If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
شكَّل القوزاق في المناطق الواقعة على الضفة الغربيَّة من نهر الطونة (الدانوب) في أوكرانيا المعروفة باسم «زاپوروجيا»، إمارة مُستقلَّة مُنذ القرن الخامس عشر، وحالفوا القيصريَّة في روسيا مُنذ سنة 1654م بعد إبرام مُعاهدة پيرياسلاڤ التي أصبحت بِموجبها أوكرانيا ولاية خاضعة لِروسيا. وفي عهد كاترين الثانية أخذ بعض كِبار القادة والساسة يرون ضرورة القضاء على الامتيازات التي منحها القياصرة الروس قديمًا لِلقوزاق في سبيل دمجهم دمجًا تامًا مع سائر السُكَّان في المنطقة، كما كان أُسلُوب حياة القوزاق كثيرًا ما يُدخلهم في مشاكل ونزاعات مع الحُكومة الروسيَّة بِسبب ميلهم نحو الحرب والقِتال. وكان هؤلاء القوزاق قد شرعوا قُبيل العهد الكاتريني بِتوطين الأقنان الروس والبولونيين الهاربين في أراضيهم بِزاپوروجيا تحسُبًا لِأي هُجومٍ روسيٍّ مُحتمل على بلادهم، فجعلوا منهم فلَّاحين أحرار مُقابل الحُصول على ولائهم الكامل واستعدادهم لِلقتال إلى جانبهم في حالة أي غزوةٍ روسيَّةٍ مُستقبليَّة، وقد أدَّى هذا الأمر إلى وُصُول عدد الفلَّاحين في زاپوروجيا سنة 1762م إلى 150,000 فلَّاح مُقابل 33,700 قوزاقي. من الأساليب التي انتهجتها كاترين الثانية في حل المُشكلة القوزاقيَّة كان دمج كِبار القادة العسكريين منهم في طبقة النُبلاء الروسيَّة وإغراقهم بِالأموال والهدايا والامتيازات في سبيل الحُصُول على ولائهم الكامل، أمَّا القادة الأصغر فجُعلوا من طبقة الفلَّاحين، فما كان منهم إلَّا أن استمرّوا في إيواء الأقنان الهاربين من روسيا وبولونيا بمن فيهم أتباع الثائر على الإمبراطوريَّة إميليان پوگاچيڤ، مما جعل عدد هؤلاء القادمين من الهتمانيَّة وحدها يصل إلى 100,000 شخص، الأمر الذي أثار غضب الإمبراطورة على هذه الفئة من القوزاق التي أعلنت من خِلال حركتها هذه تحديها لِكاترين وشقها لِعصا الطاعة.
من الأسباب التي دفعت الروس قبل العهد الكاتريني، وخِلال السنوات الأولى من هذا العهد، إلى تقبُّل نمط حياة القوزاق المُثير لِلمتاعب، هو العداء الكبير الذي كان قائمًا بين الإمبراطوريَّة الروسيَّة والدولة العُثمانيَّة، وخوف الروس المُستمر من غارات وحملات العُثمانيين على السواحل الشماليَّة لِلبحر الأسود، ودعمهم المُستمر لِخانيَّة القرم التتريَّة المُسلمة كي تصمد في وجه روسيا، فكان دور القوزاق في هذا المجال أشبه بِدور حرس الحُدود لِصد الهجمات العُثمانيَّة والتتريَّة. لكن لمَّا أُبرمت مُعاهدة كُچُك قينارجه بين الدولة العُثمانيَّة والإمبراطوريَّة الروسيَّة في سنة 1774م، والتي انتهت بِمُقتضاها الحرب بين الدولتين، وضُمَّت خانيَّة القرم بِمُوجبها إلى روسيا، لم يعد لِلروس حاجة في إقامة خُطوط دفاع جنوبيَّة لِلبلاد، فاستغنت الحُكومة عن خدمات القوزاق، وأمرت الإمبراطورة