If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
يشير مصطلح العمارة التقليديّة الفلسطينيّة إلى نوع مُحدَد من المباني التي شُيدت في فلسطين التاريخيّة بطريقة ومواد وتقنيات تقليديّة، حيث تم الأخذ بعين الاعتبار أن إنشاء تلك المباني تم بمواد محليّة ذات أسعار معقولة. وتختلف العمارة الفلسطينيّة التقليديّة من مكان إلى آخر، حيث أن المناطق المشتركة بطبيعة المناخ ومصادر المواد استخدمت نفس التفاصيل والعناصر. ففي المناطق الجبليّة والسهل الساحلي مثلاً، كان الحجر الطبيعي مادة البناء الرئيسيّة المستخدمة، بينما كان نادر الاستخدام في منطقة وادي الأردن، ليس فقط لأنه غير متوفر في الطبيعة هناك، ولكن أيضًا لأنه لا يتجاوب مع متطلبات وطبيعة المناخ في تلك المنطقة. ونتيجةً لذلك، يوجد نمطان اثنان مختلفان في نظام تسقيف المباني التقليديّة في فلسطين.
لقد تأثرت العمارة التقليديّة الفلسطينيّة بثقافات أخرى، وإن كانت بعض التقنيات ومواد البناء لا تزال قيد الاستخدام منذ العصور القديمة. لقد تم تطوير العديد من التفاصيل والمكونات المشتركة. ولقد استُخدمت مجموعة من العناصر والتفاصيل كوحدات نموذجيّة. لقد أُخذت تقنيات بناء وعناصر مختلفة عن ثقافات مختلفة، كالعمارة الرومانيّة، والبيزنطيّة، والصليبيين، والعديد من الثقافات الأخرى التي تركت لها أثرًا في العمارة التقليدية الفلسطينيّة. إن معظم ما نجا من العمارة التقليديّة في فلسطين قد بُني في الفترة العثمانيّة، في حين لا يزال بالإمكان رؤية بعض آثار العمارة المملوكيّة، بينما نادرًا ما تتوفر أمثلة من الفترة الأمويّة وغيرها من الفترات الأخرى. لقد بدأ استخدام المواد والتقنيات الجديدة بتغيير الطريقة التقليديّة للبناء بحلول نهاية النصف الأول من القرن العشرين، بالرغم من أنه من الصعب تحديد الفترة التي تميّز الانتقال بين فترتي العمارة التقليديّة والحديثة في فلسطين. وتتميز القرى والبلدات القديمة في المدن الفلسطينيّة بطرازها المعماري ونمط البناء وحجمه وشكله واستعمالاته وطريقة بنائه. ويُلاحظ دقة التصاميم من نقش ونحت وزخرفة، وهي يدوية العمل وتلبي الحاجة.
لعبت الحياة الاجتماعية والاقتصادية في فلسطين دورًا مهمًا في اختلاف الأساليب والطرز المعماريّة التقليديّة. ولأسباب اقتصادية، لم يتمكن الأشخاص ذوو الدخل المنخفض من بناء نفس المنازل التي يمتلكها الأغنياء. وكانت وظيفة المبنى هي تحديد منطقة المباني وطرازها. لقد أدى اختلاف المناخ والبيئة والموقع إلى ظهور أنماط معماريّة مختلفة، ولكن باستخدام مواد وتقنيات البناء ذاتها. يمكن تقسيم المباني التقليديّة الفلسطينيّة حسب طريقة تحميل السقف إلى: البناء الخالي من الدعامات الداخلية، والبناء ذو الأعمدة، والبناء ذو الرواق، والبناء المسقوف بالقبو. كما يمكن تصنيف تلك المباني بدراسة خصائص المناطق الريفيّة والحضريّة، وعلى النحو التالي:
منازل الفلاحين البسيطة
كانت طريقة البناء التقليديّة في معظم المباني في فلسطين هي منازل الفلاحين البسيطة حتى بداية القرن العشرين. ويتكون هذا النوع من المباني من غرفة بسيطة مكعبة الشكل (الأوضة/ الغرفة). وتختلف بأبعادها وارتفاعها، حيث يمكن أن تُلحق بغرفة أخرى لنفس العائلة. بالنسبة للفتحات، فتتميز هذه المباني بصغرها، نظرًا لعدم مقدرة الفلاحين على شراء الخشب (الذي يُعتبر نادرًا في فلسطين) لإغلاق تلك النوافذ، مما جعل تلك البيوت ذات إنارة سيئة. إلا أن هذه المشكلة حُلت باستخدام فتحات علويّة موجودة بالأسقف، حيث تحمي البيت من الأشعة الحارقة بالصيف ومن الأمطار في الشتاء. وقد انتشر هذا النمط في سوريا والأردن وفلسطين ولبنان، مع بعض الاختلافات البسيطة، من حيث تقنيات البناء والتوزيع الداخلي، وبعض التفاصيل والمفردات المعماريّة.
