If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
اتَّضَحَتِ العَلاقَة بَيْنَ أبي عَبْد الله البَرِيْدِي وَابْنِ رَائِق مِنْ خِلالِ اقْنَاعِ أبي عَبْد الله لابْنِ رَائِق تَوَلِّي إمَارَة البَصْرَة سَنَة 322 هـ / 933 م، وَبَسْطِ نُفُوذِهِ عَلى الأحْوَاز. وَبَعْدَ أنْ شَعَر ابنُ رَائِق بتَعَاظُمِ قُوَة البَريْدِي وَجَيْشِه أرْسَلُ لهُ يُفَاوِضُه، وَعِنْدَ تَقَلُّدِ ابنِ رَائِق مَنْصِبَ أمِيْر الأُمَرَاء سَنَة 326 هـ / 937 م، تَوَجَّهَ إلى بَغْدَاد تَارِكًا البَصْرَة وَالأحْوَاز لابْنِ البَرِيْدِي وكان ذلك سنة 325 هـ / 937 م، وَمَا لَبثَتْ أنْ سَاءَتْ العَلاقَة بَيْنَهُمَا لتَأخيْرِ ابنِ البَرِيْدِي إرْسَال أمْوَال الخَرَاجِ إلى ابْنِ رَائِق، مَا اسْتَدْعَى الأخيْر إلى عَزْلِ ابنِ البَريْدِي عَنْ الأحْوَاز. وَمِنْ ثُمَّ اتَّفَقَ الطَرَفَانِ عَلى عًقْدِ ضَمَانِ الأحْوَاز إلى البَرِيْدِي، لكِنَّ الأمُوْرَ لمْ تَسِر عَلى النَحْوِ المَطْلوبِ، وَامْتَنَعَ البَرِيْدِي مُجَدَّدًا عَنْ إرْسَالِ الأمْوَالِ إلى ابْنِ رَائِق فَضْلًا عَنْ إلقَائِهِ خُطْبًة فِي أهْلِ البَصْرَة سَرَدَ فِيْهَا اسْتِيَائَهُ مِنْ تَجَاوُزَاتِ ابْنِ رَائِق، إضَافَةً إلى إيْوَائِهِ بَعْضَ الجُنْدِ مِمَّنْ كَانُوا تَحْتَ لِوَاءِ ابْنِ رَائِق وَأَرَادُوا اغْتِيَالَه. وَدَخَلَ ابْنُ رَائِق حِينَئِذٍ فِي حَرْبٍ مَعَ البَرِيْدِي مُتَوَعِّدًا إيَّاهُ فَأَنْفَذَ رَسُولًا إلى البَرِيْدِيّ برِسَالَةٍ قَسَّمَهَا بَيْنَ تَرْغِيْبٍ وَتَرْهِيْب وَوَعَدٍ وَوَعِيْد، وَقُوْبِلَ ذَلِكَ بالرَّفْضِ مِنْ ابْنِ البَرِيْدِي لسببين، أَوَلًا لِكَوْنِ عَامِلِ ابْنِ الرَّائِق الأسْبَقْ عَلى البَصْرَةِ واسمُهُ مُحَمّد بنُ يَزْدَاد، كَانَ قد أَسَاءَ مُعَامَلَة أهْلِهَا، وَثَانِيًا خِشْيَةً مِنْ أطْمَاعِ القَرَامِطَة فِي بَسْطِ نُفُوذِهِم عَلى البَصْرَة فِي حَالِ غَادَرَهَا البَرِيْدِي. وَاشْتَعَلَتْ بَيْنَهُمَا حُرُوبٌ عَدِيْدَة، انْتَهَتْ بهَزيْمَة ابنِ رَائِق، وَبَسْطِ سَيْطَرَةِ البَرِيْدِي عَلى الأحْوَاز إضَافَةً إلى وَاسِط سَنَة 326 هـ / 938 م. وَكَانَ مِنْ نَصِّ جَوَابِ البَريْدِيّ إلى ابنِ رَائِقْ:
وَقَدْ كَانَ أهْلُ البَصْرَة فِي نِهَايَة الاسْتيحَاش مِنْ ابنِ رَائِق وَمُحَمّد بنُ يَزْدَاد، فَإنَّ مُحَمّد بنُ يَزْدَاد سَارَ بهِمْ سِيْرَةً سَدُوْم وَظَلَمَهُم فِي مُعَامَلاتِهِم ظُلْمًا مُفْرِطًا وَسَامَهَمُ الخسْف وَكَانُوا قَدْ اعْتَادُوا العِزّ وَقَدَّرُوا بالبَرِيْدِي خَيْرًا ثًمَّ رَأَوْا مِنْهُ وَمِنْ أَخَوَيْهِ مَا وَدُّوا أنَّهُمْ أَكَلُوا الخُرْشُفَ وَالخَرْنُوب وَصَبَرُوا عَلى مُحَمَّد بنِ رِائِق وَمُحَمَّد بنِ يَزْدَاد وَمُعَامَلَتِه.
