If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
لم تنج البيئة العربيّة من الممارسات الطفولية للعقل البشري في ساحة الخيال وميدان تفسير الظواهرالطبيعية، شأنها في ذلك مثل نظيرتها اليونانية، الهندية والفارسية، فقد عرفت أنواعا شتى من الأساطير والخرافات نال الحيوان فيها السّهم الأكبر إلاّ أنّنا نواجه صعوبات جمّة لتأكيد هذا الطّرح خاصّة أمام باحثين متعصّبين يزعمون ” أنّ العرب لم يعرفوا الأساطير، ذلك أنّهم لم يكونوا من أصحاب الملكات الخلاّقة التّي تعتمد الخيال الواسع “، مع أنّ إطلالة سريعة على جواهر الشّعر الجاهليّ تنسف هذا الموقف من أساسه، ولعلّ السّبب في هذا الموقف الشّاذّ هو عدم فهم طبيعة العقلية العربية ومقارنتها بما أبدعه اليونان والفرس من خيالات وقد ردّ الأستاذ أحمد أمين على هذه الشّبهة بقوله : ” أمّا ضعف الخيال فلعلّ منشأه أنّ النّاظر في شعر العرب لا يرى فيه أثرا للشّعر القصصيّ ولا التّمثيليّ، ولا يرى الملاحم الطّويلة التّي تشيد بذكر مفاخر الأمّة كإلياذة هوميروس وشاهنامة الفردوسيّ… ونحن مع اعتقادنا قصور العرب في هذا النّوع من القول نرى أنّ هذا الضّرب أحد مظاهر الخيال، لا مظهر الخيال كلّه. فالفخر والحماسة والوصف والتّشبيه والمجاز، كلّ هذا ونحوه من مظاهر الخيال”.
والمعوّق الآخر الذّي يواجهنا فيما طرحناه سابقا هو شحّ المصادر التّي تنير مغارات الخرافات وبقايا للأساطير التّي دوّنت سواء على الصّخور والألواح عن طريق النّقوش أو في بطون الصّحف والكتب، فأمّا الأولى فترجع ندرتها في قلّة البحوث والدّراسات الأنتروبولوجية الخاصّة بالجزيرة العربية، وأمّا الثّانية فسبب قلّتها ضياع الكثير منها ونخصّ بالذّكر كتاب “الإكليل” لمحمّد الحسن بن داوود المشهور بالهمذاني الذّي ضاعت منه ثمانية أجزاء كاملة وقد اكتشف الجزء الثّامن منه و”الذّي يصف فيه قلاع اليمن القديمة وقصورها وجانبا كبيرا من حياتها الاجتماعية ومعتقداتها” والجزء العاشر من نفس الكتاب “يتحدّث فيه الهمذاني عن قبائل اليمن مملكة سبأ وحمير التّي دان لها العالم أجمع منذ الألف الثّالثة قبل المسيح” ويذكر أنّ الجزء السّابع من بين الأجزاء المفقودة يتناول فيه الكتاب الأساطير والخوارق – الحكايات المستحيلة – لليمن الغابرة.
وبهذا فنحن أمام فقدان حلقات كثيرة من التّراث الخرافيّ والأسطوريّ العربيّ. من أجل ذلك ولّى الباحثون وجوههم شطر الحضارتين اللّتين تماسّتا مع جزيرة العرب ونعني بهما مدنيّة الفرات ومدنيّة النيل، ولاشكّ أنّ العرب اختلطوا بهذه الشّعوب منذ غابر الأزمان كما يشير ” المؤرّخون في أنساب العرب إلى أنّ العربيّ والفينيقيّ والأشوريّ والبابليّ من أب واحد يؤيّد ذلك التّشابه في تركيب أجسادهم وعاداتهم” ومن ثمّ كان اللّجوء إلى “التّفتيش عن جذور الأساطير العربيّة عند هؤلاء الشّعوب – البابليين، الأشوريين، الكنعانيين – التّي توافرت عنهم بعض النّصوص والنّقوش”.
“فالجسم الأكبر من أساطيرنا وفلكلورنا أمكن العثور على قنوات منابعه الأولى عند السّومريين اللاّساميين الذّين توارثهم الأوائل من بابليين وأشوريين وسوريين وفينيقيين لبنانيين وعبريين وعرب من شبه الجزيرة من شماليين وجنوبيين”.
وبهذا فنحن نغرف من معين أساطيرنا وفلكلورنا العربي مما كتبه “ورواه العلماء والكتاب والرواة من العرب وغير العرب، مثل وهب بن منبه، والآلوسي، وعبيد بن شرية الجرهمي، وكعب الأحبار، ومحمد بن إسحاق، والدميري، والأزرقي، والبلخي، والقزويني، والهمذاني، والطبري، وابن قتيبة، وابن النديم وغيرهم …” ومن الكتب التي حفظت لنا تراثا هائلا من الحكايات والخرافات: البيان والحيوان للجاحظ، والتيجان لوهب بن منبه، والإكليل للهمذاني وحياة الحيوان الكبرى للدميري وبلوغ الإرب للأوسي و”كتاب الأيام الذي ألفه أبو عبيدة معمر بن المثنى –وهو مليء بالأساطير والحكايات الخرافية– ثم نثره في مجموعة النقائض بين جرير والفرزدق”.