العربية  

books its history and stages of development

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

تاريخها ومراحل تطورها (Info)


التاريخ القديم

    من غير المعروف على وجه الدقة تاريخ نشوء اللغة الآرامية يحدد بعض الباحثين الألف السادس قبل الميلاد موعدًا لنشوء اللغة، من العراق، وفق هذه الصيغة فإن جميع الشعوب المتعاقبة على العراق كانت آرامية ومتحدثة باللغة الآرامية وإن كان بلهجات عديدة وأبجديات عديدة، وأشهر هذه الأقوام: البابليون والآشوريون والفينيقيون والكنعانيون. يعتمد بشكل أساسي على الرابط القومي والحضاري لإثبات صحة هذه النظرية؛ التي تفترض أيضًا أبجديات عديدة ليست الكتابة الآرامية العتيقة التي نشأت في الألف الأول قبل الميلاد سوى أحدثها في حين تشكل اللغة الآكادية أقدمها. قبل نشوء الأبجدية المعروفة باسم الأبجدية الآرامية، تفترض النظرية أن الآراميون باختلاف أقوامهم استعملوا أبجديات مختلفة مشتقة من الأبجدية السامية الأم أو الكتابة المسمارية والتي اشتقت عنها الأوغاريتية في الألف الثاني قبل الميلاد. هناك بعض الشهادات القديمة التي تدعم هذا الرأي،(6) غير أنّ هذه النظرية تتعرض لانتقادات من قبل سائر العلماء، فعلى الرغم من إقرار الجميع بالأواصر القومية والثقافية بين الشعوب والإمبراطوريات المتعاقبة في الهلال الخصيب، غير أن هذا لا يبرر أبدًا أن جميعهم قد استخدم الآرامية أو إحدى لهجاتها في تعاملاتهم. فالنظرية الأوفر انتشارًا تحدد الفترة الممتدة بين القرن الرابع عشر قبل الميلاد إلى القرن العاشر قبل الميلاد موعدًا لنشوء اللغة الآرامية متطورة عن اللغات السامية التي كانت منتشرة قبلها في الهلال الخصيب، تعتمد هذه النظرية على كون الأبجدية التي دعيت صراحة باسم الأبجدية الآرامية قد ظهرت خلال الألف الأول قبل الميلاد، وأخذت تنتشر انتشارًا كبيرًا في الهلال الخصيب بحكم الإمبراطوريات المتعاقبة والتي سيطرت على المنطقة بأسرها مستعملة هذه اللغة، وهكذا فإنه بسقوط الإمبراطورية الآشورية في القرن السادس قبل الميلاد كانت اللغة الآرامية قد غدت اللغة السائدة في الهلال الخصيب، ولا يمكن عزو سبب انتشار اللغة الآرامية في الهلال الخصيب لأسباب سياسية وعسكرية فقط، بل أيضًا بحكم القوافل التجارية البرية والبحرية التي سيرها الآراميون، والتي وصلت حتى الهند وتونس. إن هذه النظرية أيضًا، تجعل من الأقوام التي سبقت الألف الأول قبل الميلاد غير آرامية ومتكلمين بلغات خاصة بهم، رغم اعترافها بالرابط القومي والحضاري لهذه الأقوام التي تعاقبت في الهلال الخصيب عمومًا.

    لكن كلا الفريقين، يشير إلى أهمية اللغة الآرامية، في نشوء اللغة العبرية، خصوصًا في أعقاب سبي اليهود إلى العراق، بل إن أجزاءً من التناخ أو العهد القديم قد كتبت بهذه اللغة خصوصًا سفري عزرا ودانيال، كما أنها اللغة الغالبة في التلمود. أما فيما يخص اللغة العربية فإن الباحثين يتفقون حول استمرارية الاتصال بين اللغتين بحكم العلاقات التجارية بين الهلال الخصيب وشبه الجزيرة العربية بيد أنهم يختلفون في تحديد الأقدم، المطران إقليمس داوود يجعل من اللغة العربية أقدم من اللغة الآرامية، غير أن عدد آخر من الباحثين يجعلون اللغة العربية لاحقة لهذه اللغة، وما يدعم هذا الرأي الاكتشافات الحديثة والتي تثبت أن الخط المعروف باسم خط المسند قد ظهر في القرن السادس قبل الميلاد ومن المعروف أن الخط المسند هو أقدم أشكال الأبجديات العربية، وإن اختلف بشكل كبير عن الأبجدية العربية اليوم، في حين نشأت الأبجدية الآرامية قبل الخط المسند بحوالي الأربع قرون. هناك من يشير أنّ عرب شبه الجزيرة قد استعملوا الأبجدية النبطية وهي منحدرة من الآرامية بشكل مباشر.