وَمِنْ ثُم قَرَّرَ ابْنُ رَائِق الدُّخُوْلَ فِي حَرْبٍ مَعَ البَريْدِيّينْ ثَانِيَةً، وَأَعَدَّ جَيْشًا وَانْتَزَعَ مِنْهُم وَاسِط فَهَرَبُوْا إلى البَصْرَة، وَتَصَالَحَ الطَّرَفَانِ عَلَى أَنْ يُرْسِلَ البَرِيْدِيّ أمْوَالَ ضَمَانِ وَاسِط إلى ابْنِ رَائِق، وَغَادَرَ ابنُ رَائِق إلى بَغْدَاد. ثم اسْتُوْحَشَ ابنُ رَائِق مِنْ هَذَا الاتِّفَاقِ لاحِقَا، فَكَاتَبَ أبَا عَبْدِ الله البَرِيْدِي وَاسْتَوْزَرَهُ سَنَةَ 330 هـ / 942 م خِشْيَةَ أنْ يَتَوَجَّهَ البَرِيْدِيّ إلى بَغْدَادْ، وَمَا لَبِثَ أنْ أزَالَ اسْمَهُ عَنْ الوِزَارَة بَعْدَ وُرُودِ أَخْبَارٍ عَنْ عَزْمِ البَرِيْدِيّ عَلَى الإصْعَادِ إلى بَغْدَاد. وَمِنْ ثُمَّ قَرَّرَ ابنُ البَرِيْدِيّ التَّوَجُهَ إلى بَغْدَاد فَأَرْسَلَ جَيْشًا بقِيَادَة أَخِيْهِ أبَي الحَسَن البَرِيْدِي فَتَحَصَّنَ ابْنُ رَائِق فِي قَصْرِ الخِلافَة، وَتَدَهْوَرَتِ الأَوْضَاعُ فِي بَغْدَادَ وَانْتَشَرَ السَّلْبُ وَالنَّهْب، وَلَمْ يَسْتَطِعْ ابنُ رَائِق مُقَاوَمَةَ جَيْشِ البَرِيْدِيّ فَهَرَبَ مِنْ بَغْدَادَ إلى المَوْصِلِ، وَدَخَلَ جَيْشُ البَرِيْدِي بَغْدَاد وَبَسَطَ سَيْطَرَتَهُ عَلَى قَصْرِ الخِلافَةِ. وَقُتِل ابْنُ رَائِق عَلى يَدِ الحَمَدَانِيِّينَ فِي المَوْصِل.
