If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
شكَّل أهلُ السُنَّة والجماعة الأغلبيَّة الساحقة من أهالي الدولة المملوكيَّة. ومن المعروف أنَّ سلاطين الأيُّوبيين كانوا قد مكَّنوا أهل السُنَّة في مصر والشَّام بعد زوال الدولة الفاطميَّة التي كانت تتخذ من المذهب الشيعي الاسماعيلي مذهبًا رسميًّا لها، فأنشأوا المدارس في طول البلاد وعرضها التي كانت تُدرِّس العُلُوم الشرعيَّة الإسلاميَّة المُختلفة على مذهب الشافعي. ولمَّا سقطت الدولة الأيُّوبيَّة وحلَّت الدولة المملوكيَّة بدلًا منها، تابع المماليك سياسة الأيوبيين في تثبيت مذاهب أهل السُنَّة والجماعة في مصر والشَّام، لكنهم جعلوا المذاهب الأربعة كُلُها: الحنفيَّة والمالكيَّة والشافعيَّة والحنبليَّة، مذاهبًا رسميَّةً لِلدولة، كما أُسلف. ويذهب بعض الباحثين إلى القول بِأنَّ من أسباب إصرار المماليك، وبِالأخص البحريَّة منهم، على تثبيت مذاهب أهل السُنَّة والجماعة وتمكينهم في البلاد، هو أنَّ المذهب السُنيّ كان الشيء الوحيد الذي يربط بين هؤلاء وعامَّة الشعب، لا سيَّما وأنَّ الشعب بقي ينظر - خِلال الفترة الأولى لِلعصر المملوكي خُصوصًا - إلى المماليك من زاوية أصلهم غير الحُر، فكانوا بِرأي العامَّة مُجرَّد مُقاتلين أشدَّاء انقلبوا على أسيادهم الأيوبيين واستولوا على مُلكهم، وهم لا يُحسنون لِغة الشعب العربيَّة، ولا يعيشون عيشته، بل عاشوا مُنعزلين في الأماكن التي خصصها السلاطينُ لسكنهم دون أن يكونوا على دراية بِمُجريات الحياة اليوميَّة. لِذلك، انصبَّ تركيز سلاطين المماليك البحريَّة الأوائل على إبراز ما يجمع عامَّة الشعب والجيش والأُمراء والسلاطين، وهو المذهب السُني. من أبرز ما قام به المماليك لِتثبيت مذاهب أهل السُنَّة والجماعة في الدولة كان إعادة افتتاح الجامع الأزهر وترميمه وتجديده، بعد أن ظلَّ مُقفلًا لِحوالي مائة سنة زمن الأيُّوبيين باعتباره مُؤسسة بناها الفاطميين لِنشر المذهب الإسماعيلي. ففي سنة 1266م أمر الظاهر بيبرس بِإعادة تأسيس الصلاة في الأزهر، وبِعودة رواتب الطُلَّاب والمُعلِّمين، فضلًا عن إصلاح البناء ذاته. وقام السلاطين المماليك اللاحقين بِعدَّة توسيعات وتجديدات على البُنية التحتيَّة لِلمسجد، وقُدِّمت على نطاقٍ واسعٍ مُستويات مُتفاوتة من المُساعدة الماليَّة، على حدٍ سواء إلى المدرسة وإلى صيانة المسجد. فاعتُبر عصر السلطنة المملوكيَّة، هو العصر الذهبي لِلأزهر. كذلك بذل المماليك جُهُودًا مُماثلة في الشَّام، فقد أمر الظاهر بيبرس بِتجديد الجامع الأُموي الكبير فأُصلحت صفائح الرُّخام وطُليت تيجانها بِالذهب وبُلِّط الجدار الشمالي لِلحرم وأُصلحت لوحات الفُسيفساء في الرواق الغربي، كذلك اعتنى «تنكيز» نائب السلطنة بِدمشق بِالمسجد، فاستبدل كُل البلاط في قاعة الصلاة بِالرُّخام وأُعيد تجميع لوحات الفُسيفساء على جدار القِبلة، وفي عهد السُلطان الناصر مُحمَّد بن قلاوون هُدمت قِبلة الجدار غير المُستقرَّة وأُعيد بناءها، ونُقلت بوَّابة باب زيادة إلى جهة الجامع الشرقيَّة.
