If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كانت أسواق عكاظ ومجنّة وذي المجاز -إلى جانب كونها أسواقًا للعرب في الجاهلية- مناطق مقدّسة كأماكن للحج، أو محطات للحجيج قبل الإسلام، بحيث يمكن قدوم الأفراد والجماعات إليها بأمان دون مضايقات لممارسة عمليات البيع والشراء، وردّ الديون، ووضع حد للخلافات.
ولما كانت هذه الأسواق مواسم للحج، كحال عرفة ومنى، فإن قريشًا وغيرها من العرب كانوا يحجّون إليها، ويقولون: «لا تحضروا سوق عكاظ ومجنّة وذي المجاز إلا محرمين بالحج»، فتساوت هذه الأسواق في نظر المحرمين من العرب، وتمتّعت منهم بالاحترام، وكان لها أثر بارز في الدين، إذ أنّ المناسك كلها تقوم بإمامة قريش أهل الحرم، وهو الأمر الذي أدّى إلى الوحدة في المعتقدات، والطقوس والعادات، وكان الدافع الأكبر لقصدها وكثرة قاصديها وانتشار أخبارها هو انعقادها في الأشهر الحرم، التي تكفل الأمن لزوّارها.
وعقب ظهور الإسلام كَرِه المسلمون القدوم على متاجر الناس في الجاهلية، ورأوا أن التجارة في المواسم تكسبهم إثمًا، فنزل قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ .
وكان النبي محمد قد استثمر فرصة إقامة هذه الأسواق للقاء وفود العرب وزعمائهم من أجل عرض رسالته ووحي ربه بدلًا من انتظار وصولهم، وفي ذلك دليل على مبادرته ورغبته وصدق دعوته وتحمّله مشاق العمل والجهد في سبيل نشر الإسلام. وظل النبي عشر سنوات يدعو إلى الإسلام جهرًا ويتجوّل في أسواق الحج الموسمية، يتتبّع الحاج في منازلهم ويقول: «من يؤويني وينصرني حتى أبلّغ رسالات ربي وله الجنة» فلا يجد من ينصره أو يجيبه، حتَّى إنه ليسأل عن القبائل ومنازلها ويؤم كل قبيلة منها ويقصد شريفها ويدعوه بالحكمة والموعظة لإفراد الله بالعبادة وفعل الخير، لكنّه كان يجد الصد.
ويتّضح من ذلك أن سوق مجنّة شهد نشاطًا دينيًا وتلاقحًا فكريًا في عصري الجاهلية والإسلام، بيد أنه في ظل الدعوة الإسلامية وظهورها على يد النبي وماجاءت به من أحكام وعقائد وأخلاق تعارض بعض عادات العرب وقوانينهم وأخلاقهم السيئة، ولم تكن البيئة الفاسدة لهذه الأسواق مهيّأة وموافقة لقبول الدين الحق ونصرته.