If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
أصدرت كاترين الثانية خلال فترة حُكمها عدَّة تشريعات لِتنظيم شؤون الطبقات الاجتماعيَّة الروسيَّة، فكان لِكُل طبقة قانونها وتشريعها الخاص الذي يُنظِّم معاشها:
هذا وقسَّمت «رسائل الامتيازات الخاصَّة بِالمُدن» الأهالي سكنة هذه المناطق إلى ستة فئات:
عُرف أبناء الفئتين الثالثة والسادسة باسم «البورويين»، وهي كلمة مُشتقة من البولونيَّة وغيرها من اللُغات كالإنگليزيَّة، ويُقصد بها حرفيًا «سكنة المناطق الإداريَّة»، ويُقابلها بِاللُغة العربيَّة «العوام»، وهُم سُكَّان المُدن أو البلدات حصريًا. أُعفي أعيان القوم والتُجَّار المُنتسبين إلى نقابات المهن التجاريَّة سالِفة الذِكر من العُقوبات الجنائيَّة بِحال ارتكبوا فعلًا يستوجب العقاب في الوضع العادي، ومُنح أبناء الجيل الثالث من الأعيان الحق في تقديم طلب انتساب إلى طبقة النُبلاء. أدَّى هذا التعامل السخيّ مع أبناء الطبفة النبيلة وعِلية القوم من عطاءاتٍ ملكيَّة وإعفاءاتٍ من العُقوبات والواجبات إلى بُروز ظاهرة اجتماعيَّة شاع تناولها والتحدُّث عنها في الأعمال الأدبيَّة الخاصَّة لِتلك الفترة، وفي الخطاب العاميّ، فوُصفت تلك الفئة بأنَّها مجموعة من الغُرباء عن وطنهم الذين يعيشون على أرضه، فكان أفراد هذه الفئة يتعلَّمون الأخلاقيَّات والعادات والتقاليد والأفكار واللُغات الأوروپيَّة الغربيَّة البعيدة كُل البُعد عن الثقافة الروسيَّة وعادات وتقاليد ومفاهيم الشعب الروسي، فلم يكن لهم أي صلة حقيقيَّة مع أفراد الشعب، وعاشت كُلُّ فئةٍ في وادٍ بعيدةً عن الفئة الأُخرى، وقد وصف بعض المُؤرِّخين النظرة الأوروپيَّة إلى هذه الفئة الروسيَّة قائلًا أنها لم تكن «أقل احتقارًا من نظرة الشعب الفقير، فالأوروپيُّون اعتبروهم تترٌ همج يتنكرون بزي الحضارة الغربيَّة، فيما نظر إليهم الشعب الروسي على أنَّهم فرنسيُّون وُلدوا بالخطأ في روسيا».
على الرُغم من المنافع الكثيرة التي حازتها طبقة النُبلاء في العهد الكاتريني، إلَّا أنَّهُ يُلاحظ تراجع الأوضاع الماديَّة لِقسمٍ من هؤلاء النُبلاء مُقارنةٍ بِالعُهود السابقة عليها، فوُلدت طبقيَّة داخل الطبقة النبيلة، بحيثُ أصبح هُناك نُبلاء «أغنياء» ونُبلاء «فُقراء». فخلال العهد الكاتريني، وتحديدًا في سنة 1777م، امتلك بعضُ الاقطاعيين أراضٍ زراعيَّة هائلة بِعشرات الآلاف أو حتَّى مئات الآلاف من الأقنان نتيجة ما أُنعم عليهم من عطايا إضافيَّة زادت من ثرائهم ونُفوذهم، فضمُّوا إلى أملاكهم العقارات الصغيرة وهيمنوا على الإنتاج الزراعي. هذا ويُلاحظ أنَّ الإقطاعي الغني قُبيل العهد الكاتريني كان من يملكُ أرضًا بِخمسُمائةٍ من أقنانها فقط؛ بينما امتلك حوالي ثُلثيّ الإقطاعيين أراضٍ أصغر حجمًا بِما لا يزيد عن 30 قنًا من الرجال، وامتلك ثُلثُ الإقطاعيين أقل من 10 أقنان؛ وبلغ من تردّي أوضاع بعض الإقطاعيين الصِغار أنَّهم اضطرّوا إلى الالتحاق بِالجيش على أمل النُهوض بحالهم بعض الشيء، وكان بعضهم غيرُ قادرٍ حتَّى على تأمين ملابس عسكريَّة أو أحذية لائقة، كما لم يتمكَّن بعضُ الإقطاعيين من إكمال تعليم أبنائهم في الأكاديميَّة البحريَّة أو في الدار التأسيسيَّة المسكوبيَّة، فُطرد أغلبهم.