    اشتقاق السريانية

    خلال القرن الرابع قبل الميلاد كانت الآرامية قد باتت اللغة الرسمية الوحيدة، في المنطقة الممتدة من أرمينيا وتركيا شمالاً إلى الأردن وسيناء جنوبًا ومن البحر الأبيض المتوسط حتى بعض مناطق إيران الغربية اليوم، وقد تعاقبت عدة حضارات هامة من المؤكد أنها استعملت اللغة الآرامية وقامت بتطويرها، أمثال تدمر والأنباط والمندائيون بل واليهود أيضًا. فقد تميزت الآرامية بالتطور الدائم وفي القرنين التاليين بات من الممكن التمييز بين لهجتين آراميتين كبيرتين هما الشرقية وقد انتشرت في العراق والغربية وقد انتشرت في بلاد الشام، فكان ذلك التميز الخطوة الأولى نحو ظهور اللغة السريانية. ساهم احتلال الإسكندر المقدوني لسوريا في تطور اللغة وانفتاحها على اللغة اليونانية، لكنه فشل في إحلالها مكان الآرامية. عقب سقوط إمبراطورية الإسكندر المقدوني تقسمت سوريا إلى عدد من الدويلات والممالك الصغيرة كان أحدها مملكة الرها والتي غدت بحكم ازدهار التجارة فيها مركزًا ثقافيًا ودينيًا هامًا. اللغة السريانية نشأت وتطورت في مملكة الرها، وانطلاقًا من اللهجة الشرقية التي كانت سائدة في العراق إذ إن اللهجة الغربية أي لهجتي تدمر والأنباط وسواهما قد انقرضا بسقوط ممالكهم، ومنذ القرن الثالث، وسميت إثر ذلك لهجة الرها باللهجة الغربية.

    أقدم الوثائق المتوافرة اليوم والتي تشير بشكل واضح إلى مصطلح سريانية يعود لعام 132، أغلب الوثائق القديمة تتعلق بالمسيحية لكن هناك عدة وثائق تتعلق بالديانات الوثنية التي كانت سائدة في الرها، فعلى الرغم من أن تسمية "سريانية" لم تنتشر إلا اقترانًا بالدين المسيحي، إلا أنها تعود لفترة ما قبل أنتشار الدين في غالبية سوريا وبالتالي يمكن تصنيفها في الحقبة الوثنية. هناك من يفسر سبب شح الوثائق السريانية المتعلقة بالوثنية حتى اليوم، بأن السريان عند اعتناقهم المسيحية قد أتلفوا جميع المؤلفات التي تمجد الأوثان أو تتغنى بها، وعكف أدباؤهم على إنشاء تراث مسيحي جديد للغة. ويوجد اليوم العديد من الوثائق التي تعود للفترة الممتدة بين القرن الثاني والقرن الخامس، والتي استخدمت السريانية، أمثال بضعة ترانيم مسيحية ومؤلفات لاهوتية أحدها يحدد في القرن الثالث وهو رسالة موجهة من الفيلسوف اللاهوتي بولس السمساطي إلى ابنه. يمكن القول في ضوء ذلك، أن اللغة السريانية، اشتقت من الآرامية، خلال القرن الأول أو القرن الثاني الميلاديين، وأنها رغم اعتمادها في مملكة الرها غير أنّ أصولها تعود إلى العراق، ولم تتطور هذه اللغة وتنتشر، إلا في القرن الرابع، حيث ظهرت العديد من المدارس والمؤلفات الشعرية لصقلها وصقل مفرداتها ونحت تعابير جديدة، فكانت بالتالي السريانية التجديد الملائم للغة الآرامية، ويعتبرها عدد كبير من الباحثين، لكثرة المؤلفات الكنسية التي وضعت بها، اللغة الثالثة في المسيحية بعد اليونانية واللاتينية. غير أنه خلال تلك الفترة، وفي بعض مناطق الساحل الشامي، كأنطاكية واللاذقية وبيروت وفي المدن الهامة أيضًا كدمشق والقدس أخذت اللغة اليونانية تحل مكان اللغة السريانية، بحكم وقوع تلك المناطق تحت سيطرة الإمبراطورية البيزنطية، والتي حاولت فرض ثقافتها ولغتها على الهلال الخصيب، غير أن هذا المحاولات كانت في الغالب محدودة، ولم تشمل المناطق الواسعة في الداخل.

