العربية  

books tradition of a judge

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

تقليد قاضي القضاة (Info)


الخليفة هو الذي يُقلِّد القضاة أمر القضاء، وخاصَّةً فيما يتعلَّق بأعلى منصب قضائي وهو منصب قاضي القضاة. وقد يقوم ممثله في الولايات وهو السلطان أو الوالي أو قاضي القضاة، بتعيين القضاة وتقليدهم القضاء، والقاضي بدوره يُعيّن مساعديه ليُعاونوه في وظائفه المختلفة. ويُسمَّى مرسوم الخليفة بتعيين قاضي القضاة "بالعهد"، ويتم التعيين في احتفال هو "التقليد".

شروط اختيار قاضي القضاة

لم تكن هناك شروطٌ مُعينة في بادئ الأمر، لتقليد قاضي القضاة، فالظروف لعبت دورها عندما احتاج هارون الرشيد إلى أحد الفقهاء ليستفتيه في أمر زنا ابنه، فجاء أبو يوسف حيث أُعجب بفتواه وأصبح من المقربين إليه، حتى ابتكر له منصب قاضي القضاة لأوَّل مرَّة في الإسلام. وهكذا كانت المعرفة بالشريعة والفقه والفِطرة السليمة ضروريَّة في هذا الاختيار. والحقيقة أنَّ الشروط التي يجب توافرها في القاضي تطابق شروط اختيار قاضي القضاة، مع مراعاة شرط الخبرة والسن. وحدد الماوردي الشروط المعتبرة بالشرع، والتي يجب توافرها فيمن يلي القضاة، وهي على الإجمال سبعة:

  1. الذكورة والبلوغ: أي أن يكون القاضي رجلًا، تخطى مرحلة الفتوَّة والصبا، وأصبح ناضجًا جسديًا وعقليًّا. فلا يمكن تقليد الصبي غير البالغ ولا النساء للقضاء.
  2. الذكاء: حتى يتمكن من التمييز وإيضاح ما أشكل من القضايا، فلا يُمكن للغبي والمُصاب بعاهة عقليَّة أن يتولّى هذا المنصب.
  3. الحريَّة: فلا يجوز للعبد أن يتقلَّد القضاء، أمَّا إذا كان العبد قد نال حريته فيجوز له تقلّد القضاء إذا توافرت فيه الشروط الأخرى.
  4. الإسلام: ويعني ذلك عدم جواز تقلّد أهل الذمَّة وغيرهم القضاء بين المسلمين. فلا يجوز لليهودي أو المسيحي أو الصابئي أن يقضي بين المسلمين، وكذلك الحال بالنسبة للوثني والمجوسي والهندوسي والبوذي وغيرهم.
  5. العدالة: وتشمل الصدق والأمانة والعفَّة والبعد عن الريب.
  6. سلامة السمع والبصر: ليتمكَّن من التمييز بين الحق والباطل.
  7. العِلم بالأحكام الشرعيَّة: ويعني ذلك العِلم بالقرآن والسنَّة النبويَّة والاجتهاد.

واعتبر الماوردي القضاة موازين العدل وحرَّاس السنَّة النبويَّة باتباعها في أحكامهم، وهنا أضاف صفات لا بد من مُراعاتها في اختيار القضاة بعد الشروط المعتبرة فيهم بالشرع، وهي: أن يكون القاضي حسن العلانيَّة، مأمون السريرة، كثير الجدّ، قليل الهزل، شديد الورع، قليل الطمع. وعلى القضاة الاقتداء بالأئمَّة، ومشاورة أهل العلم والرأي. وفي البداية كانت المعرفة بالمذهب الحنفي، مذهب أهل العراق، من أهم الشروط لتقلّد القضاء، وقد عمل قاضي القضاة أبو يوسف في هذا الاتجاه، ولكن المعرفة بالمذاهب الأربعة عند أهل السنَّة تبدو ضروريَّة لتمييز قاضي القضاة وتدعيم مكانته.

ولا يوجد شرط السن في تقليد القضاء، فقد تقلَّد البعض منصب القاضي في سن العشرين، أو الثانية والعشرين، أو الثانية والثلاثين. ومع ذلك يبدو أنَّ سن الأربعين كان يُعتبر "حدّ التكهّل والحِنكة"، فمن المُستحب أن تبدو الهيبة والوِقار والسن على القاضي حتى لا يُقال إنه ما زال فتى قليل الحِنكة. أمَّا منصب قاضي القضاة فلم يتقلده أحد في العشرين أو الثلاثين من عمره، وإن لم تحدد سنًّا مُعينة لتوليه، فقد جرت العادة على أن يتقلَّد هذا المنصب قاضٍ له خبرته الطويلة في القضاء وله هيبته ووِقاره وسنِّه، فأبو جعفر أحمد بن إسحق بن البهلول التنّوخي تقلَّد منصب قاضي القضاة في بغداد وهو في الخامسة والستين من عمره، وأبو عمر محمد بن يوسف الأزدي وأبو السائب عتبة بن عبيد الله الهمذاني وهما في الرابعة والسبعين، وأبو جعفر الثقفي وقد ناهز الثمانين.

