If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
بُوْلِيْصَةُ التَّأمِيْنِ أو عَقْدُ التَّأمِيْنِ هو عقدٌ يُبرمُ بين المُؤمِّن والمُؤمَّن لهُ، يلتزم بمُقتضاه المُؤمِّن أن يدفع تعويضًا للمُؤمَّن لهُ أو المُستفيد يتمثل في المبلغ المالي المنصوص عليه في عقد التأمين، كما يلتزم المُؤمَّن لهُ في المُقابل بدفع قسط التأمين دفعةً واحدةً أو على أقساطٍ مُنتظمة، في حال تحقق الخطر أو مجموعة الأخطار المنصوص عليها في العقد.
يتميَّز عقد التأمين بخصائص مُتعددة، يُمكن إجمالها في أنَّهُ: عقدٌ رضائيّ يقعُ بتراضي المُتعاقدين، وعقدُ مُعاوضة يحصلُ كُل طرفٍ فيه على مُقابل لِما يُعطيه، وهو عقدٌ احتماليّ لا يعرفُ فيه كُلٌّ من المُتعاقدين أو احدهُما عند إبرامه مقدار ما يأخذه أو يُعطيه من العقد، فيتحدد مدى التزاماته أو منفعته في المُستقبل عند حُدوث أمرٌ غير مُحقق الوقوع أو غير معروف وقت حُصوله؛ وهو عقدٌ مُلزمٌ للجانبين إذ يكون كُلٌ منهما مُلتزمًا تجاه الآخر، وهو عقدٌ زمنيٌّ مُستمر يلعبُ الزمن دورًا رئيسيًّا فيه بحيثُ تكونُ الالتزامات الناشئة عنه أداءات مُتكررة يستمرُّ الوفاء بها مُدَّةً من الزمن، وهو عقدُ إذعان أي ينفرد أحد المُتعاقدين بوضع شُروط التعاقد وتحديد مضمونه بحيثُ لا يكون أمام المُتعاقد الآخر، إذا ما أراد التعاقد، إلَّا أن يقبل هذه الشُروط المُعدَّة سلفًا دون أن يكون له حق مُناقشتها؛ وكذلك يحتمل أن يكون عقد التأمين عقدًا تجاريًّا أو مدنيًّا بالتوقف على صفة أطرافه، وهو عقد حُسن نيَّة شأنهُ في ذلك شأن كُل العُقود القانونيَّة.
يتميَّز عقد التأمين، أو بوليصة التأمين، بِخصائص مُتعددة، يُمكنُ إجمالُها في أنَّهُ عقد رضائي، وهو عقد مُعاوضة، وهو مُلزمٌ للجانبين، وهو عقدٌ احتماليٌّ، وهو من العُقود الزمنيَّة، وهو عقدٌ من عُقود الإذعان، وهو عقدٌ مدنيّ أو تجاريّ بِحسب صفة أطرافه، هذا بالإضافة إلى كونه من عُقود حُسن النيَّة.
بوليصة التأمين أو عقد التأمين عقدٌ رضائيّ، بمعنى أنَّه يجب توافر رضاء الطرفين كي ينعقد العقد ويترتب عليه آثاره القانونيَّة. ولم تتطلَّب الكثير من التشريعات لِإبرام عقد التأمين شكلًا خاصًا يُفرِّغُ فيه رضاء المُتعاقدين، وعلى ذلك يكفي تبادل الإيجاب والقبول لِينعقد العقد دون حاجة إلى إفراغ ذلك في أي شكل. ومع ذلك فليس هُناك ما يمنع من الاتفاق على اشتراط الكتابة لانعقاد العقد، وذلك هو ما يجري عليه العمل حيثُ يشترط المُؤمِّن عادةً أنَّ عقد التأمين لا ينعقد إلَّا بِتوقيع وثيقة التأمين، فيُصبح العقد في هذه الحالة عقدًا شكليًّا بِموجب هذا الشرط وتُصبح وثيقة التأمين ضروريَّة للانعقاد وليس لِمُجرَّد الإثبات. هذا وقد يشترط المُؤمِّن على المُؤمَّن لهُ ألَّا يتم عقد التأمين إلَّا بعد دفع القسط الأوَّل فيُصبح العقد في هذه الحالة من العُقود العينيَّة.