بالنسبة للتصميم الداخلي لمعظم منازل الفلاحين البسيطة، فهي مقسّمة إلى جزئين اثنين، كما أن ثلاثة أرباع الفضاء الداخلي مرفوع عن مستوى الأرض، حيث تعيش العائلة في هذا الجزء (يُطلق عليه المصطبة)، بينما تُربى الحيوانات في الجزء المنخفض من البناء (يُطلق عليه قاع البيت). أما بالنسبة للأنواع الأخرى من منازل الفلاحين البسيطة، فيتكون الفضاء الداخلي من غرفة واحدة فقط. قد يضيف الفلاحون إلى هذه المنازل فناءً داخلياً يجمع عدداً من الغرف. ويمكن أن تُضاف غرف أخرى على أعلى الأسقف. ويتم توجيه هذه المباني تبعًا للظروف المناخية. يتبع ذلك عدد ومساحة الفتحات الموجودة بالجدران.
منازل الفلاحين المعقدة
كانت منازل قيادات الفلاحين والتجار منهم سواء في القرى والمناطق الحضرية تمتاز بأنها كبيرة وأكثر تعقيدًا، حيث كانت ذات طابق أو اثنين أو ثلاث، تخدم كمجمع عائلي خاص (كما في القرى)، أو بيت بجانب الآخر أو فوق الآخر (في المدن). كانت تلك البيوت موزعة حول فناءات داخلية بالعادة. تتميز أسقف الغرف المتعددة والموجودة في نفس الطوابق باختلاف ارتفاعها، وهذا ما يؤدي إلى وجود عدد من الدرجات والمستويات بين الغرفة والأخرى. وتتميز مخططات هذه المباني بعدم الانتظام والتناظر. يوجد في الضفة الغربية عدد من القرى الغنيّة التي احتوت قصورًا كبيرة من هذا النوع لعدد من العائلات الفلسطينيّة، مثل عرّابة، دورا، ونعلين. كان في بعض الأحيان يقوم بعض الناس ببناء غرفة فوق إحدى غرف الدار تسمى علّية نظرًا لعلوها عن باقي الغرف، وتُستخدم في النوم في ليالي الصيف الحارة، أو تستعمل مثل صالة حيث ينفرد بها صاحب الدار بزواره من الرجال، ويمكن الصعود إلى هذه العليّة بواسطة درج.
