If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
يعتقد البعض من المؤرخين أمثال متي موسى أن الرأي القائل بخليقدونية دير مارون قد ظهر خلال القرن السادس عشر على يد تلامذة الجامعة المارونيّة في روما، تحديدًا على يد الأسقف جبرائيل القلاعي. وسعى كثيرون من البحاثة، إثبات ذلك الرأي، من خلال تفنيد المراسلات التي تثبت خليقدونيته المبكرة، لكن قسمًا آخر من البحاثة، أبدوا تأييدًا للرأي الكنسي التقليدي وبدورهم قدّموا عددًا من الوثائق التي تثبت هذه الخليقدونية، أبرزها رسالة رهبان الدير أنفسهم إلى البابا هرمزدا في خريف سنة 517 إثر تعرضهم لكمين على يد ساويريوس بطريرك أنطاكية المناوئ للخليقدونية حينذاك، وردّ البابا على هؤلاء الرهبان برسالة مؤرخة في فبراير 518. وقع من رهبان الدير 350 راهبًا في هذا الكمين، ولم يشكك غالبية المؤرخين بوقوع هذه المجزرة، لكونها قد وقعت في فترة مضطربة من تاريخ الكنيسة، اعتادت خلالها السلطة سواءً أكانت للخليقدونيين أم مناوئيهم استخدام مثل هذه الأساليب؛ وتقيم الكنيسة الكاثوليكية تذكارًا لهؤلاء في 31 يوليو كل عام.
أما عن الأدلة الأخرى التي تثبت خليقدونية دير مارون، هي رسالة رهبان دير مارون إلى مناوئيهم رهبان بيت أرباز حوالي عام 592، وكذلك مراسلات مجمعي سنتيّ 518 و536 في القسطنطينية وهي تشمل عدة رسائل موجهة لبطريرك القسطنطينية مينا والبابا أغابيتس والإمبراطور يوسطيان الأول، وهناك أيضًا المجمع المحلي الذي عقد في سوريا الجنوبية إثر إدانة ساويرس الإنطاكي وعزله عام 518، فالراجح والمتفق عليه، أن الدير أقله حتى القرن السابع، قد ظل خليقدوني المعتقد. ويذكر أن البطريرك ساوريرس لم يدن لارتكابه المجزرة بل أدين لآرائه اللاهوتية المنافية لصيغة خليقدونية، ويذكر أيضًا أنه لدى حرمه العام 518 هرب إلى مصر وأقام هناك، وأدار من منفاه عددًا من الكنائس والأديرة في سوريا وبعض مناطق العراق، البعيدة عن سطوة الإمبراطورية البيزنطية منشأً بذلك الكنيسة السريانية الأرثوذكسية.
إن هذا الانقسام، ساهم في تعزيز موقع دير مارون، كقائد للقسم السرياني من الكنيسة الخليقدونيّة، التي كانت قد اصطبغت أكثر فأكثر بالصبغة اليونانية حتى طغت عليها، وساهم أيضًا في تسريع نشوء الطائفة المارونيّة خلال القرن التالي، وهذه الأحداث تلقي الضوء أيضًا على طبيعة ريادة دير مارون لسائر أديرة سوريا الجنوبية، ففي المراسلات السابق ذكرها، يوقع ممثلو الدير بكونهم اكسرخسًا، أي الرقيب أو الدير المتقدم على سائر الأديار في منطقته، ومن المعروف على ما نقله المؤرخ وبطريرك الإسكندرية الملكي سعيد بن البطريق، أن الامبراطور هرقل شخصيًا زار الدير عام 628 وأقام فيه قبيل إعلانه المونوثيلية، أما عن علاقة ثيودرويطس والدير، فيمكن استقائها من رسالة دير أرباز نفسها، فيصف الرهبان المناوئون خصومهم، بفرع المرارة التي أنبتها ثيودوريطس.