    تطور اللغة وعصرها الذهبي: مدرستا الرها ونصيبين

    تعتبر الفترة بين القرن الرابع والقرن السادس الفترة الذهبية للغة السريانية، إذ تميزت تلك الحقبة بوفرة الإنتاج الأدبي والعلمي وبروز عدد كبير من الأعلام خصوصًا في مجالي الأدب والشعر والفلك. أحد رواد تطور اللغة هو القديس أفرام السرياني المتوفى عام 373، الذي أسس مدرسة نصيبين لتعليم اللغة، وألف ستة مجلدات كاملة باللغة السريانية تحوي على أشعار من تأليفه، كما قام بتأليف مقطوعات موسيقية وجوقة خاصة لأدائها، مطورًا بذلك الموسيقى المشرقية، فلقب ”تاج الأمة السريانية“. ولا تزال مؤلفاته ترنم حتى اليوم في مختلف الكنائس التي تتبع الطقس السرياني، هناك العديد ممن يشير إلى أن مؤلفات أفرام السرياني وقبله الشاعر برديصان هما خير دليل على النضوج الأدبي الذي تميزت به السريانية في القرن الرابع. لم تكن مدرسة الرها التي أسسها القديس أفرام السرياني سوى فاتحة تأسيس عدد كبير من المدارس السريانية في القرن الرابع والخامس، وقد بلغ عددها في العراق وحده حوالي خمسين مدرسة، وقد اشتهر من المدارس التي علمت السريانية وصقلتها بنوع خاص، مدارس الرها ونصيبين وجنديسابور وقنسرين. المدارس السريانية والتي درست بشكل أساسي اللاهوت والفلسفة اهتمت أيضًا بعلوم الطب والفلك والرياضيات والطبيعيات والتاريخ والآداب وغيرها. عدد من الباحثين يشيرون بنوع خاص إلى تطور الفيزياء في اللغة السريانية. وخلال تلك الفترة أيضًا شارك السريان بقوة في المجامع المسكونية المتتالية والمماحكات اللاهوتية المصاحبة لها، واشتهرت مدرسة أنطاكية اللاهوتية، والتي اتصفت ومدرسة الإسكندرية اللاهوتية بكونها أشهر المدارس اللاهوتية في العهود القديمة. شهدت تلك الفترة العديد من المؤلفات الدينية السريانية التي طبعت التاريخ المسيحي حتى اليوم، منها إنجيلا البشيطتا الذي يعود إلى القرن الثاني والدياسطرون الذي حاول خلاله تاتيانوس السوري الجمع بين الأناجيل الأربعة في إنجيل واحد، ليكون أول ترجمة سريانية للعهد الجديد، وقد ترجم إلى أربع لغات، غير أن هذه الصيغة من الأناجيل لم ترق للكنيسة الرسمية، لذلك سعى آباء الكنيسة السريان إلى وضع ترجمة أخرى وفق صيغة الأناجيل الأربعة المتعارف عليها اليوم، فظهرت الترجمة المعروفة باسم "بشيطتا ܦܫܝܛܬܐ" والتي تعني في العربية "البسيطة"، ذلك بسبب استخدام مصطلحات شائعة بدلاً من نحو اللغة المعقد. هناك العديد من الترجمات الأخرى التي تمت للكتاب المقدس باللغة السريانية، غير أنها لم تصل إلى مرتبة الترجمة البسيطة من حيث الانتشار في بلاد الشام والعراق، بعضها مباشرة من اللغة العبرية خصوصًا أسفار العهد القديم والبعض الآخر من اللغة اليونانية، يشير الباحثون أن بعض حاخامات اليهود قاموا بإجراء ترجمات للعهد القديم بالسريانية. هناك العديد من المؤلفات الأخرى باللغة السريانية في مجالات مختلفة، لم يصل سوى القليل منها بسبب الحروب والكوارث الطبيعية التي حاقت بالمنطقة عبر التاريخ.

    إن السريانية أيضًا، خلال عصرها الذهبي، وبنتيجة انطلاق السريان نحو الشرق مبشرين بالمسيحية وبنتيجة العلاقات التجارية الهامة مع الصين ومنغوليا فقد انتشرت اللغة السريانية في مناطق مختلفة من آسيا وتأسس عدد كبير من الأبرشيات السريانية في التيبيت وبكين ومنشوريا، سوى ذلك فهناك عدد من المكتشفات السريانية في اليابان، ما يدل على نشاط واسع للسريان في نقل ديانتهم وثقافتهم اتجاه الشعوب الأخرى، يعود لتلاميذ القديس يعقوب الرهاوي، بنوع خاص أمور التبشير في تلك الأصقاع. وقد ظلت اللغة السريانية والمسيحية السريانية منتشرة في الشرق الأقصى حتى إثر اندثار العلاقة بين الهلال الخصيب وبينها، ولم تدمر إلا خلال القرون الوسطى خلال حملات جنكيز خان وتيمورلنك وبشكل غير مباشر لحملات التبشير اللاتينية التي قادها يسوعيون تجاه تلك المناطق بدءًا من القرن السادس عشر. يشمل الانتشار السرياني في آسيا، إيران أيضًا، إذ قد أسست كنيسة المشرق الآشورية ستة أسقفيات فيها، وبشكل عام فإن عدد أسقفيات كنيسة المشرق الآشورية بلغت أربعين أسقفية ضمنها أبرشيات آسيا المختلفة. لا تزال مجموعات صغيرة، من السريان والناطقين بالسريانية في كوريا الجنوبية واليابان حتى اليوم.

    في الهند كان الوضع مختلفًا، إذ ينسب التقليد الكنسي أن القديس توما أحد التلاميذ الاثني عشر قام بتأسيس كنيسة كيرالا في الهند ورسم أساقفة فيها ضمن أوساط يهودية اعتنقت المسيحية. خلال القرن الثاني زاد أخذ النشاط السرياني بالازدياد، وساهم في توسعه انتقال عائلات سريانية للاستقرار في الهند. ظلت السريانية في الهند منتشرة حتى يومنا هذا ويبلغ عدد الناطقين بها كلغة طقوس، أكثر من ستة ملايين نسمة، منقسمين إلى خمسة طوائف، غير أن أكثرهما انتشارًا التابعين للكنيسة السريانية الأرثوذكسية ويقيم بطريركها في دمشق، وللكنيسة الكاثوليكية ويقيم بطريركها في كيرالا. عدد من الباحثين يشيرون إلى انتشار السريانية أيضًا بشكل محدود في شبه جزيرة سيناء وفي شبه الجزيرة العربية خصوصًا في البحرين.

    الدولة الأموية والدولة العباسية: عصر التراجم

    على الرغم من الازدهار الذي حققته اللغة السريانية خلال الفترة الممتدة بين القرن الرابع إلى القرن السابع غير أنها في الوقت نفسه، عانت من الحروب المتواصلة بين الإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية الفارسية، إضافة إلى تردي الوضع الاقتصادي بنتيجة الحكم البيزنطي الإقطاعي وإرهاق السكان بالضرائب، يضاف إلى ذلك كله، الاضطهادات التي قادتها الإمبراطورية والكنيسة البيزنطية ضد السريان إثر مجمعي أفسس وخلقيدونية.

