English  

كتب ظلال العقل العربي

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

ظلال العقل العربي -3 (كتاب)


يدور حديثنا في هذا الكتاب عن اجتياح العرب للشعوب المدنية المجاورة لهم وطمس ‏حضارتها وهويتها وثقافتها.. وبداية، نوضح أن كلمة أقباط أو قبطي، تعني " جبتي" ‏نسبة إلى إيجبت، ولكن العرب لا يجيدون نطق حرف الجيم فيقلبونه قاف، أما نحن ‏فنجيد نطقه بلساننا الوطني، إذن كلمة قبطي هي كلمة أعجمية مُعربة عن ‏الهيروغليفية، وصارت اصطلاح عربي، والأصل الصحيح لها هو "جبتي" وتعني هنا كل ‏مصري يشعر بانتمائه الحقيقي لهذا البلد "إيجبت " الذي يرويه نهر النيل وينشر ‏الطمي والخضرة على ضفاف الوادي، فلدينا الجبتي المسلم، والجبتي المسيحي. والدين أو ‏العقيدة أمر مختلف عن العقيدة الوطنية تماماً، فالعقيدة الوطنية " جبتي " والعقيدة ‏الدينية مسلم أو مسيحي، والعقيدة الدينية تختص بالأمور الروحانية والعبودية، أما ‏العقيدة الوطنية فتختص بالانتماء للبلد نفسه وحضارته وثقافته والدفاع عنه ‏والشراكة في ملكية هذا الوطن.. لكن بعدما احتل الأعراب بلادنا ونهبوا اقتصادنا ‏وسبوا بناتنا وقالوا لنا أن هذا فتحٌ إسلامي ! وصدقناهم واعتبرناه فتحاً علينا ! ..‏‎.‎
لقد تعرض الشعب الجبتي خلال تاريخه الطويل إلى أقصى ما يمكن أن يتعرض له أو ‏أن يمر به شعب من شعوب الدنيا كلها، من المرارة والمعاناة والألم، بداية من الهكسوس ‏العرب القدامى، مروراً الفرس واليونانيون والرومان ثم العرب مرة ثانية.. وكل ذلك ‏طمعاً في ثرواته، تعرض الجبتيين إلى عاملين مؤثرين خطيرين هما؛ 1‏‎ ‎ـ مسخ ‏الشخصية الجبتية وفقدان الهوية والانتماء الحقيقي لوطنهم2‏‎ ‎ـ تزييف التاريخ ‏الجبتي وتزويره أو إهماله وتجاهله‎.‎
فبعدما ذبُلت همتنا واستكانت عقليتنا الجمعية وانطفأت حضارتنا فقدنا الثقة ‏بأنفسنا ووطننا وصرنا لا نذكر حتى تاريخ أجدادنا.. صرنا نفتخر بفتوحات الجيران ‏العرب وغزواتهم وبطولاتهم حتى انتصارهم على وطننا صار مفخرة لنا ! نسميه فتحاً ‏عربياً ! وكأن عقولنا انقلبت لتفكر بعقول الجيران ولصالحهم وتتكلم بلسان ‏حالهم ! ونحن متيمين بهم نجعلهم آباء الحضارة والدين .. بينما هم حفنة من الجهلاء لا ‏أكثر، وكل ما في الأمر أننا هبطنا في مستوى جهلنا أكثر منهم، فصاروا هم القادة ‏والزعماء ليس لأنهم زعماء ولكن لأننا عبيد‎..‎‏ ‏
لقد فرض الغزاة على المصريين التنكر لشخصيتهم الحضارية، وألبسوهم ثوباً غير ‏ثوبهم، فرضوا بالإكراه على ألسنتهم لغة ليست لغتهم، جعلوهم يمارسون عادات ‏ذميمة ليست عاداتهم، ينسبونهم إلى آباء الجاهلية والجهل الذين ليسوا هم في ‏الحقيقة آبائهم، جعلوا كثيرين منهم بالإظلام الفكري أعداء أنفسهم وأعداء ‏حضارتهم، لأنهم أصبحوا يجهلون قيمتها، وأصبحوا يقدسون تاريخ الجاهلية العربية ‏باعتبارها منبع الإسلام، بينما الإسلام دين هو جزء من ثقافة الإنسان، أما الحضارة فهي ‏كل ثقافته وهويته، وقد تنازل الجبتيون عن هويتهم وحضارتهم وقوميتهم ولغتهم ‏وتاريخهم وقدسوا قومية العرب، والإنسان أحياناً يكون عدو ما يجهل‎.‎
وقع المصريون بعد ذلك في مشكلة تحديد هويتهم، وكما يذكر الكاتب ‏الصحفي محمد حسنين هيكل، في أحد مقالاته "إن النظام المصري وقع في مشكلة ‏تحديد الهوية المصرية ولم يستطع لفترة طويلة أن يصل فيها إلى جواب، والهوية ‏الوطنية بالنسبة للشعوب هي بطاقة تحقيق الشخصية بالنسبة للأفراد، وكانت ‏النتيجة أن وقعت اهتزازات حضارية خلقت مواقف من الحيرة والتردد الطويل أمامها. ‏وعلى سبيل المثال، فإنه في وقت من الأوقات، وخصوصاً أيام الوحدة مع سوريا، كانت ‏أي إشارة إلى تاريخ مصر الفرعوني القديم، تعتبر إساءة لا تغتفر أو هي سقطة ‏تستوجب الاعتذار عنها..". (!!)‏
في هذا الكتاب سنقف على عدة محاور أساسية، أهمها؛ مسقط رأسي: بين الدين ‏والحضارة- بدء البعثة النبوية - ملخص وقائع الفتح العربي لمصر - مسقط رأسي: ‏كيف حكمت سلالة قريش الحضارات المدنية - كيف نشر الصحابة الإسلام في ‏مصر - الفتوحات العربية؛ جرائم حرب أم عبادة؟ - الفرق بين الإنسانية وجرائم الحرب ‏ونشر الأديان - نشر الدين الإسلامي في فارس والعراق - نشر الإسلام في شمال إفريقيا، ‏والمحصلة النهائية لجهود الصحابة الكرام تمثلت في النموذج الجهادي الذي طرحه ‏داعش.‏