منازل المدينة
تُعتبر المنازل في مدن فلسطين أكثر تطورًا من نظيراتها في القرى. ولقد امتازت غالبيّة منازل المدينة والمباني الكبيرة، كما هو الحال أيضًا في المباني المنتظمة، بالتماثل حول محور وسطي، أي أن يقع هذا المحور حول وسط المدخل الرئيسي للبناء، وتميزت غالبية القصور والمنازل الفخمة بتعقيد تصميم الواجهة الرئيسية وكثافة زخرفتها لتعكس نفوذ صاحبها ووضع العائلة الاجتماعي والاقتصادي، أما واجهات البناء الأخرى فتميزت ببساطة تصميمها وخلوها تقريبًا من الزخارف، إلا أن الواجهات الأربعة كانت تتشابه من حيث روح التصميم ونسب الفتحات وأبعادها. وتتواجد منازل الفلاحين البسيطة والمعقدة في المدن إلى جانب طرز معماريّة أخرى، مثل منازل الفناء ومنازل الليوان.
بالنسبة لمنازل الفناء، فقد بُنيت غالبًا لتعطي خصوصية أكثر، ولإعطاء سهولة في الوصول إلى الغرف المحيطة بالفناء المكشوف. علمًا أنه في بعض الحالات، لا تحيط الغرف بالفناء من كل الجهات، بل يشكّل السور الخارجي جزءًا من المحيط، والذي يفصل الفناء عن المحيط الخارجي. تُعتبر منازل الفناء، وخاصةً تلك التي تحتوي على رواق، من المباني ذات الكفاءة العالية في حفظ الطاقة، والمتكيّفة مع المناخ المحلي، حيث أن الغرف المطلّة على الفناء لا تُوجّه إلى الشمس في الصيف، وهي معزولة من مطر الشتاء، بالإضافة إلى أن الفناء مفتوح للتهوية، ومُظلل في معظم الأوقات.
أما بالنسبة لمنازل الليوان، فقد احتوت على أكثر من غرفة. وتؤدي معظم مداخل المنازل تؤدي الصالة (الليوان)، حيث أن غرفة المعيشة موجودة على طرفي هذه الصالة. وتُستخدم الصالة كغرفة للجلوس. تتميز هذه القاعة بعمقها، وبواجهة خارجيّة ذات عقد مُصلب في العادة ذي واجهة تحتوي على أعمدة ثلاث. تم أخذ اعتبار توجيه هذه المباني في المدينة وفقًا لعوامل المناخ، ولكن في بعض الأحيان يلعب شكل الأرض دورًا رئيسيًا في هذا التوجيه.
لقد تركزت الفلل والمساكن الفخمة في المدن الرئيسيّة، كما في القدس، وخصوصًا الجزء الغربي من المدينة، الذي سيطرت عليه إسرائيل في 1948. وتعكس هذه المباني القديمة تطور الطبقة الغنيّة المقدسيّة التي سكنت خارج أسوار البلدة القديمة، وما زالت تمثُل حتى اليوم بكامل هيبتها قصورًا حجريّة مبنيّة بطراز يدمج بين ملامح العمارة الإسلامية والعمارة الحديثة. وتمتاز القصور العربيّة بجمالية وفخامة نادرتين، وتُعتبر الأقواس علامتها الفارقة، وقبالة كل منها حدائق تزينها أشجار الليمون والرمان والياسمين. ومن تلك القصور بيت رجل الأعمال الفلسطيني الراحل قسطنطين سلامة، وبني في حي الطالبية عام 1930، وهو يتوسط ميدانًا كان يحمل اسم سلامة قبل أن يُهوّد، ويستخدم اليوم مقرًا للقنصلية البلجيكية. وهكذا بيت عائلة طرشة الذي يتميز ببوابة حديدية مزدانة بأعمال فنية نادرة، وهو اليوم مقر القنصلية الإسبانية. وليس بعيداً عنه بيت عائلة سنونو المحاط بحديقة، وبيت هارون الرشيد، وبيت واصف بشارات، وهي مسكونة من قبل يهود بعد تهجير أهلها الفلسطينيين.