شاع التصوُّف والطُرق الصوفيَّة السُنيَّة في مُختلف أنحاء البلاد خِلال العصر المملوكي، ومن أشهر الطُرق التي شاعت في مصر والشَّام آنذاك الطريقة الشاذليَّة، بِالإضافة إلى الطريقتين الرفاعيَّة والبدويَّة (الأحمديَّة)، واقتصرت بعض الطُرُق على مصر فقط مثل الطريقة الدُسُوقيَّة. لكن يُلاحظ أنَّهُ في هذا العصر تحوَّل التصوُّف إلى مُجرَّد ترديد لِعقائد السابقين ووضع الشُرُوح عليها وتطبيق تعاليمهم، فلم تقع ابتكارات جديدة في هذا المجال كما في العُصُور العبَّاسيَّة الأولى، فانصرف هم المُتصوفة المملوكيين إلى إنشاء الطُرُق الصُوفيَّة وتفرُّعها بِحسب شهرة الشيخ وكثرة أتباعه، فتفرَّعت الطريقة الشاذليَّة والبدويَّة والسطوحيَّة وغيرها إلى عدَّة طُرق تفرَّعت بِدورها، وهكذا. ويُلاحظ أنَّ التصوُّف سيطر على العصر المملوكي سيطرةً كبيرة بحيثُ أنَّ بعض السلاطين كانوا يعتقدون بِكرامات بعض مشايخ الصوفيَّة ويُقرِّبونهم إليهم، فالظاهر بيبرس تقرَّب من الشيخ خضر بن أبي بكر المهراني العدوي، وسمح بِنُموِّ وازدياد نُفُوذه بِالدولة لاعتقاده بِولايته وفي معرفته لِلغيب، رُغم ما نُسب إليه من انحلالٍ أخلاقيّ، وكان برقوق - رُغم حنكته السياسيَّة - يخضع لِلمجاذيب، حتَّى أنَّ أحدهم وهو الشيخ مُحمَّد بن عبد الله الزهوري العجمي كان يبصق في وجهه، وعندما افتتح مدرسته الجامعة أعطاه مجذوب طوبة وأمره أن يضعها في المدرسة، فوضعها برقوق في قنديل وعلَّقهُ في المحراب، وظلَّت فيه باقية. ومن القصص الشبيهة أيضًا أنَّ الشيخ إبراهيم الدسوقي طلب من السُلطان الأشرف صلاح الدين خليل أن يترك نصف جزيرة الرحمانيَّة المُواجهة لِمدينة دسوق لِلفُقراء يُنفقون منها على مصالحهم، فوافق. فبشَّرهُ الشيخ بِالنصر على الصليبيين في عكَّا. وقال المُتصوِّفة إن بعد رُجُوع السُلطان من عكَّا مُنتصرًا، أصبح يُكاتب الدسوقي، ويبدأ رسالاته بعبارة «مملُوكك خليل».