وبالرغم من ذلك، فقد تقلَّد البعض منصب قاضي القضاة في سن مبكِّرة، ويرجع ذلك إمَّا لحظوتهم عند الخليفة أو لمكانتهم في القضاء. ويبدو أنَّ أبا الحسين عمر بن محمد بن يوسف الأزدي هو أوَّل من تقلَّد هذا المنصب في بغداد دون أن يبلغ الأربعين من عمره، فيذكر التنّوخي أنَّ الخليفة الراضي بالله ذهب إلى الموصل سنة 327هـ الموافقة لسنة 938م ومعه قاضي القضاة أبو الحسين عمر (المولود سنة 290هـ الموافقة لسنة 903م)، أي كان عمره وقتذاك حوالي سبعة وثلاثون سنة، ويبدو أنَّه تقلَّد هذا المنصب قبل هذا التاريخ، وذلك نتيجة حظوته عند الخليفة الراضي. وفي القاهرة تقلَّد علي بن النعمان قضاء القضاة وهو في السابعة والثلاثين، كما تقلَّد شقيقه محمد بن النعمان هذا المنصب وهو في الرابعة والثلاثين، وذلك نتيجة حظوتهما عند الخليفة الفاطمي، ولمكانة أبيهما النعمان الذي يُعتبر مؤسس النظام القضائي في الدولة الفاطميَّة.

احتفال التقليد

بعد اختيار قاضي القضاة، يكتب له الخليفة "عهدًا" بتولّي منصبه، وبعد إنشاء "عهد" الخليفة، يجتمع الخلق من الأشراف والقضاة والشهود والجند والتجَّار وغيرهم على باب الخليفة، حيث يجري احتفال "التقليد" لمنصب قاضي القضاة في موكب فخم. وعندما تقلَّد أبو الحسين عمر بن محمد قضاء القضاة، خرج من عند الخليفة الراضي بالله وعليه الخُلع، وسار الموكب وفيه زحمة، في شوارع بغداد. وفي مصر، عندما قلَّد الخليفة الفاطمي العزيز بالله منصب قاضي القضاة إلى علي بن النعمان سنة 366هـ الموافقة لسنة 977م، اجتمع الناس في احتفال كبير في جامع القاهرة حيث قُرأ العهد بتوليه منصبه، ثمَّ انصرف إلى داره تحيط به جموع الناس. وعندما تقلَّد أخوه محمد بن النعمان هذا المنصب سنة 374هـ الموافقة لسنة 985م، قُرأ عهد الخليفة العزيز بعد صلاة الجمعة في الجامع العتيق بالقاهرة. وفي مصر أيضًا، وزمن المماليك، كان السلطان إذا ما قلَّد أحدهم قضاء القضاة على مذهب معيَّن، فإنه يجتمع به ليوليه القضاء ويخلع عليه خلعة صوف ويُعطيه بغلة لركوبه. وأحيانًا يطلب السلطان أحد القضاة من خارج مصر، بواسطة البريد، وذلك لتقليد قضاء القضاة في مصر. وهكذا كان ينقل قاضي قضاة أحد المذاهب من دمشق إلى مصر، وكذلك من مصر إلى دمشق وغيرها، ليتولّى قضاء مذهبه. وعندما يخرج قاضي القضاة من دمشق إلى مصر لتولّي القضاء، يخرج القضاة والأعيان لتوديعه، وأحيانًا يُرسل عائلته قبل رحيله لتسبقه في قافلة من الجِمال. وعند وصوله إلى مصر يتوجه إلى السلطان ليُسلِّم عليه، ثم يمشي إلى دار الحديث ثم إلى المدرسة الركنيَّة حيث يُسلِّم الناس عليه.

وفي دمشق، كان التقليد يتم عند وصول البريد من مصر، ومعه كتاب السلطان بالتقليد والخِلعة في قضاء قضاة مُعيَّن، أو بتجديد توقيع قاضي القضاة. وكان التقليد يتم في الجامع الأموي، حيث يجلس قاضي القضاة في محراب المقصورة، بعد أن يلبس الخِلعة، علمًا أنَّ هناك مقصورة لكل قاضي قضاة من المذاهب الأربعة. ثمَّ يقرأ كتاب التقليد بحضور القضاة والأعيان، ويجلس القارئ، ويكون أحد الشيوخ المُحدثين عادةً، على السدَّة تجاه المحراب. وبعد ذلك يسير قاضي القضاة في موكب حافل إلى دار السعادة ليُسلِّم على نائب السلطنة. وفي اليوم التالي، يُباشر قاضي القضاة عمله حيث يحكم في المدرسة النوريَّة، أو الجوزيَّة، أو العادليَّة، وغيرها. وهناك يتلقى السلام والتهنئة من الناس الذين يتوافدون عليه.

Source: wikipedia.org