كان الفلَّاحون الأقنان يُباعون ويُشترون ويُعاملون كالمتاع أو البضائع التجاريَّة، فيُعرضون في الأسواق أمام الناس، وكانت الجرائد والصُحف تنشر إعلانات عن عُروضات بيع أقنان يتقدم بها بعض الإقطاعيين؛ كما كان من الشائع أن يُبادل الإقطاعي إحدى أقنانه بِقنٍّ أو قِنَّةٍ لِإقطاعيٍّ آخر، حتَّى أنَّ بعضهم كان يتبرِّع بِقنٍّ أو أكثر لِإقطاعيٍّ آخر دون مُقابل أو كبادرة حُسن نيَّة، وكثيرًا ما كان الفلَّاحون الأقنان يُزوَّجون رُغمًا عنهم. كذلك، لم يكن يُسمح لِلفلَّاح أن يترك القرية أو الضيعة التي يسكنها إلَّا لِمسافة 30 ميلًا، أمَّا إذا رغب بِالذهاب لِمكانٍ أبعد من ذلك فكان عليه أن يستحصل على إذنٍ مكتوب من سيِّده ومن السُلطات المحليَّة حتَّى يتمكن من التنقُّل بِحُريَّة. وفق القانون الكاتريني، لم يكن يحق لِلفلَّاح القِن أن يمثل أمام القضاء كي يُعاقب أو يُنصف من تُهمةٍ مُلصقة به، بل كان يُحاكم على يد سيِّده، وبالتالي كان يحق لِأي إقطاعي أن يُعذِّب قِنَّه حتَّى يُجبره على الاعتراف بِذنبٍ يُنسب إليه، وكثيرًا ما كان الإقطاعيُّون يُعذبون أحد أقنانهم عذابًا شديدًا حتَّى الموت، بل كان لِبعض الإقطاعيين حظائر خاصَّة يقومون فيها بِضرب وسحل القِن حتَّى يموت، ووُصفت بعض تلك الحظائر بأنها كانت أشبه بِالمسالخ حيثُ تُذبح المواشي. سعت كاترين الثانية في وقتٍ لاحقٍ إلى تحسين أوضاع الفلَّاحين في بلادها، فسنَّت قوانين جديدة تمنع أساءة السيِّد الإقطاعي لِأيِّ قنٍّ من أقنانه، وأصدرت قانونًا يُجبر الإقطاعيين على مُساعدة أقنانهم والوُقوف بجانبهم في أوقات الشدَّة، كما في حالة حُدوت مجاعة، بحيثُ أُجبر جميع الإقطاعيين على تخزين نسبة من محاصيلهم تسد حاجة جميع أقنانهم وتوزيعها عليهم بِالتساوي، على أنَّ أغلب الإقطاعيين أهمل تطبيق هذا القانون وترك أقنانه لِبؤسهم، كما أنَّ مُعظم الإقطاعيين الذين استمرُّوا يُسيئون مُعاملة أقنانهم لم يُحاكموا، باستثناء فئة قليلة منهم.