رُغم أنَّ المماليك التزموا بِما تقضيه الشريعة الإسلاميَّة، وما أقرَّتهُ العهدة العُمريَّة من ترك أهل الكتاب أحراراً في دينهم، إلَّا أنَّ العهد المملوكي يُعتبر -إجمالاً- عهداً بائساً عند النصارى المشرقيين فيما يخص علاقتهم بِالحُكُومة، وخُصوصاً خِلال عهد المماليك البحريَّة، ومردُّ ذلك للحُرُوب الصليبيَّة التي كان من آثارها تردِّي العلاقة بين الدولة والمسيحيين، وخُصوصاً مع الطوائف التي مالت إلى الصليبيين وتعاونت معهم فأدت بالتالي لتردي الثقة بينها وبين الحكم. ويظهر أنَّ سلاطين المماليك رغبوا في الظُهور بِمظهر حُماة الدين لِدعم مركزهم في نظر المُسلمين. ولكن لايُفهم من ذلك أنَّ دور المسيحيين انكفأ ذلك العصر، بل شارك النصارى في الحياة العامَّة بِالدولة، وكان منهم العُلماءُ والإداريون وكِبارُ المُوظفين، واستمرَّت المودَّة قائمةً بين عوامهم وعوام المُسلمين، لكنَّ الدولة كانت تنظر إليهم أحياناً بِعين الريبة، على أن اضطهاداتِهم لم تكُ سمةً بارزةً في عصر المماليك بل كانت بشكل زوابعَ تظهر بين حينٍ وآخر. شكَّلت الدولة المملوكيَّة موطن الكثير من الطوائف المسيحيَّة كان في مُقدمتها؛ الأقباط والروم والسُريان والموارنة والنساطرة إضافةً إلى طوائفَ مسيحيَّةٍ مهاجرةٍ من الخارج مثل الكرجيُّون والأحباش والأرمن واللاتين واختارت هذه الأقليَّات المهاجرة الإقامة في المُدن التجاريَّة والثُغُور، ولِكُلِّ جاليةٍ منها قُنصلٌ يُشرفُ على شُؤونها ومصالحها. بدأ المماليك يستعملون الأقباط في دواوينهم بِكثرةٍ خِلال سلطنة قُطُز [ما يدل على أن اضهاد النصارى لم يك سياسةً ملنزَمةً لدى السلطة]، يذكر بهذا الشأن الوزير القبطي «شرفُ الدين أبو سعيد هبةُ الله»، الذي عيَّنهُ السُلطان أيبك، والذي كان أظهر براعةً في التشريع الضريبي لِجمع أكبر كمٍّ من الأموال باسم "قانون الحُقُوق السُلطانيَّة" الذي حصلت الدولة به على مالٍ كثير. وفي عهد الظاهر بيبرس أُقيل جميع الأقباط ممن كانوا يعملون في ديوان الحرب [الأرجح احترازاً من تسريب معلوماتٍ عن عدد الفرق العسكرية وأماكنها وتحركاتها] وأُحِلَّ مُسلمُون محلَّهم، وفي يوم تنفيذ هذا القرار هُدم دير الخندق الكائن خارج القاهرة بِالقُرب من باب الفُتُوح ولم يُترك فيه حجر على حجر، كما زيدت عليهم الضرائب. أمَّا في عهد قلاوون فقد عُدل عن التزيُّد في الضرائب على الأقباط وعادت المُساواة بينهم وبين المُسلمين في ذلك وأُعيدوا إلى وظائفهم، لكن بعد فترةٍ عاد هذا السُلطان إلى التشديد عليهم، فأمر بِرُكُوبهم الحمير وشد الزنانير وألَّا يُحدِّث نصراني مُسلماً وهو راكبٌ دابته، ولايلبسون ثياباً مصقولة.