لَمْ تَكُن العَلاقَةُ بَيْنَ الإِمَارَةِ البَرِيْدِيَّة وَأَبُو الحُسَيْن بَجْكَمْ حَسَنَةً، فَلَمَّا تَقَلُّدِ بَجْكَم الأحْوَاز عام 326 هـ / 937 م، سَيَّرَ ابْنُ رَائِق بَجْكَم وَمَعَهُ «بَدْر الخرشني» فِي جَيْشٍ لِمُلاقَاةِ البَرِيْدِي، الذي أَخْرَجَ غُلامَهُ مُحَمَدًا المَعْرُوْفِ بأَبيْ جَعْفَر الجَّمَّال فِي عَشَرَةِ آَلافِ رَجُلٍ بأَتَمِّ آلَةٍ وَأَكْمَلِ سِلاحْ. وَدَارَتْ بَيْنَهُمَا حَرْبٌ بظَاهِر السُّوسِ وَمَعَ بَجْكَمْ مَائَتَانِ وَتِسْعُونَ غُلامًا مِنَ التُّركْ، وَانْهَزَمَ البَرِيْدِيُّون وَقَالَ بَجْكَمْ:«إنَّمَا بَادَرْتُ وَحَمَلْتُ عَلَى نَفْسِيْ مَا حَمَلْتْ وَلاقَيْتُ هَذِهِ العُدَّة العَظِيْمَة بهَذِهِ العُدَّةِ اليَسِيْرَة لِئَلَّا يُشْرِكَنِي بَدل فِي الفَتْح» وَعَادَ أبُو جَعْفَر الجَّمَّال إلى أبي عَبْدِ الله البَرِيْدِيّ فَصَفَعَهُ وَقَال: «انْهَزَمْتَ مَعَ عَشَرَةِ آلافٍ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ ثَلاثِمَائَةِ غُلامْ» فقال له الجَّمَّال:«أَنْتَ ظَنَنْتَ أنَّكَ تُحَارِبُ يَاقُوْتًا المُدْبِر وَجَيْشَهُ المَدَابِيْر. قَدْ وَالله جَاءَكَ مِنْ لتِّ بَجْكَمَ وَالأَتْرَاك خِلافُ مَا عَهِدَّتَ مِنْ سودان بَابِ عُمَان وَالمولّدين»، فَقَامَ إليْهِ فَلَكَمَهُ بيَدِه ثُمَّ قَال لَهُ:«قَدْ أَنْفَذْتُ أبَا الخَلِيْلِ الدَيْلَمِي وَمَنْ مَعِي مِنَ العَجَمِ وَمَنْ كَانَ يَخْلُّفُ بالأَهْوَازِ فِي ثَلاثَة آلافِ رَجُلٍ إلى تستر فَانْفُذِ السَّاعَةَ مَعَ مَنْ صَحِبَكَ إليْهَا حَتَّى تَجْتَمِعَ مَعَهُمْ وَتُعَاوِدَ الحَرب» فَرَدَّ عَلَيْهِ:«افْعَلْ وَسَنَعُوْدُ إلَيْكَ هَذِهَ الكَرَّةَ بأَخْزَى مِنَ الكَرَّةِ الأُوْلَى لأَنَّ هَيْبَةَ بَجْكَم قَدْ تَمَكَّنَتْ فِي نُفُوسِ أَهْلِ العَسْكَر» وَبَيْنَ صَدٍّ وَرَدْ، انْتَهَتِ الوَقْعَةُ وَدَخَلَ بَجْكَمْ الأَحْوَاز وَمَلَكَ عَلَيْهَا، وَهَرَبَ أبُو عَبْدِ الله إلى البَصْرَة.
وَتَحَسَّنَتِ الحَالُ بَيْنَ البَرِيْدِيّ وَبَجْكَم بَعْدَ أَنْ صَالَحَ بَيْنَهُمَا أبُو جَعْفَر بنُ شِيْرْزَادْ عَام 326 هـ / 938 م، وَاسْتَوْزَرَ الخَلِيْفَة الرَّاضِي بالله أبَا عَبْدِ الله البَرِيْدِيّ، وَبَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَ بَجْكَم مِنْ ابْنَةِ أبيْ عَبْد الله البَرِيْدِيّ «سارة» سنة 329 هـ / 940 م