    في عام 431 قام مجمع أفسس بإدانة نسطور بطريرك القسطنطينية، لقوله بالشخصان المتحدان في المسيح، غير أن أتباعه ومشاييعه ظلوا يشكلون قاعدة شعبية واسعة في مناطق الجزيرة السورية والعراق؛ وفي عام 451 قام مجمع خلقدونية بإدانة صيغة "طبيعتي المسيح بعد اتحادهما باتا طبيعة" ما أفضى بنتيجة اعتناق عدد كبير من السريان لهذه الصيغة، إلى انقسام الكرسي الإنطاكي على نفسه مرة ثالثة عام 518 إثر نفي البطريرك اللاخلقيدوني ساويرس الكبير. الانقسامات والمماحكات اللاهوتية(6) أثرت بشكل سلبي على اللغة السريانية نفسها فظهرت، أوائل القرن السادس، اللهجة والأبجدية الشرقية المنسوبة لشرق نهر الفرات والتي عرفت أيضًا باللهجة النسطورية لانتشارها واعتمادها في كنيسة المشرق الآشورية. حاول عدد من الأباطرة القضاء على الصيغة اللاخليقدونية وشنوا اضطهادات عنيفة على أتباعها، وقام عدد آخر منهم بمحاولة القضاء على الصيغة الخليقدونية(7) وشنوا اضطهادات على أتباعها، وفشل عدد آخر من الأباطرة في التوحيد بين الصيغتين في صيغة واحدة، أبرزهم هرقل الذي اقترح صيغة "المونوثيلية" أي " الطبيعتين المتحدتين في مشيئة" عام 628، وإثر رفض اللاخلقدونيين لهذه الصيغة،(8) أثار الإمبراطور حملة اضطهادات جديدة ضدهم.

    تزامنًا مع هذا الوضع، ظهر الإسلام في شبه الجزيرة العربية، واتجهت جيوشه إلى بلاد الشام، فسانده المسيحيون العرب (المسيحيون العرب عمومًا اتبعوا الطقس السرياني واليوناني) والسريان، كما حصل في معركة اليرموك ومعركة القادسية، أو فتحوا أبواب المدن بذاتها مهللين للفاتحين، لتبدأ إثر ذلك مرحلة جديدة من التفاعل بين الحضارتين العربية والسريانية، ومن ثم بين اللغتين. ففي ظل الدولة الأموية استمرت اللغة السريانية لغة الدواوين والوزارات حتى عهد عبد الملك بن مروان، ولن تنتهي عملية التعريب حتى القرون الوسطى ما يدل على تفاعل حضاري بين اللغتين وليس على إحلال لغة وثقافة مكان أخرى، وسيطر السريان على كثير من قطاعات الدولة الحيوية كبناء الأسطول وجباية الضرائب، ونالوا امتيازات عديدة أخرى. استمر الوضع على حاله، طيلة عهد الدولة الأموية باستثناء فترة قصيرة من الاضطهادات قادها عمر بن عبد العزيز، غير أنه ومع زوال الأمويين وقيام الدولة العباسية بدأت مرحلة أخرى ممثلة بمرحلة الترجمات، إذ كان العرب يجهلون اللغة اليونانية التي دونت بها أغلب المؤلفات العلمية القديمة أمثال أرسطو وأفلاطون وغيرهما، ومع اهتمام الخلفاء خصوصًا هارون الرشيد وابنه المأمون بالعلوم، عهد بعملية الترجمة إلى السريان فكانت الترجمات تتم على مرحلتين، من اليونانية إلى السريانية ومن السريانية إلى العربية. كذلك فقد نقل العرب، الأدب السرياني بكامله إلى لغتهم وقد «اعترف المؤلّفون العرب القدماء، كابن أبي أصيبعة، والقفطي، وابن النديم والبيهقي، وابن جلجل وغيرهم، بقصّة غزو العرب للأدب السريانيّ والمؤلّفات التي ترجمت عن السريانيّة إلى العربيّة في أرجاء الدولة العباسيّة والأندلس»:

    بسبب هذا النشاط، ينحو عدد من الباحثين لاعتبار اللغة السريانية وما رافقها من حركات ترجمات، عنصر أساسي من عناصر خلق ”الحضارة العربية“، عمومًا فإنه خلال عصرهم الذهبي أكرم العباسيون بحفاوة السريان، وقد نقل المؤرخون العرب الأقدمون أن الخليفة المنصور بنى بطريركية كنيسة المشرق الآشورية لدى بنائه بغداد وأشرف على تشييد مدرستين سريانيتين في المدينة، كانوا أساس حركات الترجمة قبل تأسيس بيت الحكمة، ويذكر أيضًا أن أطباء الخلفاء كانوا من السريان وأبرزهم أسرة بختيشوع، لاشتهار العلوم الطبية في مدراسة م، ويرجع لهم دور في نشوء الموسيقى العربية. بنتيجة هذا الانفتاح قام السريان بتعلم اللغة العربية ونقل المؤلفات اللاهوتية والشعرية الكنسية إليها، فأخذت تنتشر بين الرهبان وسائر الإكليروس، ما أدى إلى بداية فقدان ذاتية اللغة وانتشارها كلغة تخاطب في العراق على وجه الخصوص.