عقدُ التأمين من عُقود المُعاوضة، ومُؤدي ذلك أنَّ كُلَّ طرفٍ يأخذُ مُقابلًا لِما يُعطيه. فالمُؤمِّن يتحمَّل الخطر مُقابل الأقساط التي يدفعها المُؤمَّن لهُ، والمُؤمَّن لهُ يحصل على مبلغ التأمين عند تحقق الخطر المُؤمَّن منهُ مُقابل الأقساط التي يدفعها. ولا ينفي عن عقد التأمين صفة المُعاوضة عدم تحقق الخطر أحيانًا، كما لو أنَّ المُؤمَّن لهُ دفع الأقساط للمُؤمِّن وانتهت مُدَّة العقد ولم يحدث الخطر المُؤمَّن منه، وبالتالي فإنَّهُ لا يحصل على مُقابل الأقساط التي دفعها، ففي هذه الحالة أيضًا يكون المُؤمِّن قد أعطى للمُؤمَّن لهُ الأمان والاطمئنان طوال مُدَّة العقد مُقابل ما حصل عليه من أقساط. كما لا ينفي عن هذا العقد كونه من عُقود المُعاوضة بالنسبة للمُؤمَّن لهُ الذي يلتزم بِدفع الأقساط أنَّهُ قد يُعيِّن مُستفيدًا من التأمين تعود إليه الفائدة من التأمين، ذلك أنَّهُ في تحديد طبيعة عقد مُعيَّن يتعيَّن النظر إليه هو (أي إلى العقد) وليس إلى ما يُعاصره من اتفاقات وما جاء به من شُروطٍ قانونيَّةٍ.
العقد الاحتمالي هو العقد الذي لا يعرف فيه كُلٌّ من المُتعاقدين أو أحدهما عند إبرامه مقدار ما يأخذه أو يُعطيه من العقد، فيتحدد مدى التزاماته أو منفعته في المُستقبل عند حُدوث أمر غير مُحقق الوُقوع أو غير معروف وقت حُصوله. وعقد التأمين عقدٌ احتماليٌّ بِهذا المعنى، ذلك أنَّ مقدار التزام أو كسب كِلا المُتعاقدين مُعلَّق على أمرٍ غير مُحقق الوقوع، وهو الخطر المُؤمَّن منهُ. فالمُؤمَّن لهُ لا يعلم وقت العقد مقدار ما يُحققه من كسبٍ من هذا العقد، وكذلك المُؤمِّن فإنَّ مقدار التزامه بِدفع مبلغ التأمين وما سيحصل عليه من أقساط مُقابل ذلك أمرٌ غير معلوم ومُتوقِّف على تحقق الخطر أو عدم تحققه. وجديرٌ بالذكر أنَّ صفة الاحتمال إنما تلحق التأمين من الناحية القانونيَّة، أي باعتباره علاقة عقديَّة بين المُؤمِّن والمُؤمَّن له، فلا شكَّ أنَّهُ في هذهالعلاقة يوجد عُنصر الاحتمال بِمعنى احتمال حُدوث كسب أو خسارة لِأحد الطرفين. أمَّا إذا نُظر إلى التأمين من الناحية الفنيَّة فيُلاحظ أنَّ عنصر الاحتمال يتضائل وذلك لِقيام التأمين من هذه الناحية على أُسس الإحصاء وقانون الكثرة وأساليب فنيِّة أُخرى تكفل جعل الاحتمال ضئيلًا إن لم يكن مُنعدمًا.
