If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
لطالما شكلت قضايا المرأة وتحريرها رهان المجتمع الدولي المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين ومستهل الألفية الثالثة سعيا منه نحو التمكين لها للمساهمة في مختلف الفعاليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ولا أدلّ من ذلك اتفاقية سيداو للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد النساء (18/12/1979) ما انبثق عنه المؤتمر العالمي الرابع للمرأة بجين سبتمبر 1995، رغم أن الإسلام بفقهه وتعاليمه السمحة مكّن للمرأة منذ أربعة عشر قرنا ونيف وحرص على حقوقها وإكرامها كإنسان وكعماد للمجتمع المسلم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ....﴾ سورة الإسراء، الآية: 70، وقال أيضا عزّ شأنه: ﴿... لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ ۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ....﴾ سورة النّساء، الآية: 32. كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع أنه قال: {استوصوا بالنساء خيرا....}، وعن المساواة في الأعباء والتكاليف قال صلى الله عليه وسلم: {إنّما النّساء شقائق الرجال}. ونحن هنا لسنا في معرض الحديث عن إنصاف المرأة أو عرض مختلف الحقوق التي منحها إيّاها الإسلام، ولسنا أيضا ننسج على منوال من يردّون على أدعياء المساواة بين الجنسين بالدليل أو الحجة من وحي الإسلام وشرائعه ومناهجه، بقدر ما سنحاول في هذا البحث أن نعرِّض إلى مساهمة المرأة في فعل حضاري مستدام أشرقت أنواره على الإنسانية قاطبة، ألا وهو الوقف الإسلامي؛ ذلك النظام الاجتماعي الرائع والبديع الذي ما زالت الإنسانية تنهل من معينه وتغرف من انجازاته إلى يوم الناس هذا. ولا غرو؛ فالظاهرة الوقفية عبر امتداداتها التاريخية وتراكماتها المعرفية وشّحت جبين الزمان، بحيث كانت وما تزال أيقونة الحضارة الإسلامية والإنسانية؛ فالوقف لم يكن مجرّد عبادة دينية أو تعامل قانوني؛ بل كان سلوكا اقتصاديا وحافزا ثقافيا وعاملاً مؤثرا في الحياة الروحية للأمة المسلمة ووحدتها وتماسكها وبقائها واستمرار وازع الخير العطاء والصدقة بين أفرادها. ورغم أن معظم الكتابات في القرن الأخير تركز على أن من أسباب تخلف الأمة إقصاء دور المرأة وإزاحتها إلى هامش الحياة العامة، إلا أن التخلف الذي عرفه المسلمون انعكس على كافة مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبطبيعة الحال نالت الأوقاف نصيبها منه غصبا ونهبا وتراجعا وتفككا وانكماشا وتصفية، لأن الأزمة شملت مقوّمات البنية الحضارية بعناصرها ومؤسساتها المختلفة. وفي هذا السياق، يبدو أنه من الظلم والخطأ المنهجي أن نحصر نتائج التخلف الحضاري للمسلمين في تردي أحوال المرأة المسلمة؛ فقد انتهت هذه المقاربة إلى تغييب متعمد للأدوار الاجتماعية التي لعبتها المرأة المسلمة في الحضارة الإسلامية، فسيل الكتابات حول "ظلم المرأة " في العالم الإسلامي يغذي بشكل منظم استبعاد كل ما قامت به هذه المرأة نفسها خلال حقب طويلة من تاريخ المجتمعات الإسلامية، ويبني "يقينيّات" حول جمودها وغيابها التام عن حركة مجتمعها وارتهانها العضوي للرجل، الأمر الذي تناقضه جميع الشواهد التاريخية التي تثبت أن المرأة شاركت بفاعلية في الوقف منذ صدر الإسلام وما زالت إلى يومنا هذا، خصوصا في مجال الوقف العلمي والتعليمي، حيث لا يمكن تجاوز أي مرحلة من تاريخ الأمة إلا وارتفعت هاماتنا لمنارات الوقف العلمي التي أست لها النساء خصوصا في عهد العصر العباسي والمملوكي والعهد العثماني. قد يعجبك أيضاً