عادت كاترين ومنحت الفلَّاحين الأقنان حقًا جديدًا في وقتٍ لاحقٍ هو إمكانيَّة رفع شكوى إليها مُباشرةً بِحال أساء الإقطاعيُّ مُعاملتهم، على أنها أكَّدت على أن لا تكون صلة الأقنان معها مُباشرةً، بل تدرُّجيَّة وفق التُراتُبيَّة الإداريَّة المُتعارف عليها، وبِذلك ضمنت أن لا تتعرَّض لِإلحاحاتهم على الدوام وبِنفس الوقت ضمنت عدم حُدوث أيَّة ثورة عليها وعلى النظام الإقطاعي من قِبلهم. مُنح الأقنان - بِواسطة هذا الحق - وضعًا بيروقراطيًا شرعيًا لم يكن لهم من قبل - عن غير قصد - فاستغلَّهُ بعضهم لِلحُصول على حُريَّته من خِلال رفع عرائض اعتراض على مُلكيَّتهم من قِبل بعض الأشخاص من غير طبقة النُبلاء (التي لم يكن يُسمح لِأفرادها بامتلاك الأقنان أساسًا)، أو عبر الادعاء أنَّ شرائهم لم يتم بِطريقةٍ شرعيَّةٍ أو لم يتم على الإطلاق، إذ وُهبوا إلى إقطاعيٍّ آخر في حين أنَّ أعراف وقوانين القِنانة تنص على وُجوب ارتباطهم بِالأرض التي يعملون فيها، وقد استمع بعضُ الساسة المسؤولين إلى تلك الشكاوى، فحصل أصحابها على حُريَّتهم، على أنَّ تلك الحالات بقيت نادرة. كما أصدرت قانونًا في 17 آذار (مارس) 1775م يمنع أي إقطاعي من إعادة استغلال أي فلاحٍ حصل على حُريَّته وفق نظام القنانة مُجددًا. بِالمُقابل، أصدرت كاترين الثانية عدَّة قوانين وقرارات خِلال فترة حُكمها كان من نتيجتها أن ساءت أوضاع الفلَّاحين الأقنان أكثر وتدهورت، ومن تلك القوانين:
يقول المُؤرِّخ نِقولا پاڤلنكو أنَّ نِظام القِنانة تطوَّر وتوسَّع في العهد الكاتريني، رُغم اعتبار صاحبته حاكمة مُستنيرة كان لِإجراءاتها الفضل في تحويل روسيا إلى قوَّةٍ استعماريَّةٍ عُظمى، ممَّا يُشكِّلُ مثالًا صارخًا عن مدى التناقض الذي كان قائمًا في ذلك العهد بين المبادئ التنويريَّة والإجراءات والمُمارسات الحُكوميَّة الهادفة إلى تعزيز السُلطة العدائيَّة لِلنظام الحاكم. يُقدَّر عدد الفلَّاحين الذين منحتهم كاترين بنفسها كأقنانٍ إلى كِبار الإقطاعيين طيلة فترة حُكمها بِحوالي 800 ألف شخص، وهو رقمٌ لم يسبقها إليه أحد مُنذ اعتماد نظام القِنانة في روسيا. وكان مُعظم هؤلاء الأقنان من غير الروس، بل من البولونيين الذين ضُمَّت أراضيهم إلى الإمبراطوريَّة الروسيَّة بعد تفتيت بولونيا، وانتهى المطاف بِقسمٍ منهم كأقنانٍ خاصين بِالبلاط الروسي، يعملون في حرث وزراعة الأراضي الخاصَّة بِالإمبراطورة وحاشيتها. يُقدِّر المُؤرخون ارتفاع عدد الأقنان في روسيا خِلال العهد الكاتريني من 210 آلاف قِنٍّ سنة 1762م إلى 312 قنٍ سنة 1796م، ويُقدَّر أنَّ أغلب هؤلاء كانوا قبلًا فلَّاحين أحرار، فاستُعبدوا، وكانوا من أبرز المُشاركين في حرب الفلَّاحين التي اشتعلت نيرانها ما بين سنتيّ 1773 و1775م.