تَحَصَّل كُوْرنَكِيْج بنُ الفَارَاضِيّ الدَيْلَمِي «كُورْتَكِيْن الدَيْلَمِي» عَلى الإمَارَة عام 329 هـ / 941 م، وَكَانَ قَبْلَهَا أَحَدُ قَادَةِ البَرِيْدِيِّيْنَ الذين دَخَلوا بَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَنَةِ، وَاتَّضَحَت عَلاقَتُهُ بالبَرِيْدِيِّيْن مِنْ خِلالِ التَّمَرُّدِ عَلَيْه مِنْ قِبَلِ الجُّنُودِ التُّرْكِ فِي الجَيْشِ البَرِيْدِيّ فِي بَغْدَاد، بَعْدَ أَنْ قَرَّبَ إليْهِ جُنْدَ الدَيْلَمِ وَاسْتَبْعَدَ الجُّنْدَ التُّرْك، وَمِنْ خِلالِ التَّآمُرِ عَلى طَرْدِ البَرِيْدِيِّيْنَ مِنْ بَغْدَادَ أيْضًا. فَنَشَبَتْ حَرْبٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ فِي الجَّانِبِ الغَرْبيّ مِنْ بَغْدَاد وَهَرَبَ أبُو عَبْدِ الله البَرِيْدِي مَعَ جَيْشِهِ بَعْدَ أَنْ أَحْرِقُوْا دَاْرَهُ. وَكَانَ مِنْ نَتَاجِ هُرُوْبِ البَرِيْدِيِّ وَتَوَلِّي كورنكيج للإمَارَة تَدَهْوُر أحْوَالِ بَغْدَاد، لِمَا قَامَ بهِ الدَّيْلَمُ مِنْ تَعَدٍ عَلى أمْلاَكِ العَامَّة وَنَهْبِهمْ الأمْوَال. وَمِنْ ثُمَّ أَرْسَلَ كورنكيج جَيْشًا عَلَى رَأْسِهِ «أصبهان الديلمي» إلى وَاسِط لِمُحَارَبَةِ البَرِيْدِيِّين، فَلَمَّا سَمِعُوْا بانْحِدَارِ الدَّيْلَمِيّ إليْهِمْ، انْحَدَرَ البَرِيْدِيُّونَ إلى البَصْرَة.
كَانَتْ إِمَارَة كورنكيج حَوَالَي ثَلاثَةٍ وَأَرْبَعِيْنَ يومًا، انْتَهَتْ بالقَبْضِ عَلَيْهِ وَتَسْلِيْمِهِ إلى دَارِ الخِلافَة، وَعِنْدَمَا دَخَلَ البَرِيْدِيُّوْنَ بَغْدَادَ عَام 330 هـ / 942 م أخَذُوْا كورنكيج مِنْ مَحْبَسِهِ، وَأَنْفَذُوهُ إلى أبي عَبْدِ الله البَرِيْدِيّ فِي وَاسِطْ فَكَانَ آَخِرَ العَهْدِ به.
بَعْدَ أَنْ هَرَبَ سَيْفُ الدَّوْلَة «عَلي بنُ حَمْدَان» مِنْ وَاسِط، أَرْسَلَ البَرِيْدِيَُ إلى توزون يَطْلُبُ مِنْهُ ضَمَانَ وَاسِط، فَرَدَّهُ الأخِيْرُ رَدًا جَمِيْلًا وَلَمْ يَفْعَل، وَقَالْ: «إذا اسْتَقَرََت الأُمُورُ تَخَاطَبْنَا فِي الضَّمَانِ، فَأَمَّا وَأَنَا بصُوْرَتِي هَذِهِ وَأَنْتَ تَظُنُّ أَنِّي مَطْلُوبٌ خَائِفٌ مِنْ بَنِي حَمْدَان فَلا، وَعَسْكَرِي عَسْكَرُ بَجْكَمَ الذي قَدْ جَرَّبْتَ وَخَبِرْت، وَطَائِفَةٌ مِنْهُم تَفِي بكْ.» وَلَمَّا سَارَ توزون إلى بَغْدَاد عام 331 هـ / 943 م، اغْتَنَمَ البَرِيْدِيّ بُعْدَ توزون مِنْ وَاسِط فَوَافَاهَا لثَلاثِ سِنِيْنَ، فَنَهَبَ وَأَحْرَقَ وَاحْتَوَى عَلى الغَلَّاتِ وَأَخَذَ جَمِيْعَهَا. وَكَانَ «كيغلغ» الذي اسْتَخْلَفَهُ توزون بوَاسِط عَاجزًا عَنْ قِتَالِ البَرِيْدِيِّينَ وَهَرَبَ إلى بَغْدَاد. وَبَعْدَهَا أَقَامَ تُوْزُون عَقْدَ وَاسِط عَلى البَرِيْدِيّ وَتَحَسَّنَتْ عَلاقَةُ توزون مَعَ أَبي عَبْدِ الله البَرِيْدِيِّ، بمُصَاهَرَةِ الأخِيْرِ لَه.