English  

كتب ظلال العقل العربي ج5

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

ظلال العقل العربي -ج5 (كتاب)


لقد ارتبط أبناء الشعوب المفتوحة على يد العرب ارتباطاً تبعياً بالعقلية العربية ‏والقومية العربية، كما ارتباط الطفل بالأم.. وجاء ارتباطها تبعياً نابعاً من متلازمة ‏سيطرة العرب على مقاليد الحكم والسلطة وسيادة الأمر والنهي في هذه البلاد ما جعلهم ‏الآباء الروحيين لأبناء هذه الشعوب، وصارت قوميتهم هي السيد، بينما قوميتهم في الأصل ‏قومية غجرية غير عادية وغير إنسانية، فأصبحت الشعوب تتبنى مبادئهم دون وعي ‏كما الطفل الذي يتبنى مبادئ أمه ويدافع عنها دون وعيٍ بجريرتها، فقط لأنها هي من ‏أرضعته الدين وعلمته الكلام واللغة.. وأطعمته ثقافتها.. هي من سيطرت عليه ‏وأرشدته وتحكمت في تصرفاته وسلوكياته منذ الصغر حتى وإن استغلته اقتصادياً.. ‏ولم يحن الوقت بعد لبلوغه سن الرشد ..‏
ذلك لأن الاحتلال العربي لهذه الشعوب قد اختلف عن كل الاحتلالات السابقة لسببين؛ ‏الأول أنهم تلفعوا بعباءة الدين، وما له من أثرٍ نفسي وميولاً غريزية لدى الشعوب في ‏التدين، فلعب العرب على الوتر الحساس في نفوس الشعوب، وأجادوا استغلال هذا الوتر ‏بفاعلية جعلت الشعوب تتنازل عن إرادتها وقوميتها وهويتها وتتقمص الهوية والقومية ‏العربية من أجل الدين. أما السبب الثاني فهوي يعود لكفاءة العقلية العربية ذاتها، لأن ‏العقلية العربية غير عادية، وحرفتها هي الكلام والغناء والشعر والتلحين، وبالتالي ‏تمكنت هذه العقلية من احتواء الآخرين والسيطرة علهم بقدرتها على التحايل والإقناع ‏الملتوي، وهذه القدرة نابعة من القدرة الشعرية العربية، فهي قد تفوقت على شعوب ‏العالم في تطويع اللغة لصياغة أفكارها ورؤاها في ضفائر كلامية عجيبة، ومن سمات ‏هذه القدرة أيضاً احتواء الآخر والتلاعب بفكره وعقله وتطويع الأفكار والمعاني بما ‏يخدم مصلحة المتحدث، وهي ذات القدرة التي تمكنوا بها من التحايل على نصوص ‏القرآن وتطويعها لفظياً بما يخدم طموحاتهم الاستعمارية والتوسعية، وقد ظهر ذلك في ‏صياغة مصطلح غزوة على معارك النبي، ومصطلح فتح على معارك الصحابة، ومصطلح ‏جزية على الخراج والإتاوات وصياغة نظرية الخلافة والحكم بالحق المقدس باسم الله، ‏ونظرية أيقونية الصحابة ونظرية الجهاد...إلخ. فالعقلية العربية في الأساس متمكنة ‏من التحايل والتطويع، حتى وصل بها الأمر لإقناع أبناء الشعوب التي سيطرت عليها بأن ‏احتلال أوطانها إنما هو من أجلها ومن أجل الدين وعليهم أن يسلموا أنفسهم من أجل الله ‏والدين، وبذلك هدموا فكرة الوطن في نفوس هذه الشعوب لصالح الدين وفي الأصل ‏لصالح سيادة القومية العربية... وفي المقابل لم نجد من العرب عالمٌ في الدين ولا في ‏العلوم الطبيعية.. فقط وجدنا شعراء وخطباء وخلفاء وولاة وأمراء.. إلخ‎.‎
في هذا الكتاب سنقف على محورين؛ الأول: مسقط رأسي بين الأجيال - أزمة الشرك ‏بالله في تبعية السلف. والثاني : متلازمة الاحتلال العربي - مسقط رأسي؛ بين الدين ‏والتاريخ وعلم النفس .‏