    أفـول اللغة

    أصيبت الدولة العباسية بالضعف والقنوط بدءًا من القرن الثامن وظلت على هذه الحالة حتى سقوطها بيد المغول في القرن الثالث عشر، إحدى مظاهر ضعف الدولة تمثل باضطهاد الأقليات الدينية فيها وعلى رأسها المسيحية، ما أثر سلبًا وبشكل مباشر على اللغة السريانية. ضعف الاقتصاد والأوبئة الطبيعية والفوضى السياسية فضلاً عن انقسام الدولة إلى عدد كبير من الدول الشبه مستقلة عن المركز إضافة للحملات الصليبية أدوا إلى انهيار الوضع الاقتصادي، ما أدى إلى اختفاء اهتمام الخلفاء بالعلوم والآداب والتراجم، فكان العامل الثاني في تراجع اللغة السريانية وأفول نجمها. يسع القول أنه بحلول القرن الحادي عشر بدأ الموارنة في سوريا ولبنان باستخدام العربية بدلا من السريانية في تعاملاتهم، هناك دليل ناصع ممثلاً بكتابي «الهدى» و«الفصول العشرة» لمترجمهما ”توما أسقف كفر طاب الماروني“ قرب معرة النعمان، فالكتابان وضعا بالسريانية في القرن العاشر ثم نقلهما الأسقف إلى اللغة العربية، على شكل رسالة موجهة إلى أهل جبيل بناءً على طلب مطرانها، مبررًا ذلك بأن السكان حديثًا باتوا يستعملون اللغة العربية في تعاملاتهم اليومية، بدلاً من السريانية. إحدى المظاهر الأخرى لانتشار العربية بدلاً من السريانية هو ظهور "الخط الكرشوني" أو "الكتابة الكرشونية"، والذي ظل سائدًا حتى القرن الثامن عشر في بعض مناطق لبنان واستعمله البطريرك الماروني اسطفان الدويهي في مؤلفاته. يتمثل الخط الكرشوني بكتابة اللغة العربية بأحرف سريانية، ذلك لأن السريان وإن أتقنوا العربية غير أنهم لم يتقنوا أبجديتها. عمومًا، يمكن القول أنه بحلول القرن الحادي عشر أصبح معظم السريان ملمين بالعربية، غير أنهم احتفظوا باللغة السريانية أيضًا خصوصًا كلغة طقوس، ونادرًا ما لم يوجد سرياني غير ملم وناطق بها. إن المجازر التي ارتكبها المغول خلال اجتياحهم العراق وسوريا في القرن الثالث عشر ساهم في دمار اللغة السريانية واندثار آدابها، ما ساهم أيضًا في تراجع حظوتها لدى السريان أنفسهم، لذلك يحدد عدد من الباحثين، تاريخ الغزوات المغولية موعدًا لانتشار العربية بشكل كبير بين سريان المدن على وجه الخصوص. يمكن القول أنه على الرغم من ذلك، فقد بقيت اللغة حية بفعل عاملان خلال العهد المملوكي والعهد العثماني، يتمثل أولهما بالكنائس المسيحية السريانية التي حافظت على اللغة بين رهبانها وكهنتها، إلى جانب الإبقاء عليها كلغة طقوس، والثاني بانقطاع الصلة بين بعض مناطق الريف والمدن ما ساهم في نشوء مجتمعات قروية منغلقة على نفسها ومحافظة على لغتها وتقاليدها. حتى في المناطق التي انتشرت في العربية بشكل نهائي بين السكان، لم يقتصر التأثير على نشوء "الخط الكرشوني" كمرحلة وسيطة، وإنما طبعت العربية بألفاظ ومصطلحات سريانية لتتشكل بذلك اللهجات الشامية، خصوصًا في سوريا ولبنان.عمومًا فإن البعض، يعيد تأثير السريانية على العربية إلى مرحلة الدولة العباسية، حين دخل عدد من المصطلحات وقواعد الصرف والنحو إلى اللغة العربية الفصحى.