عقدُ التأمين عقدٌ مُلزمٌ للجانبين، ويُقصد بذلك أنَّ كُلًّا من الطرفين يلتزم تجاه الآخر. فالمُؤمَّن لهُ يلتزم بأن يدفع القسط مُقابل إلقاء المخاطر على المُؤمِّن الذي يلتزم بِتغطية المخاطر المُتفق عليها عن طريق دفع مبلغ التأمين عندما تتحقق الكارثة. وهذا واضح من تعريف التشريعات القانونيَّة المُختلفة لِعقد التأمين حيثُ تُبيِّنُ أنَّ المُؤمِّن (الضامن) يلتزم بأن يؤدي إلى المُؤمَّن لهُ (المضمون) أو المُستفيد مبلغًا من المال أو إيرادًا مُرتبًا أو أي عوضٍ ماليٍّ آخر في حالة وُقوع الحادث أو تحقق الخطر، وذلك مُقابل قسط أو أيَّة دفعة ماليَّة أُخرى يُؤديها المُؤمَّن لهُ إلى المُؤمِّن. ورُغم ذلك فقد شكَّك بعضُ الفُقهاء في الصفة التبادُلية لِعقد التأمين وذهبوا إلى أنَّهُ بما أنَّ المُؤمِّن لا يدفع للمُؤمَّن لهُ عوض التأمين إلَّا إذا تحقق الخطر، فمعنى ذلك أنَّ التزام المُؤمِّن لا يكون مُحققًا أو مُنجزًا وإنما مُعلَّقٌ على شرط، هو تحقق الخطر، ولمَّا كان الخطر غير مُحقق فإنَّهُ في الحالات التي لن يتحقق فيها الخطر لا يلتزم المُؤمِّن بدفع مبلغ التأمين ومن ثُمَّ لا يكون عقد التأمين في هذه الحالة مُلزمًا للمُؤمِّن. وقد تمَّ الرد على هذا الرأي من عدَّة نواحي. فمن ناحية يُلاحظ أنَّهُ ليس من الضروري في التأمين أن يكون الخطر غير مُحقق الوُقوع، فالخطر قد يكون مُحقق الوُقوع في ذاته، وإن كان غير مُحقق في تاريخ وُقوعه، كالموت مثلًا في التأمين على الحياة. ومن ناحيةٍ أُخرى، فإنَّ الشرط الذي قيل بِوُجوده - وهو تحقق الخطر - ليس في حقيقة الأمر شرطًا لِنشأة التزام المُؤمِّن بل هو شرطٌ لِتنفيذ التزامه، بِمعنى أنَّ التزام المُؤمِّن بِتغطية خطر مُعيَّن ينشأ بِمُجرَّد إبرام عقد التأمين، وهو موجود سواء تحقق الخطر أم لم يتحقق، فإذا تحقق الخطر دفع مبلغ التأمين وإذا لم يتحقق فإنَّ ذلك لا يؤثِّر على وُجود التزامه ولا يكون للمُؤمَّن لهُ استرداد الأقساط التي دفعها لأنَّها مُقابل التزام المُؤمِّن بِتحمُّل عبء الخطر ومنح الأمان والطمأنينة للمُؤمَّن لهُ طوال مُدَّة العقد. وأخيرًا فإنَّهُ ليس هُناك ما يمنع من أن يُعلَّق تنفيذُ التزام المُؤمِّن على شرطٍ مُعيَّن هو تحقق الخطر. فعقد التأمين، كما سلف، من العُقود الاحتماليَّة، وهذه العُقود تتميَّز بأنَّ تنفيذ التزام أحد طرفيها أو كليهما يكون مُعلقًا على أمرٍ غير مُحقق الوقوع، والصفة الاحتماليَّة لا تمنع كون العقد تبادُليًّا مُلزمًا للجانبين، ما دام هُناك التزامًا من كلا الجانبين، وما دام أنَّ هُناك ارتباطًا بين الالتزامين المُتقابلين.
