If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
عني أورخان بِتنظيم إمارته تنظيمًا مُحكمًا، والتفت في بداية حُكمه إلى سن القوانين وإحداث التنظيمات الضروريَّة لِحماية إمارته، وأدرك أنَّ الأعباء المُلقاة على عاتقها أكبر من إمكاناتها، وبِخاصَّةً بعد أن أصبحت الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة تنظر إليها بِعين الريبة، ولِذا اهتمَّ أولًا بِإعادة تنظيم الجيش الذي يُشكِّلُ عماد الدولة، فلجأ إلى وسيلةٍ تكفل لهُ زيادة عدد أفراده وتوفير فئة خاصَّة شديدة الولاء لِلدولة. لم يكن لِلإمارة العُثمانيَّة عند قيامها جيشٌ نظاميٌّ تعتمدُ عليه، وقد وقع عبء الفُتوح الأولى كُلها على عاتق المُجاهدين والباحثين عن الغنائم وجماعات الدراويش، وكانوا كُلَّهم من الفُرسان، فيجتمعون في مكانٍ مُحددٍ عن طريق المُنادين، ثُمَّ يخرجون إلى الحرب، فإذا انتهت تفرَّقت جُمُوعهم وعاد كُلُ واحدٍ إلى عمله الأساسي. والواقع أنَّ العُثمانيين اعتمدوا، مُنذُ أوَّل ظُهورهم في التاريخ، نظامًا إقطاعيًا كان الهدف منهُ تأمين مصدرٍ ثابتٍ لِإمداد جُيُوشهم بِالجُند، يُغنيهم عن إنشاء جيشٍ نظاميٍّ دائمٍ ويُوفِّرُ لهم نفقاته، وكان أساس هذا النظام هو إقطاع أو منح المُحاربين والمُجاهدين بعض المُقاطعات الزراعيَّة مُقابل التزامهم بِأن يكونوا دومًا على استعدادٍ لِلسير إلى الحرب متى يُدعون إليها، مع أعدادٍ من الفُرسان من أتباعهم تتناسب ومساحة الإقطاعة الممنوحة لِكُلٍ منهم، وأن يُجهزوهم بِكُل ما يحتاجون إليه من خيلٍ وسلاحٍ. بناءً على هذا، وضع الصدر الأعظم علاءُ الدين باشا نظامًا لِلجُيوش التابعة لِأخيه السُلطان وجعلها دائميَّة، وقسَّمها إلى وحدات تتكوَّن كُل وحدة من عشرة أشخاص، أو مائة شخص، أو ألف شخص، وخصَّص خُمس الغنائم لِلإنفاق منها على الجيش، وأنشأ لها مراكز خاصَّة يتم تدريبُها فيها.
لكنَّ أورخان أدرك، من خِلال عمليَّاته العسكريَّة السَّابقة، حاجتهُ إلى جيشٍ من المُشاة يستطيع بِواسطته أن يفتح القِلاع ويقتحم الأسوار المنيعة، وقد فشلت جُهُوده في تحويل الفُرسان التُرك إلى جُنودٍ مُشاة حتَّى مع تنظيمات أخيه علاء الدين، وكان قبل تلك التنظيمات يُعاني من تأخير الفُرسان الإقطاعيين في الوُصول إلى ساحة القتال في الوقت المُحدَّد، وعدم تحمُّلهم القيام بِعمليَّات حصارٍ طويلة، بِالإضافة إلى أنَّهُ لم يكن من المُمكن الرُكون إليهم في عمليَّاتٍ عسكريَّةٍ بعيدٍ عن مناطق إقطاعاتهم من دون التعرُّض لِبعض المشاق. كما استدرك علاءُ الدين أمرًا خطرًا آخر ظهر في جيش الإمارة العتيدة، وهو تحزُّب كُل فريقٍ من الجُند إلى القبيلة التابع إليها، فخشي انفصام عرى الوحدة العُثمانيَّة التي كان كُل سعيه وسعي شقيقه السُلطان في إيجادها. لِهذا، كان من الطبيعي أن يسعى الرجُلان لِإنشاء جيشٍ من المُشاة دائمٍ ومُحترف، وهذا ما سمحت الظُروف بِتحقيقه في النصف الأوَّل من القرن الرَّابع عشر الميلاديّ، وذلك باستخدام عُنصُر غير مُسلم وغير تُركي، وهو نظامٌ عسكريٌّ جديدٌ لم يكن مُتبعًا في الدُول التُركيَّة الإسلاميَّة السَّابقة على العُثمانيين. كان صاحبُ هذه الفكرة هو قره خليل باشا الجندرلي، وهو أحد مُستشاري أورخان، فاقترح عليه أن تأخذ الدولة خُمس أسرى الحرب من فتيان الروم مُقابل الضريبة المُستحقة عليهم استنادا إلى قانون الخُمس الذي صدر في عهد أورخان، وأن يُؤخذ أيضًا الأطفال الأيتام والمُشردين من الروم والأوروپيين ويُفصلون عن كُل ما يُذكرهم بِقومهم وأصلهم وتتم تربيتهم تربية إسلاميَّة تشمل الفكر والجسم لِترسيخ مبادئ الإسلام في قُلوبهم وأنفُسهم بحيثُ لا يعرفون أبًا إلَّا السُلطان ولا حرفةً إلَّا الجهاد والحرب، وأن يُخضعوا بعد ذلك لِتدريبٍ عنيفٍ خاص يهدف إلى تقوية أبدانهم وتعويدهم خُشونة العيش، حتَّى إذا بلغوا السن اللائق لِلخدمة العسكريَّة أُدخلوا ضمن فرق الجيش. وممَّا حبَّب هذه الفكرة إلى أورخان وزيَّنها إليه أنَّ هؤلاء الغلمان كان لا يُخشى على تحزُّبهم إلَّا لِلدولة والسُلطان والإسلام نظرًا لِعدم وُجود أقارب لهم يُخشى على ميلهم إليهم، كما استحسن أخوه علاء الدين هذا النظام. ويُذكر أنَّ أخذ الفتيان أو ما اصطُلح على تسميته بـ«ضريبة الغلمان»، كان مقصورًا على رعايا الدولة النصارى الذين يتبعون الكنيسة الأرثوذكسيَّة الشرقيَّة، رُبما بِسبب أنهم يُشكلون الغالبيَّة العُظمى من رعايا الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة وبالتالي المناطق التي فتحها المُسلمون. هذا وتقول بعض الرويات أيضًا أن أورخان قرأ كتاب «سياسة نامه» لنظام المُلك الوزير السلجوقي وقد ذكر فيه الطريقة المُثلى لِإنشاء قُوَّة مُحاربة من المماليك التُرك عبر تربيتهم على أساس النُظم الإسلاميَّة، ثُمَّ يتم إدخالهم في خدمة القُصُور السُلطانيَّة والدوائر الحُكوميَّة. وبعدها بدأ أورخان في البحث عن طريقة لِتأسيس تلك القُوَّة.