فيلا في الخليل
فيلا سلامة (حاليًا القنصلية البلجيكية بالقدس)
منزل أنيس جمال في القدس
فلل وادي الصليب في حيفا
فيلا في رام الله
المباني العامة
بُنيت المباني العامة في القرى الفلسطينيّة بنفس تقنيات المنازل السكنية، وبنفس مواد البناء والتفاصيل. ولا يمكن تمييز تلك المباني عن الأخرى في القرى إلاّ في حالة المباني الدينيّة. تُعتبر غرفة العِلّيّة الأعلى في هذه المباني بالقرى. وتُعتبر معاصر زيت الزيتون في القرى الغنيّة مشابهة لمباني المنازل من الخارج، إلا أنها تختلف عنها كثيرًا من الداخل. لقد كانت المباني العامة في المدن أكثر تطورًا وتنظيمًا في التصميم والوظيفة. تختلف المباني العامة عن المباني الدينيّة، والحمّامات التركيّة، مصانع الصابون، المجمّعات التجارية، معاصر الزيتون، المدارس، الأضرحة، وغيرها.
لقد عُرفت المدارس المملوكيّة والتكيات في القدس بفناءاتها الوسطيّة، وبالحجم الكبير للغرف المحيطة حول الفناء، بينما اتصفت الحمّامات التركيّة بتخطيط ووظائف مختلفة (غرف باردة وحارّة). ولقد بُنيت المحلات التجاريّة بمواد وتفاصيل تقليديّة، ولكن بفتحات مختلفة، بينما كانت الأبواب كبيرة في معظم الحالات، كما بُنيت تلك المحلات بصفوف منتظمة لتشكّل سوق المدينة، كما في البلدة القديمة في الخليل ونابلس وغزة والقدس. يوجد في أعلى تلك المحلات بيوت يمكن الوصول لها من خلف البناء لإعطاء بعض الخصوصيّة. لقد اشتهرت في العصر العثماني ثقافة بناء الشرفات والأقواس، ورغم بقاء كثير من هذه الآثار، فإن جزءًا منها لم يعد موجودًا. لقد لعب المناخ دورًا كبيرًا في تحديد شكل العمارة العامة ونمطها، فقد كان الفناء الداخلي لهذه المباني في العهد العثماني يوفر الجو المريح للسكان، وارتفاعه الذي يمنع أشعة الشمس من التغلغل في المبنى، كذلك سماكة الجدران الكبيرة كانت نتيجة المناخ ليعمل كعازل للحرارة المرتفعة.
الأضرحة والمقامات
هنالك خصائص متكرّرة في مباني المقامات وموقعها في فلسطين. فالمقام أو المزار أو المشهد هو في معظم الحالات بناء رُباعي الشكل، له باب واطئ، ونافذة واحدة على الأغلب، وقد يكون له أكثر من نافذة. وفي أكثر الحالات يكون ذا قبّة. وأما من الداخل فهناك طاقة أو أكثر، غير نافذة تشبه الخزانة الطويلة. وهناك في العادة محراب بجانب القبر الذي يكون وسط غرفة المقام. وفي حين أن أكثر المقامات تقتصر على غرفة أو غرفتين، فإن بعضها يتألف من عدّة غرف فيها مسجد مُلحق بالمقام أو مسكن الشيخ أو الخطيب القيّم على المكان أو مضافة.
كما يوجد نوع آخر من المقامات الكبيرة التي تحتوي على غرف متعددة لإقامة الزوّار والحجّاج. وهذه المقامات هي في العادة للأنبياء كمقام النبي موسى ومقام النبي صالح. وفي كثير من الأحيان كانت المساجد تُبنى عند مقامات الأولياء.
