حرّم الإسلام قبيح الخُلق، وسيء الأفعال، وجعل من أشدّ الأخلاق تحريماً التَّسَبُّبُ في تفريق الناس عن بعضهم، ومن ذلك تحريم الهمز واللمز، اللذان يقصدان بشكل واضح الاستهزاء والسخرية من الناس، وقَد عدّ الله -تعالى- السخرية والاستهزاء من أخلاق المنافقين؛ فهي صفة ملازمة لهم، ولا يليق بمسلم التَخَلُّق بأخلاق المنافقين، قال تعالى: (يَحْذرُ المُنَافِقونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تحْذرُونَ)، فالإسلام قبّح السخرية والاستهزاء؛ لأنهما ينبعان من شعورالمُسْتَهْزِئ بالغرور، والكبر، والاستعلاء على الناس؛ فلا يستشعر استحقاق الناس للاحترام والتوقير، بل إلى التصغير والانتقاص، وقَد حذّر النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذا الداء، وقرن وجوده في قلب المَرْء بسوءِ العاقبة؛ حتى ينفّر منها المسلمين، فقال: (لا يدخلُ الجنَّةَ مَن كان في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ من كِبرٍ. قال رجلٌ: إنَّ الرَّجلَ يحبُّ أن يكونَ ثوبُه حسنًا ونعلُه حسنةً. قال: إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمالَ. الكِبرُ بَطرُ الحقِّ وغمطُ النَّاسِ)، وللسخرية أنواعٌ وأشكال عدّة، منها:
- الاستهزاء بالله تعالى، وهي أقبح أنواع السخرية، وأعظمها حرمةً، فالله -تعالى- واحد أحد، خالق واجدٌ، لا يشبهه أحد، حاز صفات الكمال والجلال، فإذا كفر بوجود الله -تعالى- كافر، واعتقد أنّه ما من إلهٍ خلق هذه السماوات والأرض، كان هذا استهزاءً به سبحانه، وإذا أنكر امرؤٌ صفاته -سبحانه- فجعل له شريكاً يُعبَد من دونه، كان هذا استهزاءً وكفراً به. ومن الاستهزاء كذلك وصف الله -سبحانه- بما لا يليق من الصفات، ومثال ذلك ما ذكره الله -تعالى- في كتابه العزيز، حيث قال: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)، ومن الاستهزاء بالله تعالى، الاستهزاء بالقرآن الكريم، والطعن في آياته، وأحكامها ووصفها بالنقص والعجز، وهذا كله من الاستهزاء به سبحانه.
- الاستهزاء بالأنبياء والرسل، وهذه عادة الظالمين في كَلّ قومٍ أُرسل إليهم نبيٌّ من عند الله سبحانه، أن يكْفروا به ويكذّبوه، ويستهزؤوا به، ويصفوه بصفاتٍ لا تليق بمقام النبوة والرسالة، وهو أشرف خلق الله، اصطفاه عليهم ليبلغهم رسالاته. فقوم نوح استهزؤوا بنبيهم عندما رأوه يبني السفينة في الصحراء، وكذلك قوم هود، وقوم صالح ولوط عليهم السلام، وحتى النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- لم يسلم من استهزاء الكفار، قال تعالى: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا*إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا)،
- الاستهزاء بعموم الناس، ومن ذلك الاستهزاء بأهل الدين والعمل الصالح، وبعضهم يَسْتَهْزِئُ بخِلْقَة الناس، وأشكالهم، وصورهم، مع علمهم بأنّ الله -تعالى- هو من صورهم على هذه الهيئة، وهناك من يَسْتَهْزِئ بالمقصّرين من المسلمين، ويَتَأَلَّى على الله -تعالى- أنه لن تُقبل توبته، أو عودته عن معاصيه، وهي من أكبر الذنوب عنده سبحانه؛ فهذا تطاول على حكم الله ومشيئته، وأيضاً لا يجوز لمسلمٍ أن يُقَنِّط أخاه من رحمة الله، وتوبته عليه؛ ففي الحديث الصحيح: (أنَّ رجلًا قال: واللهِ! لا يغفِرُ اللهُ لفلانٍ. وإنَّ اللهَ تعالَى قال: من ذا الَّذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفرَ لفلانٍ. فإنِّي قد غفرتُ لفلانٍ، وأحبطتُ عملَك). فبدلاً من أن يَسْتَهْزِئ المسلم بأخيه المقصر، عليه أن ينصحه ويوجّهه إلى فعل الصواب، وأن يحذَر مما حذّر منه النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قال: (بحسبِ امرئٍ منَ الشَّرِّ أن يحقِرَ أخاهُ المُسلمَ)، أي يكفيه من الشر أن يحتقِر أخاه المسلم، وفي ذلك إشارة واضحة إلى قُبح الاحتقار والاستهزاء، وسوءِ عاقبة ذلك الفعل عند الله -تعالى- وعند رسوله صلى الله عليه وسلم.
Source: mawdoo3.com