بدأ أورخان مُنذ سنة 731هـ المُوافقة لِسنة 1330م بتأسيس جيش بلاده الجديد، فأقام الغلمان والفتيان المُشردين والأيتام في ثكناتٍ خاصَّةٍ تُسمَّى «أوطة» (ثُمَّ حُرِّف لفظها بِالعربيَّة فصارت «أوضة»)، أي «غُرفة»، وجعل يُلقنهم التعليم العسكري الأساسي في مدرسةٍ حربيَّةٍ عُرفت بـ«الأوجاق». ووضع لهم قانونًا خاصًا تضمَّن أربع عشرة مادَّة تُحدِّدُ النظام الداخلي وتنظيم علاقات الأفراد بعضهم بِبعض، كما نصَّ على وُجوب الطَّاعة المُطلقة والانقياد التَّام لِلسُلطان. وحرَّم عليهم الزواج، فكان الفردُ منهم يعيش من دون أملٍ في تكوين أُسرة، كما حرَّم عليهم الاختلاط بِالمُجتمع، وإنما وهبوا أنفُسهم لِلدفاع عن الدين الإسلامي وملَّة المُسلمين والسُلطان، فالإسلامُ عقيدتهم والقُرآنُ كتابهم والسُلطانُ والدهم والثكنة العسكريَّة مأواهم والحربُ مهنتهم. والقصة المشهورة أنَّ أورخان غازي لمَّا صار عنده من هؤلاء الجُنود عددٌ ليس بِقليل سار بهم إلى السيِّد مُحمَّد بن إبراهيم الخُراساني الشهير باسم «الحاج بكطاش ولي» شيخ الطريقة البكطاشيَّة بِأماسية لِيدعو لهم بِالخير ويُباركهم، فدعا لهم بِالخير والبركات والنصر على الأعداء وأن يُبيِّض الله وُجوههم ويجعل سُيوفهم حادَّة قاطعة، وأعطى كُل واحدٍ منهم قطعة من طرف عباءته، فعُلِّقت على رؤوسهم تبرُّكًا بها، وكانوا ينسبون قطع اللبَّاد التي في أغطية رؤوسهم إلى هذا الشيخ، وقال بعد أن باركهم: «لِيَكُن اسمُهُم "يَڭِيچِرِى"»، أي «الجيش الجديد» أو «الجُند الجديد»، وهذا الاسم مُكوَّن من كلمتين: «يڭى» وتعني «الجديد»، و«چرى» وتعني «عسكر». وقد حدث خطأ في نقل الكلمة إلى العربيَّة فالكاف في كلمة «يڭى» هي كاف نونيَّة أو مُثلثة، والجيم في «چرى» هي جيم مشوبة، فالكلمة تُكتب «يڭيچرى» وتُنطق «يني تشري». وهُناك بعضُ المُؤرخين الذين يُشكِّكون في صحَّة رُجوع أورخان إلى الشيخ بكطاش ولي، بل يُنفونها، على أساس أنَّ هذا الصُوفيّ تُوفي قبل قرنٍ من إنشاء هذه الفرقة، وإنما باركهم أحد خُلفائه.
وكانت راية الجيش الجديد من قُماشٍ أحمر وسطُها هلال، وتحت الهلال صورة لِسيف أطلقوا عليها اسم «ذي الفقار» تيمُنًا بِسيف رابع الخُلفاء الراشدين الإمام علي بن أبي طالب. وعمل أورخان على زيادة عدد جيشه الجديد بعد أن ازدادت تبعات الجهاد ومُناجزة البيزنطيين، فاختار عددًا من شباب البيزنطيين الذين أسلموا وحسُن إسلامهم، فضمَّهم إلى الجيش واهتمَّ اهتمامًا كبيرًا بِتربيتهم تربية إسلاميَّة جهاديَّة. ولم يلبث الجيش الجديد حتَّى تزايد عدده، وأصبح يضم آلافًا من الجُنود، وقد اعتمد لهم التقسيم العشري سالِف الذِكر، فجعل قائد الفرقة المُكوَّنة من عشرة جُنود يُسمَّى «أونباشي»، وقائد الفرقة المُكوَّنة من مائة «يوزباشي»، وقائد الفرقة المُكوَّنة من ألف «بنباشي». ويعتبر المُؤرخون أنَّ الجيش الانكشاريّ هو أوَّلُ جيشٍ نظاميٍّ دائمٍ ذو أفرادٍ يتلقون الرواتب بانتظام عرفته أوروپَّا قبل قرنٍ كاملٍ من اعتماد شارل السابع ملك فرنسا نظام العساكر الدائمة، والتي يُشار إليها غالبًا خطأً بِأنها أقدم جيشٍ نظاميٍّ في العالم.