العقد المُستمر هو العقد الذي يلعب الزمن دورًا رئيسيًّا فيه بحيثُ تكون الالتزامات الناشئة عنه أداءات مُتكررة يستمر الوفاء بها مُدَّة من الزمن. ويدخل عقد التأمين في هذه الطائفة من العُقود الزمنيَّة، وذلك بالنسبة لِطرفيه. فبالنسبة لِلمُؤمَّن لهُ لا شك في ارتباط التزامه بالضمان بِمُدَّة العقد، فهو يلتزم بِمنح المُؤمِّن لهُ الأمان والطمأنينة طوال مُدَّة العقد، فهو يتحمَّل تبعة تغطية الخطر المُؤمَّن منه بِصفةٍ مُستمرَّة. وكذلك بالنسبة لِلمُؤمَّن لهُ، فهو يلتزم بِدفع الأقساط المُتفق عليها بِصفةٍ دوريَّةٍ مُستمرَّة، وحتَّى لو دفع القسط دفعةً واحدةً فإنَّ العقد يُعتبر مُستمرًا بالنسبة له، لأنَّهُ يبقى خاضعًا لالتزاماتٍ أُخرى طوال مُدَّة العقد، منها التزامه بالامتناع عن أي عملٍ من شأنه زيادة الخطر المُؤمَّن منه. ويترتب على اعتبار عقد التأمين من العُقود المُستمرة عدَّة نتائج هامَّة، منها: أنَّهُ إذا فُسخ العقد فإنَّهُ لا يكون لِهذا الفسخ أثرٌ رجعي، وإنما يقتصرُ أثر الفسخ على المُستقبل، ومُؤدي ذلك عدم المساس بِأداءات المُتعاقدين السَّابقة على الحُكم بالفسخ، فهذه تظل صحيحة، وبالتالي فإنَّ المُؤمِّن يظل مُحتفظًا بالأقساط التي تقاضاها لِأنها كانت مُقابل تحمُّله عبء الخطر في المُدَّة السابقة على الفسخ. ويترتب على هذه الخاصيَّة أيضًا أنه إذا استحال تنفيذ التزامات أحد الطرفين بِقُوَّةٍ قاهرة أو حادثٍ فُجائيّ، كما لو هلك الشيء المُؤمَّن عليه من السرقة بِفعل الحريق مثلًا، فإنَّ عقد التأمين ينتهي بِقُوَّة القانون، وتسقط التزامات الطرف الآخر، فتبرأ ذمَّة المُؤمِّن من تحمُّل الخطر مُستقبلًا، وفي المُقابل تبرأ ذمَّة المُؤمَّن لهُ من أداء الأقساط من ذلك التاريخ.
يُعدُّ عقد التأمين عقدًا من عُقود الإذعان. والخاصيَّة المُميِّزة لِهذه العُقود هي انفراد أحد المُتعاقدين بِوضع شُروط التعاقد وتحديد مضمونه بحيثُ لا يكون أمام المُتعاقد الآخر، إذا ما أراد التعاقد، إلَّا أن يقبل هذه الشُروط المُعدَّة سلفًا، دون أن يكون لهُ حق مُناقشة هذه الشُروط، أو دون جدوى من وراء هذه المُناقشة إذا ما توافرت. وتُعتبرُ هذه الفئة من العُقود تعبيرًا عن انعدام التكافؤ بين الطرفين من الناحية الاقتصاديَّة. ويصدق ما سبق على عقد التأمين حيثُ ينفرد المُؤمِّن بِوضع شُروط مُعدَّة سلفًا ومطبوعة تُعرض على من يرغب في التعاقد معهُ دون أن يكون للأخير حق مُناقشة هذه الشُروط أو تعديلها. فليس أمام من يطلب التأمين إلَّا قُبول الشُروط المعروضة من قِبل المُؤمِّن كما هي إذا ما رغب في التعاقد. هذا المركز القوي الذي يوجد فيه المُؤمِّن يُخشى معهُ على مصالح المُؤمَّن لهُ، فقد يُسيء المُؤمِّن مركزه بِفرض شُروطٍ تعسُّفيَّةٍ إضرارًا بِمصالح المُؤمَّن لهُ، لِذلك كان لا بُد من البحث عن الوسائل القانونيَّة التي يُمكن من خلالها حماية مصالح المُؤمَّن لهُ، باعتباره الطرف الضعيف في العلاقة التعاقُديَّة التي تنشأ بينهُ وبين