يعود معظم المقامات المتبقيّة في فلسطين إلى ما بعد فترة الحملات الصليبية، وهذه حقيقة تشترك فيها المساجد والزوايا والآثار الاسلاميّة الأخرى التي زالت من جرّاء الكوارث الطبيعيّة والحروب والإهمال. وهي تكون بالعادة على أنواع؛ فهناك مقامات فيها أضرحة، إما داخل مبناها وإما في الساحة المجاورة له. وهناك مقامات بلا أضرحة، وكأنها أُقيمت تخليدًا لوليّ مع الاعتراف الضمني بأنه غير مدفون فيها. كما توجد قبور بلا أي نوع من أنواع الأبنية. وأيضًا كهوف تضم أضرحة أو لا تُقَسّم. ومثالها مغارة الأدهمية في القدس. ويوجد أيضًا مقامات تتألف من سور بسيط محيط بقطعة أرض، ومقامات تقتصر على شجرة أو كومة من الحجارة.
كان الحجر الطبيعي حتى النصف الثاني للقرن العشرين يُعتبر مادة البناء الرئيسيّة بالمباني التقليديّة في فلسطين، عدا منطقة وادي الأردن. إن كثيرًا من مباني الضفة الغربيّة استُخدمت في بناءها المونة الأسمنتية. لقد تم استخدام الأسمنت والخرسانة المُسلحة كتقنيات جديدة في العمارة الفلسطينيّة، والتي تم اختراعها في فرنسا بالقرن الناسع عشر، ولم تصل إلى فلسطين إلا بعد الحرب العالمية الثانية. لذلك، لم يُستخدم الأسمنت ببناء معظم المباني التقليديّة الفلسطينيّة. لقد استخدم البناؤون الفلسطينيون الجير والطين كمواد رابطة لقرون. لقد كانت أسقف البيوت تصنع من الأخشاب وأغصان الأشجار وفوقها طبقة من الطين الممزوج بالقصب. وهذا النوع من الأسقف كان شائعًا في المساكن المصنوعة من الطين والتي كان يشترط صيانتها كل عام.
تجدر الإشارة إلى أن مركز المعمار الشعبي الفلسطيني قام بتسجيل أكثر من 50,000 مبنًا تقليديًا في الضفة الغربيّة وقطاع غزة، حيث تبيّن أن الحجر الطبيعي هو مادة البناء الرئيسيّة في معظم مناطق فلسطين، بينما يُعتبر الحجر الطيني مادة البناء الرئيسيّة في غور الأردن والسهل الساحلي الفلسطيني، وخصوصًا في قطاع غزة.
يُعد الحجر الجيري المادة الرئيسيّة للبناء في منطقة الجبال الوسطى، بينما يُعتبر الحجر الرملي مادة البناء الرئيسيّة في السهل الساحلي، بينما يُعتبر الحجر الطيني مادة البناء الرئيسيّة في غور الأردن والسهل الساحلي أيضًا. وتُسمى طريقة استخراج الكتل الحجرية من المقالع أو المحاجر باسم التحجير. ويُسمى الحجر حسب المنطقة المُستخرج منها. ومن أشهر الأنواع في فلسطين القدس وجماعين وقباطية وتفوح. ويتم تصنيف الحجر بعد إجراء الفحوصات المخبريّة فيما يتعلق بنسبة الامتصاص للماء والوزن النوعي وإجهاد الكسر ومعيار التمزق والتآكل السطحي. تتراوح ألوان الحجر الفلسطيني حسب المنطقة الجغرافيّة بين درجة اللون الذهبي والبيج والزهري والرمادي.
يُطلق على عملية تجهيز الحجر للبناء اسم عملية تصنيع الحجر، حيث يتم توريد الكتل الحجريّة إلى المناشير الآلية لتقطيعها إلى أحجام أصغر ثلاثية الأبعاد تعرف بالطول والارتفاع وسماكة الحجر وهو ما يعرف بتربيع الحجر. ولإكساب الحجر الشكل الطبيعي وإخفاء السطح الناعم الناتج عن التربيع، يتم نقش الحجر أو ما يعرف بالدقاقة بالطريقة اليدويّة التقليديّة أو بطرق ميكانيكيّة. وينتج عن ذلك أشكال أساسيّة معروفة بالطبزة (كتلة طبيعية نافرة) والمفجّر والمنقّر والمطبّة والمسمسم والمنشور على التوالي من حيث النعومة. ويتم البناء بالحجر أفقيًا بعد ضبط الأفقية والشاقوليّة وبما يعرف باسم المدماك، حيث يتم البدء من الزوايا وسلاح الفتحات ويتم التسكير لما بينهما لكل مدماك أو صف. وتتوالى العمليّة في المداميك مع ضمان التشريك. وهناك عدة طرق لبناء الحجر، إما بالبناء والتثبيت بالباطون والصب خلفه، أو بطريقة التلبيس بالسكك والمرابط.
