If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
يبدو أن الظروف السياسية كانت مناهضة في معظم الأوقات للكرامية، وليست الظروف السياسية فقط بل العوامل الأخرى الاجتماعية والدينية، حيث نجد أن معظم المؤرخين والمتكلمين يذكرون هذه الجماعة دائماً بالسوء، ويسعون إلى الحط والتقليل من شأنها، ولعل ما يوضح اضطهاد الكثيرين لهذه المدرسة هو أننا حتى الآن لم نجد مؤلفاً واحداً خاصاً بأحد رجالها. وهذا دليل على أن أيدي الخصوم قد امتدت بالتدمير إلى كل عمل كان يقوم به أحد رجال الكرامية. كذلك نجد أن المؤرخين يذكرون لهذه المدرسة فرقاً كثيرة، فلقد تعددت فرق الكرامية، وهناك من هذه الفرق من عرف واشتهر وذاع صيته، وهناك البعض الآخر الذي لا نعثر في الكتب والمراجع إلا على اسمه فقط. ومن أهم فرق الكرامية التي حافظت على المذهب: الاسحاقية، والهيصمية، والعابدية أصحاب عثمان العابد، والحيدية أنصار حيد بن زيد، والزرينية أتباع زرين، والسورمية، والتونية نسبة إلى زعيمها الروحي أحمد التوني، ثم المهاجرية أنصار إبراهيم بن مهاجر الذي وجد في النصف الأخير من القرن الرابع الهجري.
سميت بهذا الاسم نسبة إلى زعيمها ومؤسسها أبي يعقوب اسحاق بن محمشاد النيسابوري. وقد ولد بنيسابور، غير أن تاريخ مولده لم يحدد بعد. ويبدو أن ولادته كانت في فترة مبكرة من بداية القرن الرابع الهجري، أما عن وفاته فتشير الروايات إلى أنه مات عام 383 هـ. ولقد كان ابن محمشاد النيسابوري رجلاً زاهداً، ورعاً، شأنه شأن استاذه ابن كرام. ويبدو أنه كان ذا بصيرة نفاذة وحجة قوية. كما أنه أيضاً كان مالكاً لناصية اللغة العربية، الأمر الذي جعل مهمته في تفسير النصوص الدينية أمراً هيناً، ولهذا فلا عجب أن يذكر المؤرخون أن على مذهبه أسلم ما يربو على خمسة آلاف نفر من أهل الديانات الأخرى. ولقد حمل لواء الاسحاقية ابنه أبو بكر الذي توفى عام 410 هـ.
مؤسس هذه الجماعة هو عبد الله محمد بن الهيصم هو الرجل الثاني في مدرسة الكرامية بعد مؤسسها ابن كرام. فقد كان لمدرسة الكرامية شأنها في الفترة التي تزعمها فيها هذا الرجل في القرن الرابع الهجري. فعلى يديه عاشت الكرامية عصرها الذهبي، وقد تكون الظروف السياسية في هذه الفترة بوجه خاص التي عاش تحت ظلها قد هيأت المناخ الفكري لهذه الجماعة لأن السلطان محمد بن سبكتكين قد أيد هذه الجماعة وناصرها على حساب المذاهب الأخرى. وازدهار مدرسة الكرامية على يد ابن الهيصم يشير إلى أن الرجل كان داهية في مجال العلم والعمل. فالروايات كلها على أنه خبر أصول المعتزلة على يد أحد رجالها ثم انفصل عنها وعن غيرها من اتجاهات أخرى مكوناً لنفسه فرقة عرفت باسمه. ويشير المؤرخون إلى أن هناك مناظرات جرت بينه من جهة وبين كل من ابن فورك وأبو إسحاق الإسفراييني من جهة أخرى. وتأتي أصالة ابن الهيصم في أنه لم يتابع متابعة تقليدية عمياء لما نادى به ابن كرام، بل أنه حاول إصلاح بعض ما وقع فيه ابن كرام من قول بالتجسيم، وحلول الحوادث في ذات الله، فقال أن الجسمية تعني القيام بالنفس، أما الاستقرار على العرش فمعناه الفوقية. وبعد أن مات ابن الهيصم، قاد المذهب من بعده أحد تلاميذه وهو مجد الدين عبد المجيد محمد المعروف بابن القدوة. وقد ذهب المؤرخون إلى أن هناك مناظرات جرت بينه وبين بعض متكلمي الأشاعرة آنذاك وعلى رأسهم الإمام فخر الدين الرازي.