المُؤمِّن، فعلى سبيل المِثال نصَّ القانون المدني المصري على أنَّه إذا ما تضمَّن عقد التأمين شُروطًا تعسُفيَّة، فإنه يجوز للقاضي تعديل هذه الشُروط، أو إعفاء الطرف المُذعن منها، إذا رأى أنَّ ذلك هو ما تقتضيه العدالة. ونصَّ قانون المُوجبات والعُقود اللُبناني على بُطلان بعض الشُروط متى وردت في وثيقة التأمين إذا ما كانت تتضمن إسقاط حقوق المضمون لِمُخالفته القوانين والأنظمة إلَّا إذا كانت تلك المُخالفة عبارة عن خطأ فاحش لا يُعذر عليه، كما أشار إلى بُطلان جميع البنود التي تتضمن إسقاط حُقوق المضمون لِمُجرَّد تأخره عن إعلام السُلطة بوقوع الطارئ أو عن إبراز بعض المُستندات، وذلك مع مُراعاة حق الضامن في طلب التعويض المُتناسب مع الضرر الناشئ عن التأخير. ويتوسَّع القانون المصري في نطاق الحماية المكفولة للمُؤمَّن لهُ في هذا الصدد، حيثُ قضى القانون المدني المصري بِبُطلان مجموعة من الشُروط التي ترد في وثيقة التأمين، حمايةً لِلمُؤمَّن لهُ، وهي:
اعتبارُ التأمين عقدًا تجاريًّا أو مدنيًّا يتوقَّف على صفة أطرافه، المُؤمِّن والمُؤمَّن لهُ. فبالنسبة إلى المُؤمِّن، يُعتبر التأمين عقدًا تجاريًّا إذا أبرمتهُ شركة من شركات التأمين بِقسطٍ ثابت، ذلك أنَّ المُؤمِّن يقوم بِدور الوساطة بين المُؤمَّن لهم في توزيع المخاطر، كما يسعى إلى تحقيق الربح من جهة أُخرى. ويكونُ عقد التأمين عقدًا مدنيًّا بالنسبة للمُؤمِّن وذلك في عمليَّات التأمين التبادُلي أو التعاوني، حيثُ أنَّ المُؤمِّن في هذا النوع من التأمين هو المُؤمَّن لهُ، كما أنَّ فكرة تحقيق الربح مُنعدمة فيه. أمَّا بالنسبة لِلمُؤمَّن لهُ، فالأصل أنَّ التأمين يُعتبر عقدًا مدنيًّا لهُ، وذلك لِأنَّهُ لا يرمي إلى تحقيق الربح، وإنما هدفهُ تغطية خطر مُعيَّن. غير أنَّ التأمين قد يكون عقدًا تجاريًّا بالنسبة للمُؤمَّن لهُ وذلك في حالة التأمين الذي يُبرمه التاجر بِسبب أعمال تجارته، وذلك إعمالًا لِفكرة التبعيَّة. مِثالُ ذلك تأمين التاجر على محلِّه التجاري أو على السيَّارات أو الآلات التي يستخدمها في مصنعه أو تجارته. ويُعتبرُ العقد تجاريًّا في هذه الحالة بالنسبة للتاجر أيًّا كان نوع التأمين أو شركة التأمين التي يُؤمِّن لديها، سواء كان تأمينًا بِقسطٍ ثابت أم تأمينًا تبادُليًّا. وتظهر أهميَّة الصفة المدنيَّة أو التجاريَّة لِعقد التأمين بِالنسبة لِتحديد جهة القضاء المُختصَّة بِنظر المُنازعات الناشئة عن عقد التأمين. والقاعدة في هذا الصدد أنَّ جهة الاختصاص تتحدد حسب صفة العقد بالنسبة للمُدعى عليه، ومع ذلك ففي الأعمال المُختلطة حيثُ يكون العمل مدنيًّا بالنسبة لِطرف وتجاريًّا بالنسبة لِلآخر، فإنَّهُ من المُقرر أنَّهُ للطرف الذي يُعتبرُ العقد مدنيًّا بالنسبة لهُ الخيار في مُقاضاة خصمه التاجر أمام المحاكم المدنيَّة أو التجاريَّة، في حين يلتزم من كان العقدُ تجاريًّا بالنسبة لهُ بِرفع النزاع أمام المحاكم المدنيَّة متى كان العقدُ بالنسبة لِخصمه مدنيًّا.