    شهدت المرحلة المبكرة من القرون الوسطى أيضًا تكريس الانفصال بين اللهجتين السريانية الغربية والسريانية الشرقية؛ إذ أنه على الرغم من أن الانقسام يعود للقرن السادس وكانت نصيبين عاصمة فرعه الشرقي بينما الرها عاصمة فرعه الغربي، غير أن القسمة باتت أعمق في أعقاب العهد المملوكي، بما فيها قواعد النحو، إذ تخلت اللهجة الغربية عن الشدة وحصلت تغييرات في طريقة نطق الحركات القصيرة والطويلة، ما أدى ليس فقط إلى ابتعاد هذه اللهجة عن اللهجة الشرقية بل أيضًا عن السريانية الكلاسيكية التي كانت سائدة في مملكة الرها قبلهما.

    شكل القرن التاسع عشر مرحلة انعطاف جديدة بالنسبة للسريانية، يقول المستشرق الفرنسي الأب هنري لامنس أنه خلال زيارته إلى بشري أواخر القرن التاسع عشر، وجد أنها وثلاث قرى مجاورة لا تزال تستخدم السريانية كلغة تخاطب يومية، ويمكن القول أن مناطق الريف حيث انتشر السريان في تركيا وسوريا والعراق كانت تتخاطب بهذه اللغة أيضًا، بيد أن الطوائف المسيحية، حتى غير السريانية في بلاد الشام والتي استعملت السريانية في جزء من طقسياتها، عرّبت أجزاء كبيرة من القداس الإلهي وسائر العبادات. سوى ذلك فقد لعب أبناء الطوائف السريانية خصوصًا في لبنان دورًا رائدًا في النهضة القومية والأدبية العربية، صحيح أنه قد ظهر عدد من الباحثين الذين دعوا وقاموا بمحاولات لإحياء اللغة السريانية وإعادة نشرها، غير أن الوضع العام في سوريا ولبنان كان يميل إلى الانخراط في النهضة العربية وهذا ما حصل فعلاً، وساهمت موجات الهجرة بسبب الفقر وانهيار اقتصاد الدولة العثمانية نحو مصر التي كانت في ظل الخديوي إسماعيل المكان الأكثر انفتاحًا في الدولة العثمانية، وقارتي أمريكا الشمالية والجنوبية في انفتاح متزايد على اللغة العربية، ما عنى بشكل فعلي، التخلي الكامل عن اللغة السريانية.

    غير أن النصف القرن التاسع عشر شهد تطورا ملحوظاً باللغة فانتشرت دور الطباعة بالسريانية ونشطت في ترجمة ونشر كتب ومعاجم باللغة السريانية وخاصة في مدينة أورميا بإيران. وقد جلبت هذه الحركة أسلوباً في الكتابة يعرف بالكثوبونويو (ܟܬܒܢܝܐ، بمعنى المكتوبة) اتسمت بأسلوبها البسيط وقدرتها على "سرينة" الألفاظ الأجنبية. غير أن هذه النهضة لم تدم طويلاً كذلك حيث أدت المجازر الحميدية ومذابح سيفو التي ارتكبتها الدولة العثمانية بحق السريان إلى مقتل العديد من روادها مثل توما أودو وأدي شير، كما تشتت المجتمعات الناطقة بالسريانية. كما شهد النصف الثاني من القرن العشرين تسارع وتيرة الهجرة ما أثر بشكل كبير على تداول اللغة السريانية.

    لا تزال سريانية الكثبونويو تستعمل حتى الوقت الحاضر في الكتابات الأدبية غير الدينية وفي بعض البرامج الثقافية بالقنوات الناطقة بالسريانية. كما تستعمل السريانية التراثية(التقليدية) غالباً في النواحي الدينية والليتورجية. بينما تحوي اللهجات المحكية على عدد كبير من الألفاظ الدخيلة وخاصة من العربية والفارسية.

    Source: wikipedia.org