شهدت بداية القرن السابع قد شهدت الحروب البيزنطية الفارسية والتي تمكن من خلالها الفرس من احتلال سوريا الرومانية بين 611 - 615، ناشرين الدمار والنهب حيثما حلّوا، بكل الأحوال فقد تمكن خلال العقد التالي الإمبراطور الجديد هرقل استعادة ما فقدته الإمبراطورية خلال الحرب وإبرام اتفاق سلام عام 628. أراد الإمبراطور إنهاء الخلاف حول مجمع خلقيدونية بإن اجترح صيغة جديدة قائمة على القول بمشيئة واحدة في المسيح، وفي سبيل ترويجها زار دير مارون عام 628 فاستقبله الرهبان بحفاوة بالغة وقبلوا صيغته الجديدة أسوة بسائر الملكيين في أنطاكية وكذلك القسطنطينية وروما، وأقطع هرقل رهبان الدير مساحات واسعة من الأراضي، وخوّلهم إدارة كنائس عديدة في حمص ومنبج ومعرة النعمان وشيزر وغيرها من المناطق الداخلية في سوريا لاسيّما بعد أن رفض أثناسيوس الجمّال وسائر المناوئين لمجمع خلقيدونية صيغة الإمبراطور عام 631؛ ويذكر ميخائيل الكبير نقلاً عن التلمحري أن رهبان بيت مارون لم يقبلوا المجمع الخلقيدوني سوى بعد زيارة الإمبراطور المذكورة، وهي رواية ضعفها العديد من المؤرخين المعاصرين ومنهم أسد رستم: "إن ما نقله ميخائيل الكبير، يشير إلى أنّ قبول الرهبان الحل الذي حمله هرقل أي المجمع الخليقدوني مزيدًا عليه المشيئة الواحدة، وإلا غدا استقبالهم الإمبراطور بحفاوة، ضربًا من المجاملة لا يستحق". وبينما يشير التلمحري إلى وقوع اضطهاد على السريان الأرثوذكس بعد الزيارة الهراقلية المذكورة، فإن سواه من المؤرخين لا يشير إلى وقوع اضطهاد "بجدع أنف ومصادرة أملاك كل من رفض القول بمجمع خلقيدونية والمشيئة الواحدة"، وهو ما دفع أيضًا لاعتبارها رواية ضعيفة، بكل الأحوال فإنّ القرن السابع وما حمله من إدارة رهبان بيت مارون لرعايا واسعة في مناطق مختلفة من سوريا الداخلية، شكّل انعطافًا مهمًا في تشكيل الكنيسة المارونية قبل نشوء بطريركية مارونية مستقلة لاحقًا؛ ويشير بعض المؤرخين أنّ مصطلح موارنة، قد ظهر خلال هذه الفترة متوازيًا مع ظهور مصطلح "ملكيين"، تمييزًا لمتبعي الطقوس البيزنطية عن متبعي الطقوس السريانية ممن والوا مجمع خلقيدونية.
كذلك فقد شهد النصف الأول من القرن السابع الفتح الإسلامي للشام وسقوط سوريا الرومانية بشكل نهائي؛ وتشير مصادر تاريخية متعددة أنّ مسيحيي سوريا سواءً من القبائل العربيّة أو السريان قد رحبّوا بالفتح، وبكل الأحوال فقد مكثت السريانية لغة التخاطب اليومية في غالب الهلال الخصيب حتى نهاية القرن الثاني عشر وعصر الغزوات المغولية، كما قدر باحثون أمثال هنري لامنس وفيليب حتي أعداد المسلمين بختام العصر الأموي بما لا يتجاوز 12% من مجموع سكان الهلال الخصيب. ولا يوجد الكثير من المصادر عن طريقة تجاوب الموارنة مع الفتح، باستثناء ما ذكره ميخائيل الكبير نقلاً عن التلمحري بخصوص مناظرة بين رهبان بيت مارون بوصفهم مؤيدين للمجمع الخلقيدوني ورهبان سريان معارضين للمجمع الخليقدوني بحضور معاوية بن أبي سفيان، استشهد خلاله رهبان بيت مارون بنشيد للقديس أفرام السرياني يذكر فيه "طبعين في المسيح" ما دفع الخليفة لاعتبارهم فائزين في المناظرة، آمرًا بأن يمنح رهبان بيت مارون إدارة مزيد من الكنائس التي كان يديرها معارضي المجمع الخلقيدوني وأن تجبى من الخاسرين ضريبة بعشرين ألف دينار.