If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
تعد فكرة الألوهية من الأفكار الرئيسية والقديمة، فأينما وجد العقل الإنساني فإنه يسعى إلى تحديد علاقته بهذه الفكرة أو ما يماثلها، سواء كانت هذه العلاقة إيجابية أو سلبية. والألوهية كفكرة تشكلت على مر العصور بصور متعددة، وقد تأرجحت بين المادية الخالصة وبين المثالية الخالصة. وإذا أردنا أن نبحث عن الأصول التاريخية لهذه الفكرة، والتي يمكن أن تكون الكرامية قد أستفادت منها، لوجدنا عدة تيارات ثقافية متباينة، من أهمها:
أولاً اليهودية: ومن أهم الخصائص التي أمتاز بها اليهود عامة نزعتهم الحسية، التي تسعى إلى تصوير كل شيء تصويراً حسياً. وحينما نزلت التوراة باعتبارها أول كتاب سماوي، راعى هذه الخاصية التي تكمن في أعماق هذا الشعب. فقد صورة التوراة في سفر التكوين تكوّن الموجودات تصويراً مادياً خالصاً، كما صورت الله أيضاً في صورة تجسيمية تشبيهية فلقد ورد في الإسرائيليات أن الله خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده وكتب التوراة بيده. ويحكي لنا أبو اليسر البزدوي صاحب كتاب أصول الدين أن عامة اليهود قالوا: أن الله جسم في صورة الآدمي، لحم ودم. ويحكون عن النبي دانيال أنه قال: رأيت قديم الأنام أبيض الرأس والبدن، جالساً على العرش، واضعاً قدميه على الكرسي. واضح إذن أن اليهود يجسمون الله، ولا شك أن هذا التراث الديني كان معروفاً لدى المسلمين، ومن ثم فقد وقف عليه ابن كرام وعرفه.
ثانياً المسيحية: انتهى هذا التيار الديني إلى القول بحلول الطبيعة اللاهوتية في الناسوتية، وقد تمثل ذلك في شخصية المسيح، وقد انتقلت الآراء المسيحية إلى المسلمين، وقدم الشهرستاني هذه الآراء وبين اختلاف المسيحيين بشأنها في كتابه الملل والنحل.
وإلى جانب هاتين الديانتين، كانت هناك أيضاً تيارات أخرى، منها: الزرادشتية والديصانية والماندية والمزدكية والحرنانية، وكلها تشير إلى تجسيم أهل هذا العالم وعلته. بالإضافة إلى هؤلاء أيضاً أصحاب الهياكل والأشخاص، عبدة النجوم والكواكب وعبدة الأوثان. فهم جميعاً اعتقدوا أن هذه الهياكل، حية، تحس بما يدور بخلدهم، ولهذا اتخذوها واسطة تقربهم من الرب. ومن هذه الإشارات والتنبيهات الموجزة، يتضح لنا كيف أن نزعات التجسيم كانت متغلغلة في البيئة العربية قبل الإسلام وبعده، وكانت واضحة في تلك البلاد التي أمتد إليها الفتح الإسلامي وخاصة بلاد فارس.