من مزايا البناء بالحجر المنظر الجمالي المميز والمرونة الكبيرة المعطاة للمعماري في التلاعب بالكتل وإمكانية التنويع في اللون والنوع، كما أن الأبنية المشيدة بالحجر تمتاز بطول العمر وقلة الحاجة إلى الصيانة والقدرة العالية على العزل الحراري صيفاً وشتاءً.
يُعتبر حجر القدس أحد أنواع الحجر الجيري شائعة الاستخدام في منطقة القدس وما حولها، والتي تُستخدم في بناء المباني منذ العصور القديمة وحتى الآن. يُعد الحجر الجيري الملكي أحد أهم أنواع هذا الحجر، والذي استُخدم في العديد من الهياكل والمباني الأكثر شهرة في المنطقة، بما في ذلك حائط البراق في البلدة القديمة. في نهاية عام 2000، كان هناك 650 شركة وكسّارة يديرها فلسطينيون في الضفة الغربية، تنتج مجموعة متنوعة من الحجر ذي اللون الوردي، والرملي، والذهبي، والأبيض. وتُعد صناعة الحجر والرخام في فلسطين واحدة من أكبر وأهم الصناعات، وتشكل رافداً رئيسياً للاقتصاد الوطني النامي حيث تساهم بما يزيد عن 30% من حجم الدخل القومي من الصناعات الفلسطينية. ومن أهم مميزات الحجر المستخرج من هذه المنطقة ألوانه المتعددة الفاتحة، ابتداءً باللون الأبيض، والزهري، والأحمر الفاتح والغامق، والسكني الفاتح والغامق، والذهبي، والبيج، والبني الفاتح، والأزرق بالإضافة لألوان أخرى مرغوبة ومطلوبة في السوق العالمية.
استُخدم الخشب المنشور في المباني التقليديّة بالأبواب، الشبابيك، والمشربيات. يُعتبر الخشب المحلي مادة بناء مُكلفة بسبب ندرته في فلسطين. بالنسبة إلى المشربيات، فهي في الغالب خشبية، وهي تؤدي غرض الخصوصية حيث تسمح بالرؤية من الداخل للخارج وليس العكس. بالإضافة إلى استخدام الخشب بالفتحات، استُخدم كعنصر إنشائي للأسقف في المنازل ذات الحجر الطيني في غور الأردن والسهل الساحلي. لقد استُخدمت المونة أو الملاط لربط الحجر ولملء الفراغات بينه. الملاط بصورة عامة يصنع على شكل عجينة تصبح صلدة حين تجف وتتكون من مواد مختلفة مثل الطين أو الصلصال أو النورة أوالأسمنت أو خليط من هذه المواد وقد يضاف إليها الرمل. وتتكون المونة من عنصرين أساسيين، المادة الجيريّة الرابطة، والزلط (الرمل، الحصى، بقايا الطوب، الرماد، أو أي عنصر عضوي آخر).
لقد تم استخدام التقنيات المعماريّة ذاتها في المباني التقليديّة الفلسطينيّة، بغض النطر عن طبيعة استخدام المبنى أو وظيفته. ولقد كانت معظم التفاصيل المعماريّة في المباني التي اُستخدم ببنائها الحجر موجودة في الجدران، العقود المُصلبة، والقباب.