باستحداث حاكميَّة جديدة أُطلق عليها تسمية «روسيا الجديدة» تضم القرم وقسمًا من جنوب أوكرانيا بِمُحاذاة زاپوروجيا، وأخذ المُستوطنون يتوافدون عليها ويُشيدون المُستعمرات فيها، ومن أبرز تلك المُستعمرات مُستعمرة «صربيا الجديدة»، التي أسسها مُستوطنون صرب هاربون من تُخُوم مملكة هابسبورگ النمساويَّة. وكانت تلك المُستعمرة مُلاصقة لِزاپوروجيا القوزاقيَّة، ممَّا أدَّى إلى دُخول الصرب والقوزاق في نزاعاتٍ عنيفةٍ حول ملكيَّة الأراضي. بعد تفاقم النزاعات والاقتتالات بين المُستوطنين الجُدد والقوزاق، وبعد اقتناع الإمبراطورة بِعدم حاجة روسيا إلى هذه الفئة بعد الآن، اجتمعت كاترين الثانية بِمُستشاريها الذين أيَّدوا رأيها، وأصدروا بيانًا بِضرورة إنهاء استقلال القوزاق والقضاء عليهم، وذلك يوم 7 أيَّار (مايو) 1775م. بناءً على هذا، أُعطيت الأوامر إلى القائد بُطرس تيكلي لِلتقدُّم على رأس قُوَّةٍ عسكريَّةٍ لاحتلال الحصن الرئيسي (حصن السيچ) لِلقوزاق في زاپوروجيا وتسويته بِالأرض، وأُبقي هذا القرار سريًا على العساكر الروسيَّة العائدة من حربها مع العُثمانيين، حيثُ حُرِّك 31 فوجًا منها (65,000 جُندي) مُباشرةً نحو البلاد القوزاقيَّة. وفي يوم 15 أيَّار (مايو)، أعطى گريگوري پوتمكين (الذي كان بدوره قوزاقيًا شرفيًا قبل بضع سنوات) أوامره إلى القائد بُطرس تيكلي بِبدء الهُجوم. بِدوره، كان پوتمكين قد تلقَّى أوامره من الإمبراطورة كاترين لِتصفية القوزاق تمامًا، وهو ما ذكرته بنفسها في بيانها المُوجَّه لِلشعب يوم 8 آب (أغسطس) 1775م:
يوم 5 حُزيران (يونيو) 1775م، قسَّم بُطرس تيكلي قُوَّاته إلى خمسة كتائب وحاصر الحصن الرئيسي لِلقوازق بِالمُشاة والمدفعيَّة. ولم يكن القوزاق قادرين على صد الهُجوم الروسي بعد أن ضعُفت قُدراتهم القتاليَّة بسبب فترة السلام الطويلة نسبيًا التي عاشوها بعد توقُّف الأعمال الحربيَّة مع العُثمانيين، ولمَّا رأوا الروس قد ضربوا الحصار عليهم تأكدوا من أنَّ هؤلاء عازمين على إفنائهم. أرسل القائد الروسي إلى زعيم القوزاق بُطرس كالنيشڤيسكي يُعطيه مهلة ساعتين فقط لِيرُد على البلاغ النهائي لِلإمبراطورة، فإمَّا الطاعة أو الفناء، وفي غُضون ذلك تمكَّن حوالي خمسة آلاف قوزاقي (حوالي 30% من القوزاق الزاپوروجيّون) من الهرب ناحية دلتا الطونة (الدانوب) حيثُ دخلوا في طاعة الدولة العُثمانيَّة. ولمَّا عرف القائد الروسي بِهذا الأمر هاجم من تبقَّى من القوزاق في الحصن ودكَّه دكًا، وقُتل في هذا الهجوم خلقٌ كثير واستسلم آخرون، فنُفي زُعماء القوزاق وكبار قادتهم إلى أماكن مُختلفة، فيما سُمح لِصغار القادة والجُنود بالانضمام إلى وحدتيّ الهوصار والخيَّالة في الجيش الروسي. وبهذا، شرعت روسيا خِلال الفترة المُمتدة بين سنتيّ 1783 و1785م بِتطبيق الإصلاحات الإداريَّة في المناطق التي كان القوزاق يقطنوها.