If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
وصف أحمد بن يوسف مغادرته لبجاية على طريقة كرامات شيوخ الصوفية فقال : «ثم رجعت لبجاية فرأيت حلقة عظيمة و الناس مجتمعون، فقصدتهم، فإذا بشيخ لابس عباءة عاري الرأس و هو في وسط الحلقة يذكر الله يقال له سيدي قاسم البسكري نفعني الله ببركاته آمين، فقال لي : ادخل الخلوة و لا تردّ ما يعطاك و اذهب لأهلك في رأس الماء، و لم يعلم أحد من تلك الحلقة لمن يقول ذلك، لأني كنت لا يعرفني أحد ثم ذهبت كما أمرني سيدي أبو القاسم فدخلت الخلوة إلى الليل، أتاني رجل بحفنة دراهم و ناولنيها من بين الحائط و الباب و ذهب.»
عاد أحمد بن يوسف إلى قريته رأس الماء الواقعة قرب وادي فرقوق بين قلعة بني راشد و معسكر، و بنى نوالة أي كوخا من الأخشاب وظل كذلك لا يعرفه أحد. ثم بدأ يتردد على سوق مدينة معسكر يصلي بالناس ويلقي المواعظ وينشر الطريقة الزروقية وظهر أمره وأعجب الناس به وكثر أتباعه. عارضه في بداية أمره بعض الفقهاء ووصفوا دعوته بالبدعية، مثل عمرو بن أحمد المشرفي التراري، الذي غير رأيه به بعد ذلك وزوجه ابنته. كما قام آخرون، مثل الشيخ عبد الرحمن القلامي وعثمان بن عمر، بمناظرته وامتحانه، فأعجزهم واعترفوا له بالعلم. و بعد ان اشتهر وكثر أتباعه بدأ بالدعوة إلى طريقته الخاصة التي تستمد تعاليمها من الزروقية. قام أحمد بن يوسف بعد وفاة أبيه بالرحيل من قرية راس الماء إلى مدينة القلعة و كانت إحدى الحواضر المهمة بالمنطقة، حيث أسس زاويته التي قال عنها «زاويتنا كسفينة نوح من دخلها أمن من الخوف». و رغم تزايد أعداد مريديه وأتباعه إلا أنه لقي معارضة كبيرة من نخبة الفقهاء والعلماء لمدينة القلعة.
يعتبر أبو عبد الله الصباغ القلعي أول من ترجم لأحمد بن يوسف في كتابه " بستان الأزهار في مناقب زمزم الأبرار ومعدن الأنوار سيدي أحمد بن يوسف الرّاشدي النسب والدّار"، و رغم أن المؤلف لا يكاد يفصل في كتابه بين التاريخ والوقائع و الحكايات والأساطير، إلا أنه يمثل المصدر الرئيسي للتراجم والدراسات التي تناولت حياة أحمد بن يوسف وسيرته الدينية وطريقته الصوفية، و التي كانت كثيرة من بعده، يقول أبو القاسم سعد الله : «و لعل أحمد بن يوسف الملياني هو أكبر شخصية صوفية خصها المؤلفون بالتقاييد و التآليف و الأشعار. فأنت لا تكاد تجد عملا في التصوف لا يشير إلى ترجمة الملياني و حياته الروحية.». و يعد كتاب بستان الأزهار مصدر معظم أخبار أحمد بن يوسف وأقواله، مثل قوله بأن الله أعطاه علم الظاهر و الباطن و أنه نائب عن رسول الله ، قد أحيى به الله طريق التحقيق. و أعطاه كرامات عديدة، مثل الشفاعة في من التقى به وأكل و شرب معه يوم القيامة، و أن من رآه لا تأكله النار إلى عشرة، و أنه خرج سالما من النار التي أمر السلطان بإلقاءه فيها بتلمسان، و إغاثته لمن يستغيث به من مريديه، مثل رجل أراد قطع وادي مينا وهو في حالة فيضان فاستنجد بالشيخ فأتت به الملائكة وووضعته قنطرة يمر عليها الرجل إلى الضفة الأخرى، واستيقظ مبلل الثياب وأخبر زوجته سْتّي بأنه أحس بحوافر الدابة في ظهره. و يبدو أن سياق كرامات أحمد بن يوسف في أغلبها يتناسق مع كرامات مشاهير و أقطاب الصوفية من قبله مثل إبراهيم الخواص و أبو مدين شعيب و أبي العباس السبتي و أبي الحسن الشاذلي و عبد الرحمن الثعالبي و أحمد زروق. و قد سمى أتباعه من مريديه و تلاميذه "بالفقراء"، و كانوا يظهرون له مظاهر الاحترام والتبجيل و الوفاء وكانت له سلطة عظيمة عليهم، إلى درجة القبول بالتضحية بأنفسهم في ما يعرف بقصة المذابيح لإرضاءه، و كانوا يرافقونه بعد تأزم علاقاته مع السلطة الزيانية، وتنقله بزاويته في نواحي بني راشد وسهول الشلف
كان لأحمد بن يوسف أنصار من فقهاء إقليم بني راشد، و قد ذكر ابن الصباغ القلعي أن الإمام السنوسي (1426-1490) قال لمن كان يغتاب أحمد بن يوسف :«تتقول في سلسلة الذهب سيدي أحمد بن يوسف .» مع أن هذا القول مستبعد لأن السنوسي توفي سنة 1490 قبل اشتهار أمر أحمد بن يوسف و كان له أنصار من الوجهاء والاعيان كذلك. و كان له أعداء أيضا مثل بعض متصوفي وفقهاء المنطقة كالشيخ علي الندرومي والشيخ قدار و بعض أصحاب السلطة والتجار، و أعيان بعض القبائل وشيوخها مثل سميان المناصري، الذي كان من زعماء بني مناصر، و كان أيضا فقيها وحذره من الاتصال بقبيلة بني فرح وهو الذي دعا عليه بالإقبار في "زُوبية" (قمامة) اليهود.