وفي الشَّام شدَّد المماليك الخناق على الموارنة بِالذات من بين سائر الطوائف المسيحيَّة، وذلك لعلاقة أُمرائهم ومُقدَّميهم الوثيقة بِالقوى الصليبيَّة في أوروپَّا وقبرص، وبِسبب اتّباع الكنيسة المارونيَّة لِلبابويَّة الكاثوليكيَّة مُحرِّكةِ الحملات الصليبيَّة ضدَّ ديار الإسلام. وعندما حاصر المماليك طرابُلس لاسترجاعها من الصليبيين، أيام المنصور قلاوون، تصدَّى لهم موارنة شمال لُبنان، فهاجم الجيش المملوكي جبَّة بشرِّي، وحاصر قرية إهدن مقر الكُرسي البطريركي وأسقطها، ثمّ اعتقل وقتل البطريرك دانيال الثاني الحدشيتي (حبريته 78-1282). وبعد جلاء الصليبيين عن المشرق بقي البابوات الكاثوليك على اتصالٍ دائمٍ بِبطاركة الموارنة لِأسبابٍ دينيَّةٍ وأُخرى سياسيَّةٍ وعسكريَّةٍ ممَّا أثار خشية سلاطين المماليك في القاهرة وعُمَّالهم في طرابُلس الشَّام، وأغضب السُلطة المركزيَّة على زعامات الطائفة المارونيَّة الدينيَّة والسياسيَّة، وأفضى إلى عاصفة اضطهادٍ ضدَّهم. يذكر الأب فرانسيسكو سوريانو -رئيس دير الفرنسيسكان في بيروت ومُعتمَد البابا لدى الموارنة- أنَّهُ في أيَّامه (النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلاديّ) حاولت البُندُقيَّة شراء مدينة صور من السُلطان المملوكي لكن مسعاها فشل. وكان البابا خطط لإقامة قاعدةٍ صليبيَّةٍ شرعيَّةٍ في المشرق تقوم على غير الاحتلال بعد فشل الأساليب العسكريَّة في تحقيق الأهداف الصليبيَّة، ومنها تنطلق حملةٌ جديدةٌ ضدَّ المُسلمين لِلسيطرة على الأراضي المُقدَّسة، فأرسل سنة 1438م رسالةً إلى البطريرك الماروني يُوحنَّا الثامن الجاجي (حبريته 04-1445) يُعلمه فيها أنه قرَّر عقد مجمعٍ لاتحاد الكنائس، فسارع البطريرك لِتقديم الطاعة والإعراب عن القبول بِكُل ما يُحدده ويُقرِّره المجمع وطلبَ درعَ التثبيتِ البطريركي، فثبَّتهُ البابا بطريركاً على كُرسي أنطاكية وأنعم عليه بِدرع الرئاسة. وحضر ممثلون عن البطريرك مجمع فلورنسا الرابع عام 1439، ومن الطبيعي أنَّ المماليك كانوا يَرْقبون علاقات البطاركة الموارنة الخارجية واتصالاتهم بِالبابويَّة إذ لم يلبثِ السُلطانُ سيفُ الدين جقمق أن أرسل -بعد هذه الحادثة- كتاب براءةٍ إلى بطريرك الطوائف الملكانيَّة يُنبّهه ألَّا يُقابلَ الأجانبَ وألَّا يستضيفهم لاسيَّما إذا كانوا من الأجانب المُشتبه بهم أو المُنتمين لِرعايا مملكةٍ أوروپيَّةٍ مُعادية، وألَّا يُراسل حاكماً أو ملكاً في أوروپَّا. ويبدو أنَّ بعض مُقدَّمي الموارنة في بشرِّي كانوا على غير وفاقٍ مع البطاركة في تصرُّفاتهم وعلاقاتهم غير العاديَّة مع روميَّة (روما) ممَّا أزعج البطاركة وسبَّب انقساماً في الرأي بين الموارنة حول العلاقات السياسيَّة مع كلٍّ من المماليك وأوروپَّا فقد كانت الصُعُوبات والمُضايقات تكتنفهم بسبب السياسة العدائية للحُكَّام الإفرنج في قبرص حيال دولة المماليك، وكان فريق معارضي البطاركة يرى أنَّ مصالح الموارنة واستقرارهم آمنين مُطمئنين هي في اتباع نهج أجدادهم مع دُول الخِلافة السابقة القائم على الاعتراف بِسيادة الدولة عليهم وعلى أراضيهم طالما أنَّ الدولة ضمنت لهم حُريَّة العبادة والعقيدة وكافَّة المصالح الاقتصاديَّة والحياتيَّة الأُخرى.