عقدُ التأمين من عُقود حُسن النيَّة، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ مُراعاة حُسن النيَّة من المبادئ العامَّة التي تسري على كافَّة العُقود، لِذلك فإنَّ وصف عقد التأمين بِأنَّهُ من عُقود حُسن النيَّة لا يُقصد به أنَّ هذا الوصف ينحسر عن عُقودٍ آُخرى. فالقاعدة أنَّ جميع العُقود يجب أن تُبرم وتُنفذ لما يقتضيه حُسن النيَّة. ولِذلك يرى الفقه أنَّ وصف عقد التأمين بِأنَّهُ من عُقود حُسن النيَّة إنَّما يغلب أن يكون المصود به بيان أنَّ حُسن النيَّة يلعب في عقد التأمين، سواء في انعقاده أو تنفيذه، دورًا أكبر من الدور الذي يلعبهُ في أيِّ عقدٍ آخر. ويرجع ذلك إلى أنَّهُ عند انعقاد عقد التأمين يعتمد المُؤمِّن في تقرير قُبوله على صحَّة البيانات التي يُدلي بها المُؤمَّن لهُ عن حقيقة الخطر المُؤمَّن منهُ ومدى جسامته والظُروف المُحيطة به، لِهذا وجب على المُؤمَّن لهُ التزام حُسن النيَّة عند الإدلاء بِتلك البيانات. وفي تنفيذ العقد يلتزم المُؤمَّن لهُ بالامتناع عن كُل ما من شأنه أن يُؤدي إلى تفاقم الخطر المُؤمَّن منه، وعليه إخطار المُؤمِّن بِكُلِّ ظرفٍ يؤدي إلى زيادة احتمال وُقوع الخطر، وعليه أن يمتنع عن كُل ما من شأنه وُقوع الكارثة، وكذلك العمل على الحد من آثار الكارثة إذا وقعت. وخُروج المُؤمَّن لهُ عن مُقتضيات حُسن النيَّة هو الذي يُفسِّر بُطلان عقد التأمين إذا أدلى المُؤمَّن لهُ بِبياناتٍ كاذبة عن الخطر المُؤمَّن منهُ، وكذلك سُقوط حقَّهُ في التأمين لِعدم التزامه بِحُسن النيَّة في تنفيذ العقد.
يتمُّ عقد التأمين عادةً بين شخصين هُما المُؤمِّن والمُؤمَّن لهُ، غير أنَّ الواقع يشهد كثيرًا قيام شخص مقام المُؤمِّن بإبرام عقد التأمين، وكذلك الحال بالنسبة للمُؤمَّن لهُ. وفضلًا عن ذلك فإنَّ المُؤمَّن لهُ قد يكون هو المُتعاقد نفسهُ الذي يُبرم عقد التأمين مع الطرف الآخر وتنصرف إليه آثار العقد فيتحمَّل الالتزامات الناشئة عن هذا العقد، ويحصل على مبلغ التأمين عند تحقق الخطر المُؤمَّن منهُ، وفي هذه الحالة يكونُ الشخص مُتعاقدًا ومُؤمَّنًا لهُ ومُستفيدًا في ذات الوقت. غير أنَّهُ في حالاتٍ أُخرى قد تنفصل هذه الصفات، فقد يكون المُتعاقد شخصًا مُنفصلًا من المُؤمِّن والمُستفيد.
الغالب أن يكون المُؤمِّن شركةً مُساهمة، وقد يتخذ المُؤمِّن شكلًا آخر، وهو جمعيَّة التأمين التبادُلي أو التعاوني. ولا يُثيرُ تحديد أطراف عقد التأمين في حالة التأمين التبادُلي أو التعاوني صُعوبةً خاصَّة، إذ أنَّ كُل عُضو في جمعيَّة التأمين التبادُلي أو التعاوني يُعتبر مُؤمنًا ومُؤمنًا لهُ في ذات الوقت. أمَّا بالنسبة إلى شركات التأمين، حيثُ تنفصل شخصيَّة المُؤمِّن عن شخصيَّة المُؤمَّن لهُ، فالتعاقد يتمُّ في الأصل بين شركة التأمين باعتبارها المُؤمِّن وبين العُملاء وهم المُؤمَّن لهم. غير أنَّ هذا التعاقد لا يتمُّ عادةً بِطريقةٍ مُباشرة بين شركة