يراوح عرض الجدران الحجريّة للمباني قديمًا بين 80 - 120 سنتيمترًا. ويعود ذلك لأكثر من سبب، كان أهمها دعم الأحمال الإنشائيّة للعقود، ودعم الأسقف لتحمّل الأوزان، بالإضافة إلى حفظ الطاقة، حيث تُعتبر البيوت التقليديّة باردة صيفًا، ودافئة شتاءً. بالنسبة للأسقف، فيمكن تقسيمها إلى أسقف مائلة وأسقف القباب والعقود. لقد كانت العقود من أكثر أنظمة التسقيف استخدامًا في فلسطين، وخاصةً في المناطق الجبليّة. وكان من الممكن أن تصل أبعاد الغرفة المسقوفة بالعقد المُصلب إلى 10 متر طولاً و 10 متر عرضًا. ولقد استُخدمت نفس الطريقة في تسقيف القباب، وخاصة في الحمّامات التركيّة، حيث تم استخدام الطوب بدلاً من الحجر في تلك المباني، وكان يصل سمك القباب والعقود إلى 30 سم فقط، بينما كانت مغطاة بمونة جيريّة أو مُبلطة بالحجر. أما بالنسبة للأسقف المائلة، فقد استُخدمت في المباني ذات الحجر الطيني، وخاصةً في وادي الأردن والسهل الساحلي.
يُعتبر العقد عنصرًا معماريًا ناتجاً من الاستخدام الإنشائي للخصائص الطبيعية للمواد، حيث يعتمد على انتقال الحمل الطبيعي من النقطة الأعلى إلى النقطة الأسفل وهكذا حتى تصل إلى مستوى الأرض. وباستخدام العقد بصورة متكررة بجوار بعضه بعضاً يتكون القبو، والذي يمكن استخدامه بأكثر من علاقة هندسيّة لعمل أشكال مختلفة للأسقف باستخدام الأقبية المتقاطعة. وقد استخدم العقد والقبو كنظام إنشائي ومن ثم معماري في فلسطين والبلاد التي تفتقر إلى مواد البناء الأخرى كالأخشاب والأعشاب، أو تلك التي افتقرت إلى الأخشاب إما نتيجةً لقطع الغابات على مر الزمن، أو تلك التي قلّت فيها الغابات نتيجةً للتغيّر المناخي على مر التاريخ. وممكن أن يكون العقد مُصلبًا، وممكن أن يكون طوليًا أو جمالونيًا.
تُعتبر العقود، الميّزة المعماريّة الأولى في العمارة الإسلامية في مختلف العصور، ولقد اعتُمد على استخدام العقود، لأنه يعطي جمالاً معماريًا. ولدى دراسة المباني السكنية في الفترة العثمانيّة، والتي بُنيت حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، يمكن ملاحظة التحميل الإنشائي للأسقف أنها كانت على عقود بقبوات أسفلها أكتاف، كما أنها تعطي درجة تحمّل كبيرة للأسقف، مع الحفاظ على الشكل المعماري.
بالنسبة للبلاط، فقد كان البلاط الحجري يُعتبر وسيلة التبليط الوحيدة في الماضي، بينما لم تُبلّط بعض المنازل بسبب الأوضاع الاقتصادية، حيث استُخدم الطين أو المونة الجيريّة بدلاً عنه. لقد دخل البلاط الملّون إلى العمارة الفلسطينيّة في بداية القرن العشرين كعازل مائي ضد الرطوبة الناشئة من الأرض.
تشمل العناصر التقليديّة في العمارة الفلسطينيّة كلاً من الفناءات، الإيوان والنوافير، الرواق، والفتحات (يمكن تقسيمها حسب الوظيفة إلى الأبواب، والنوافذ، والطلاقات).