كان لمحاولات استرداد بيت المقدس التي لم تتوقف بخروج الصليبيين من الشام بالغ الأثر على سياسة دولة المماليك وانعكس ذلك بالطبع على الموارنة والمسيحيين عموماً. كان الملك اللاتيني من آل لوزينيان يعدّ نفسه وريثاً لعرش بيت المقدس (احتلَّ ريتشارد قلب الأسد قبرص في طريقه إلى عكا في الحملة الصليبيَّة الثالثة، وباعها لفرسان الداويَّة فعجزوا عن إيفاء ثمنها، فباعها سنة 1192م لغي دي لوزينيان -ملكِ بيتِ المقدسِ المطرودِ منها على يد صلاح الدين- وبذا تأسست الأسرة المالكة في قبرص) وهو يُتوّج في الأفقسيَّة أولاً كملكٍ لقبرص، وثانيةً في اللمسون أقربِ مدينةٍ قبرصيةٍ إلى فلسطين بصفته ملكاً على بيت المقدس في احتفاليةٍ ترمز لعدم التخلي عن ضم الأراضي المقدسة. وقام بطرس الأول اللوزينياني بجولةٍ أوروپيَّةٍ لِحشد الدعم والمتطوعة وجمع التبرعات لحملةٍ صليبيةٍ على مصر، تلك التي انتهت بغزو الإسكندريَّة من 6 إلى 10 تشرين الأول (أكتوبر) 1365م (وكانت المرة الوحيدة في التاريخ التي يُغير فيها حاكمٌ قبرصي على مصر) محدثةً دماراً لم تشهدْه المدينة طيلة تاريخها، وتركتها في خمسة أيامٍ خراباً يباباً مادياً وبشرياً، وبلغ من دويّها أن ثار مسلمو غرناطة وهاجموا المدن القشتالية حميّةً. خلّفت هذه السياسة أسوأ الأثر على علاقات دولة المماليك الخارجية تجاه أوروپَّا، والداخليَّة حيال المسيحيين، وعندما تولى الأشرف برسباي الظاهري (حكم825-842هـ/22-1438م) بادر لثلاثِ سنينَ متواليةٍ لإرسال ثلاث حملاتٍ لاحتلال قبرص انتهت بالاستيلاء عليها (829هـ/1426م) وفرض الجزية عليها، ولم يك ذلك لقوة نظامها الحاكم وخطورة شأنه في حينه بقدر ما كان لمنع سقوطها بيد البنادقة اللاتين الذين مافتؤوا يتدخلون في الصراع على العرش والذين أفلحت محاولاتهم أخيراً في شراء المملكة من آخر ملكةٍ في أسرة لوزينيان (فترة الاحتلال البندقي 1489-1571). لقد كان الأمر قضية توازناتٍ دوليةٍ، واحترازاً من أن يعود للأوروپيين موطئ قدمٍ ثانيةً في المشرق، وبالمثل كانت العلاقات مع أوروپَّا السبب الرئيس لأن يشوب علاقة السلطنة مع مملكة قيليقية الأرمنيَّة دوماً التوجس والريبة وعدم الثقة.
أمَّا اليهود فكانوا أقليَّةً يشتغلون في مُختلف الأعمال لاسيَّما التجارة، واتساع ثروة مصر وتجارتها ذلك العصر جذبت كثيراً من يهود القُسطنطينيَّة وبغداد ودمشق وغيرها حتَّى صار لِليهود نفوذٌ كبيرٌ على النشاط المصرفي والأعمال الماليَّة، وقد احتفظ اليهود في مصر بِمعابدهم وعوائدهم ونُظُمهم الموروثة. انقسم اليهود في مصر والشَّام خِلال العصر المملوكي إلى ثلاث فرقٍ: الربَّانيُّون والقرَّاؤون والسَّامرة، وسكنوا في المُدن داخل أحياءٍ خاصَّةٍ بهم مثل حارة اليهود التي اشتهرت بهم في بيت المقدس، وكذلك في حلب وخاصةً في الشمال منها، وكان لِليهود مناطقُ خاصَّةٌ بهم في طرابُلس وحماة، واحتوت دمشق على طائفةٍ يهوديَّةٍ كان لها حيُّها ورئيسُها الخاص. ويُلحظ أنَّ أعداد اليهود في مصر والشَّام ازدادت خِلال القرن العاشر الهجري بِسبب سُقُوط الأندلُس وتعرُّض أهلها من المُسلمين واليهود إلى اضطهاد محاكم التفتيش الكاثوليكيَّة، فهرب الكثير منهم ناجياً بِحياته والتجأ إلى مصر والشَّام طلباً لِلأمان، كما يُلاحظ أنَّ اليهود زاد نفوذهم في الدولة المملوكيَّة ووصل بعض رجالاتهم إلى مراكزَ متقدمةٍ في مصر، فقد ذكر الرحَّالة اليهودي «ميشولام» أنَّ مُترجم السُلطان المملوكي كان يهوديّاً من أصلٍ أندلُسيٍّ، وكان يُجيد سبع لُغاتٍ هي العربيَّة والإيطاليَّة والتُركيَّة والألمانيَّة والإفرنسيَّة إلى جانب العبرانيَّة. [ويدل هذا أن الأمر عائدٌ بالدرجة الأولى إلى سياسة البابوية والدول الأوروبية المعادية لليهود، في حين أن علاقات هذه بالموارنة قد أساءت إليهم من حيث التوجسُ منهم وعدمُ الميلِ لاستخدامهم في الوظائف العامة].
