If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
يرتبط فتح أرمينية بِفتح الجزيرة الفُراتيَّة وشمال الشَّام وأذربيجان، ويبدو أنَّ من أسباب عزم المُسلمين على فتحها وُصولهم إلى حُدودها من جهة، ولِأهميَّتها الاستراتيجيَّة لِكونها على حُدُود الدولة الإسلاميَّة ومُقاومتها لِلإمبراطوريَّة البيزنطيَّة من جهةٍ أُخرى. فكانت السيطرة على أرمينية بِمثابة تأمين لِبلاد الجزيرة والشَّام، ونشرًا لِلدعوة الإسلاميَّة، وتأمينًا لها ضدَّ جيرانٍ يُتاخمونها ويُناصبونها العداء، خاصَّةً بعد اشتراكهم في مُواجهة المُسلمين في معركتيّ اليرموك والقادسيَّة، بل وتمهيدًا لِفتح بلاد الروم نفسها، إذ أدركت الخِلافة أنَّ أرمينية أفضل قاعدةٍ يتخذها المُسلمون في حُرُوبهم المُرتقبة ضدَّ البيزنطيين، لِكون أرمينية بِمثابة الدرع الواقي الذي يحمي ظهر الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، ويُعطيها عُمقًا إقليميًّا ويدفع عنها الأخطار. فلو سيطر المُسلمين على هذا الدرع سهُل عليهم تقطيع أوصال الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة واختراق أعماقها؛ لِذلك كان من الضروري ضم أرمينية إلى الدولة الإسلاميَّة الفتيَّة.
انتهى المُسلمون من افتتاح بلاد الجزيرة الفُراتيَّة سنة 17هـ بحسب رواية سيف بن عُمر، وأمَّا ابن إسحٰق فذكر أنها افتُتحت في سنة 19هـ، ويغلب الظن أنَّ سنة سبع عشرة الهجريَّة هو تاريخ افتتاحها الصحيح، كونه جاء لِغرض تخفيف الضغط عن المُسلمين في زحف الروم عليهم وحصارهم في حِمص، وكان ذلك سنة 17هـ، عندما كتب الخليفة عُمر بن الخطَّاب إلى القادة في الشَّام والعراق أن يسيروا إلى الجزيرة الفُراتيَّة لأنَّ أهلها هُم من استثار الروم على أهل حِمص، فأجابوه إلى ذلك وساروا إلى الجزيرة وفتحوها فتحًا سهلًا، وأجبروا الروم المُحاصِرين لِحمص على الرجوع عنها في سبيل الدفاع عن بلادهم ضدَّ أي هُجُومٍ إسلاميٍّ مُحتمل. ولمَّا كانت الجزيرة الفُراتيَّة هي حُدُود أرمينية من الجنوب، فإنها أصبحت قاعدةً أماميَّةً لِلروم، تُهدِّدُ الجزيرة وأرض الشَّام، فكان على المُسلمين فتحها لِلتخلُّص نهائيًّا من تهديد الروم لِلجزيرة والشَّام، لأنَّ الروم كانوا يُسيطرون على مناطق أرمينية التي تُهدد هذه المناطق المفتوحة من الشمال، ولِأنَّ الروم عملوا على حشد جُيُوشهم في أرمينية لاستعادة الجزيرة والشَّام، فلم يكن هُناك من سبيلٍ إلى حماية البلاد المفوحة إلَّا بِفتح أرمينية. وفي سنة 22هـ المُوافقة لِسنة 642م، أتمَّ المُسلمون فتح أذربيجان، فتوجَّهت أنظارهم لِفتح القسم الفارسي من أرمينية الواقع شمال تلك البلاد، والتقدُّم نحو مدينة باب الأبواب من كورة أرَّان، وذِلك لِمُطاردة فُلُول الجيش الساساني المُنسحب شمالًا، لِحرمانه من إعادة تنظيم صُفوفه لِلقيام بِهُجُومٍ مُضاد في سبيل استعادة أذربيجان والبلاد الفارسيَّة المفتوحة. وكان فتح أرمينية يحرم الفُرس من استرجاع أذربيجان ويُدافع عن تلك البلاد المفتوحة دفاعًا غير مُباشر. ومن المعروف أنَّ حُدود الإمبراطوريَّة الساسانيَّة كانت تمتد حتَّى مدينة باب الأبواب التي أخضعها الفُرس لِنُفُوذهم في القرن الرابع الميلاديّ، وأجلوا الروم عن المناطق المُحيطة بها، فحصَّنوها وأقاموا بها قُوَّاتٌ عسكريَّة تُدافع عنها من غارات الخزر، فكان لا بُدَّ لِلمُسلمين من التقدُّم شمالًا لِفتحها. وكان هذا الفتح حيويًّا لِلمُسلمين، لِموقع باب الأبواب الجُغرافي المُهم بين بلاد الخزر وبلاد الفُرس، ووُجود السُّد فيها والحُصُون المنيعة على امتداد جبال القفقاس التي تحرم الخزر من تقديم أي إمداداتٍ عسكريَّةٍ لِقومهم القاطنين في أرمينية، أو إلى الروم والفُرس. أضف إلى ذلك، فإنَّ سلسلة جبال القفقاس شكَّلت حصنًا حصينًا يلجأ إليه أعداء المُسلمين لاستجماع قُوَّاتهم واتخاذه موضعًا دفاعيًّا طبيعيًّا يُناوشون من خلاله جُيُوش المُسلمين. كما أنَّ تلك الجبال بحد ذاتها شكَّلت موضعًا سوقيًّا مُهمًّا لِلغاية، كونها تُشرف على سُهُول أرمينية وأذربيجان من الشمال، فكان فتحها يعني تمكُّن المُسلمين من حماية حُدُودهم الجديدة بِسُهولةٍ ويُسرٍ.