يوجد نوعان من الفناءات في العمارة التقليديّة الفلسطينيّة؛ الأول هو الفناء المكشوف الذي يعود لمنزل واحد، وتحيط به الغرف من كل أو معظم الجهات، وفي بعض الأحيان يحاذيه سور المنزل نفسه. أما الثاني فينتج بسبب إضافة غرفة إضافيّة فوق مساحة مفتوحة ويُسمى الحوش. إن الفائدة الرئيسيّة للفناءات هي لتدوير الهواء وإعطاء الخصوصيّة، وتُعتبر المكان الأفضل لممارسة النشاطات الصيفيّة والشتويّة بسبب اعتدال درجة الحرارة فيها، حيث تُعتبر منطقة راحة. وللحفاظ على حرمة المنزل، استُخدم المدخل المنكسر والذي إضافة لدوره في الحفاظ على الخصوصيّة يقوم كمرحلة انتقالية من فراغ الشارع إلى فراغ الفناء ومن المناخ الخارجي إلى المناخ الداخلي.
يُعتبر الإيوان مظهرًا من مظاهر البيوت الغنيّة والكبيرة في فلسطين، وكذلك النوافير. يتم إنشاء الإيوان تقليديًا في منطقة مرتفعة محاطة بثلاث جهات من الغرف، بينما تُترك الجهة الأماميّة الرابعة مفتوحة، والتي تواجه بالعادة الفناء. وفي بعض الأحيان، يتم إنشاء النوافير أمام الإيوان كوسيلة تبريد بالصيف، بالإضافة إلى المنظر الجمالي. يُعتبر توجيه الجهة المفتوحة من الإيوان إلى الشمال الأفضل، حيث أن أشعة الشمس المباشرة لا يمكنها الدخول لغرفة الإيوان.
يُعتبر الرواق من عناصر البيوت الكبيرة أيضًا، وغالبًا ما يكون في زاوية المبنى أو في نهايته. يُبنى الرواق بين غرفتين أو ثلاث، بحيث تكون جهاته الثلاث مغلقة، بينما تُترك الواجهة الرابعة مفتوحة، وغالبًا ما تحوي عددًا من الأعمدة والأقواس. وقد استُخدم الرواق في المنازل والمدارس والمستشفيات لتوفير تهوية جيدة، بالإضافة لمنع أشعة الشمس المباشرة من الدخول.
يمكن تقسيم الأبواب إلى مجموعتين؛ الأبواب الخارجية (البوابات)، والأبواب الداخلية. تتسم البوابات بالعناية بالزخرفة، ويعلو فتحة الباب عادة عقد موتور أو مجموعة من العقود المدببة، وتكون البوابة متراجعة إلى الداخل، وفوقه عقد مدبب عن مستوى الواجهة وتحفها من الجانبين مكسلتان، وتعلو البوابة بعض الزخارف فوق العقد، ويكون ضمن الباب فتحة صغيرة تُسمى خوخة، وهي تسمح بمرور الإنسان؛ بينما يفتح الباب الكبير؛ ليسمح بدخول الحيوانات المحملة. وتثبت دفة الباب من الأعلى والأسفل بحيث تكون هناك قطعة بارزة من الخشب الملبس بالحديد عند طرفي الباب بحيث يدخل كل طرف في حلقة من الحجر توجد أعلى وأسفل طرفي البوابة. لقد استُخدمت الأعمدة في الفترات المتأخرة من العصر العثماني في فلسطين كعنصر جمالي للمداخل.
تضم النوافذ الشبابيك والمشربيات، حيث تؤخذ الشبابيك بنسبة 1:2 في غالبيتها وتنتهي بعقد مستقيم أو موتور أو مخموس، وقد تأتي بنسب أخرى، الشبابيك تأتي بتكرار معين وهي: الشكل المفرد، أو المزدوج، أو الثلاثي. أما المشربيات فهي في الغالب إما خشبية، أو بروزات حجرية محمولة على كوابيل، وهي تؤدي غرض الخصوصية حيث تسمح بالرؤية من الداخل للخارج وليس العكس.