كانت سلسلة جبال لُبنان الغربيَّة تُشكِّلُ ملجأً لِمُختلف الفرق الإسلاميَّة والطوائف المسيحيَّة في العصر المملوكي، كما استوطن هؤلاء بعض المناطق المُجاورة لِجبال لُبنان في سهل البقاع وجبل عامل وسهل عكَّار وجبال اللاذقيَّة وريف حِمص. فقد انتشر الدُرُوز من وادي التَّيم إلى جبل لُبنان، والشُّوف خاصةً، واختلف النُصيريُّون مع الدُرُوز، فتركوا وادي التَّيم وسكنوا في عكَّار ثُمَّ امتدوا شمالًا حتَّى اللاذقيَّة، حيثُ استوطنوا الجبال المُشرفة عليها التي عُرفت مُنذ ذلك الحين بِـ«جِبال النُصيريَّة». وأقامت بقايا الشيعة الإسماعيليَّة في بعض القلاع الكائنة على أطراف جبل لُبنان الشمالي ثُمَّ انتقلوا منها واتجهوا شرقًا والتحقوا بِإخوانهم في بلدة سلميَّة قُرب حِمص، وهي الموطن الرئيسي لِلإسماعيليَّة في الشَّام مُنذ أيَّام السلاجقة. وأقام الشيعة الاثنا عشريَّة في كسروان وفي السُفُوح والمُدن العامليَّة. اتخذ المماليك موقفًا سلبيًّا من الفرق الإسلاميَّة غير السُنيَّة، وقال بعض المُؤرخين أنَّ السبب وراء ذلك كان الموقف الذي اتخذته هذه الفرق من الصليبيين والمغول، ولأنها حالفتهم ووالتهم ضدَّ الدولة المملوكيَّة وعُموم أهل السُنَّة، فيما قال آخرون أنَّ اضطهاد المماليك لِتلك الفرق نابع فقط من تعصُّبهم لِمذاهب أهل السُنَّة ولِسيطرة وُعَّاظ السلاطين على عُقول الأُمراء، ويتفق الطرفان على أنَّ هُجُوم المماليك على هذه الفرق كان بِفتوى شيخ الإسلام آنذاك ابن تيمية، كما يتفقان على أنَّ بعض الجماعات من تلك الفرق والت المماليك وتعاونت معهم ضدَّ المغول والصليبيين، فأقرَّهم السلاطين في أراضيهم وخلعوا عليهم ألقاب الإمارة والمُقدَّميَّة. فمن جهة، يُشيرُ برنارد لويس إلى أنَّ الحشيشيَّة الإسماعيليَّة كانوا على صلةٍ وثيقةٍ بِالصليبيين يتآمرون على أهل السُنَّة، ولا يتركون فُرصةً تلوح لِلانتقام منهم إلا اهتبلوها، فوجَّهوُا كُل عمليَّاتهم ومُؤامراتهم ضدَّ قادة الجبهة الإسلاميَّة ضد الصليبيين والمُؤسسات السُنيَّة في الشَّام، وأنهم لم يُقاتلوا الاثنا عشريَّة أو الشيعة الآخرين، ولم يُديروا سكاكينهم ضد النصارى أو اليهود المحليين، بل كان جُل هُجومهم على قادة أهل السُنَّة. وعندما هاجم الصليبيُّون مصر بِقيادة لويس التاسع، سعى الأخير إلى عقد اتفاقيَّات مع الباطنيَّة الإسماعيليَّة من ناحية ومع المغول من ناحيةٍ أُخرى حتى يتحقق لهُ بِهذا التحالف نوع من التوازن بين الصليبيين من جهة والمماليك والأيُّوبيين من جهة ثانية. وقد جامل شيخ الجبل – زعيم الحشاشين في الشَّام - لويس التاسع وأرسل لهُ الهدايا.
