العزيز، ومن أهم شروطه:
تختلف الآراء حول أصل الفونج. وهم يرجعون بأصولهم إلى العرب وإلى بني أمية بالذات. و المصادر العربية تذكر أن بعضا من أمراء بني أمية هربوا من مصر إلى بلاد النوبة والبجة عندما خر صريعا في مصر مروان بن محمد آخر خليفة لهم حوالى أوائل القرن السادس عشر الميلادى وفي فترة الغموض وقلة المصادر عن أخريات مملكة علوة أو العنج كما يسمونها في السودان ظهرت دولة إسلامية يرأسها الملك عمارة دونقس من الفونج. و بالرغم من أن هذه الحقبة من تاريخ السودان قريبة منا نسبيا فإن مصادرها قليلة ومشوشة و العهد الذي سبقها في علوة المسيحية كان أشد غموضا. ثار جدل لم ينته بعد حول أصل الفونج و من أي موطن دخلوا السودان و في أي وقت دخلوا في حلف مع العبدلاب، و مملكة سوبا التي قامت على أنقاضها دولة الفونج لم يتضح لنا على وجه التحديد هل كانت نهايتها تدريجية أم كانت بهجوم على عاصمتها سوبا وتخريبها على حسب الروايات، والروايات الوطنية تفقد أحيانا الحاسة الزمنية مما يجعل مهمة الباجث بالغة الصعوبة ومع ذلك فلا بد لنا من الاعتماد على مصادر مكتوبة ومدونة عندما نبدأ قصة التأسيس الأول كدولة الفونج، هنا يبرز لنا مصدران رئيسيان في هذا الصدد أولهما مخطوطة للشيخ أحمد كاتب الشونة الذي عاصر أواخر عهد الفونج وأوائل عهد الحكم التركي المصري و عمل حينا في شونة الخرطوم، ولذلك سمي بكاتب الشونة، ومخطوطته تسرد تاريخ الفونج منذ تأسيسها وتذكر عن ملوكها الأوائل نبذا قصيرة ولكن عندما تمتد القصة إلى عهد تزدحم الحوادث ويطيل في سردها،