وأشار المُؤرخون أنَّهُ في أثناء تقهقر فُلُول عساكر المماليك إلى مصر على أثر هزيمتهم في وقعة وادي الخزندار أمام المغول، واحتلال المغول دمشق، تعرَّضوا لِسُوء المُعاملة والسَّلب والنهب على أيدي الكسروانيين وسُكَّان منطقة جزِّين من الشيعة، وأنَّ الكسروانيين أمسكوا ببعض العساكر الهاربين وباعوهم لِلإفرنج. وبعد أن رحل المغول عن الشَّام، واستتب الأمر للمماليك، جرَّدوا حملة كبيرة على بلاد كسروان سنة 699هـ المُوافقة لِسنة 1300م واستولوا عليها، وأُرغم سُكَّانُها على دفع ضرائب باهظة، وأُخذت منهم أراضيهم ومُمتلكاتهم وأُقطعت لِلتنوخيين الدُرُوز جزاءً لهم على حُسن استضافتهم لِلقُوَّات المملوكيَّة المهزومة أمام جحافل المغول. وفي سنة 705هـ المُوافقة لِسنة 1305م، نهضت حملة مملوكيَّة جديدة إلى كسروان لِقتال الشيعة بعد أن عادوا إلى مُناوأة المماليك والتمرُّد عليهم، فسار إليهم نائب السلطنة في دمشق الأمير جمال الدين آقوش الأفرم على رأس جيشٍ عظيم، فقاتلهم وأخرجهم من كسروان، بناءً على فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي اعتبر أنَّ قتال الشيعة والنُصيريَّة أولى من قتال الصليبيين والمغول لأنَّهم «عدُّوٌ في ديار الإسلام، وشرُّ بقائهم أضر». نتيجة تلك الحملات، نزح الشيعة إلى جزِّين في جبل عامل، وفي تلك البلاد اتبعوا مبدأ التقيَّة وتظاهروا باعتناق المذهب الشافعي. وقد أصبحت جزِّين مركزًا هامًّا لِلتجمُّع الشيعي المُتستِّر بِالشافعيَّة خِلال القرن الرابع عشر الميلاديّ، وفيها حاول الشيعة مُقاومة المماليك مُجددًا لكنَّ حركتهم فشلت مرَّة أُخرى، ولم يلبث أن اعتنق شيعة بيروت والسَّاحل اللُبناني المذهب السُني، وذابوا في النسيج الإسلامي السُني القائم في تلك البلاد، وانصرف شيعة جبل عامل إلى الاهتمام بِبلادهم الجديدة لا سيَّما بعد أن ظهر فيها النظام الإقطاعي. أمَّا الدُرُوز فتذكر بعض المصادر أنهم حالفوا المماليك وخضعوا لهم بِطيب خاطر، فثبَّت السلاطين أُمرائهم في إقطاعاتهم وخلعوا عليهم، وأنهم شاركوا المماليك في حرب الصليبيين وحملوا معهم على كسروان ضدَّ أهلها من الشيعة، وأنهم استضافوا العساكر المملوكيَّة المُنسحبة من أمام المغول بعد معركة وادي الخزندار وأحسنوا إليهم، فقابلهم هؤلاء بأن اعترفوا بسُلطتهم على منطقة الغرب في جبل لُبنان المُشرفة على بيروت، وعلى بيروت ذاتها، وعلى ما بين أيديهم من مُقاطعات في المتن والشوف. بينما تنص مصادر أُخرى على أنَّ حملة كسروان كانت موجهة كذلك ضدَّ الدُرُوز «سُكَّان جبال كسروان»، على أنَّهُ لا يرد أي ذكر لِسُكَّانٍ دُرُوزٍ في كسروان في تاريخ صالح بن يحيى التنُّوخي، وهو المُؤلِّف الموثوق الذي كتب بِإسهابٍ عن حملات المماليك على كسروان.