التأمين وبين العُملاء، إذ الغالب أن يتوسَّط بينهم وُسطاء. والوسطاء لهم صُورٌ مُتعددة، وتختلف السُلطة التي يتمتع بها الوسيط بحسب صفته. فقد يكون الوسيط وكيلًا مُفوضًا، وهو يتمتَّع بِأوسع السُلطات التي قد يتمتَّع بها وُسطاء التأمين، حيثُ يكون لهُ أن يُبرم العقد، كما يكونُ لهُ إجراء أيِّ تعديلٍ لِلعقد ومد وإنهاء العقد، ولهُ، إذا ما أبرم العقد، قبض الأقساط وتسوية المبالغ المُؤمَّن بها. ويلي الوكيل المُفوَّض في السُلطة المندوب ذو التوكيل العام، ولِهذا الوسيط إبرام عقد التأمين مع المُؤمَّن لهُ وفقًا لِشُروط التأمين العامَّة المألوفة دون أن يكون لهُ تعديلها سواء لِمصلحة المُؤمِّن أو المُؤمَّن لهُ. وقد يكون وسيط التأمين سمسارًا، وهو يملك أضيق الصلاحيَّات التي يملكُها وُسطاء التأمين، ومدى ما يتمتَّع به من سُلطة يختلف بِحسب الأحوال، فقد تكون سُلطة هذا الوسيط غير موضحة الحُدود، ففي هذه الحالة لا تكون لهُ سُلطة في إبرام عقد التأمين مع المُؤمَّن لهُ، بحيثُ يقتصر دورهُ في هذا الصدد على البحث عن العميل الذي يتعاقد مُباشرةً مع شركة التأمين، وتقوم هذه بعد ذلك بِتسليم وثيقة التأمين إليه لِيُسلمها بِدوره إلى المُؤمَّن لهُ، مُقابل ذلك يكون لِلسمسار في هذه الحالة بعض السُلطات المحدودة في مجال تنفيذ العقد، كقبض الأقساط والتعويضات الواجب دفعها، وتسليم وثائق التأمين وعُقود الامتداد الصادرة من المُؤمِّن، وتسليم البيانات التي يجب على المُؤمَّن لهُ أن يُقدمها لِلمُؤمِّن في أثناء قيام العقد. أمَّا إذا كانت سُلطة السمسار قد تحدَّدت بِوُضوحٍ بحيثُ اقتصرت على مُجرَّد البحث عن مُؤمَّن لهُ، فإنَّ مُهمته تتحدد بذلك وينتهي دوره بأداء هذه المُهمَّة، ويتم إبرام عقد التأمين بين المُؤمِّن والمُؤمَّن لهُ مُباشرةً، ولِهذا لا يكونُ مُلزمًا بِصفته الشخصيَّة ولا بِصفته ضامنًا عن دفع مبلغ التأمين، كما لا تكون شركة التأمين مسؤولة عمَّا وعد به السمسار من تعديل شُروط التأمين العامَّة التي تتضمَّنها وثيقة التأمين أو من إضافة هذه الشُروط.
الطرف الآخر في عقد التأمين، وهو المُؤمَّن لهُ، يجمع عادةً، وبِصفةٍ خاصَّة في التأمين من الأضرار، بين صفاتٍ ثلاث: فهو أولًا الطرف المُتعاقد مع المُؤمِّن، وهو بِهذه الصفة يتحمَّل جميع الالتزامات الناشئة عن عقد التأمين والتي تُقابل التزامات المُؤمِّن، ويُسمَّى بِهذه الصفة «المُستأمن» أو «طالب التأمين». وهو ثانيًا الشخص الذي يُهدده الخطر المُؤمَّن منهُ، ويُسميه البعض في خُصوص هذه الصفة «بالمُستأمن»، ويُسميه البعض الآخر «بالمُؤمَّن عليه»، ويُطلق عليه أيضًا «المُؤمَّن لهُ»، وهي التسمية الغالبة في الفقه. وهو ثالثًا الشخص الذي يقبض مبلغ التأمين الذي تلتزم شركة التأمين بِدفعه عند تحقق الخطر، ويُسمَّى بِهذه الصفة «المُستفيد». وقد يقوم هذا الطرف في عقد التأمين - المُؤمَّن لهُ - بالتعاقد مع الطرف الآخر - المُؤمِّن - مُباشرةً بِصفته أصيلًا. وقد يبرم عقد التأمين نائبًا عن المُؤمَّن لهُ، والنائب قد يكون وكيلًا كما قد يكون فُضوليًّا(1) متى توافرت شُروط الفضالة. وقد لا تتوافر شُروط الفضالة ومع ذلك يعقد شخص تأمينًا لِحساب غيره دون وكالة، فإذا أقرَّ الغيرُ ذلك اعتُبر من قام بالتأمين لِحسابه وكيلًا عنه. وإذا كانت صفاتُ المُتعاقد والمُؤمَّن له والمُستفيد قد تجتمع كما أُسلف، فإنها قد تتفرَّق على عدَّة أشخاص. فقد يكون المُتعاقد أو طالب التأمين والمُؤمَّن لهُ شخصًا واحدًا ويكون المُستفيد شخصًا آخر. ويقع هذا كثيرًا في حالة التأمين على الحياة عندما يُؤمِّن شخصٌ على حياته لِمصلحة أولاده مثلًا، فيكون هذا الشخص هو طالب التأمين لِأنَّهُ هو الذي تعاقد مع شركة التأمين، وهو في ذات الوقت المُؤمَّن لهُ، لِأنَّهُ أمَّن على حياته هو، أمَّا المُستفيد الذي يعود إليه مبلغ التأمين فهم أولاده. وقد يكون المُتعاقد أو طالب التأمين والمُستفيد شخصًا واحدًا، والمُؤمَّن لهُ شخصٌ آخر، ويكون ذلك مثلًا إذا ما أمَّن شخصٌ على حياة مدينه، حيثُ يكون المُتعاقد هو المُستفيد من التأمين، والمدين هو المُؤمَّن لهُ، أو المُؤمَّن على حياته. ويجوز كذلك أن يكون المُؤمَّن لهُ والمُستفيد شخصًا واحدًا، ويكون المُتعاقد، أي طالب التأمين، شخصًا آخر. ويكون ذلك في حالة التأمين لِحساب من يثبت له الحق فيه، أو بِصفةٍ عامَّة التأمين لِحساب الغير. مثالُ ذلك أن يُبرم شخصٌ تأمينًا ضدَّ المسؤوليَّة عن حوادث السيَّارات لِحساب أي سائقٍ يقود سيَّارته، فمالك السيَّارة هو المُتعاقد، والمُؤمَّن لهُ والمُستفيد هو أي سائق يقود السيَّارة. وأخيرًا فقد تتفرَّق الصفات السَّابقة على ثلاثة أشخاص إذ يكون المُتعاقد، أو طالب التأمين، شخصًا آخر غير المُؤمَّن لهُ والمُستفيد، ويكون المُؤمَّن لهُ شخصًا مُستقلًّا غير المُتعاقد والمُستفيد، ويكون هُناك المُستفيد الذي يستقل عن المُؤمَّن لهُ والمُتعاقد. مثالُ ذلك التأمين الذي يُبرمه شخصٌ على حياة آخر.
عقدُ التأمين عقدٌ رضائيٌّ ينعقدُ بِمُجرَّد تطابق الإيجاب والقبول بين المُؤمِّن والمُؤمَّن لهُ، دون حاجةٍ إلى أيِّ إجراءٍ آخر. غير أنَّهُ كثيرًا ما يُعلِّق الطرفان تمام عقد التأمين على توقيع وثيقة التأمين من كُلٍّ من الطرفين، أو على قيام المُؤمَّن لهُ بِدفع القسط الأوَّل من أقساط التأمين، ففي هذه الحالة لا يتم عقد التأمين إلَّا بِتوقيع الوثيقة أو بِدفع قسط التأمين على حسب ما اتُفق عليه، ويكون عقد التأمين حينئذٍ، بِموجب اتفاق الطرفين، عقدًا شكليًّا أو عقدًا عينيًّا. وحتَّى يتمُّ العقد يجب أن ينصب التراضي على عناصر التأمين الأساسيَّة وهي الخطر المُؤمَّن منهُ والقسط ومبلغ التأمين، فعقد التأمين لا ينعقد إلَّا باتفاقٍ على هذه العناصر. هذا مع مُلاحظة أنَّهُ من الناحية العمليَّة يتناول التراضي على عقد التأمين، عادةً، الشُروط التفصيليَّة كمكان دفع القسط وزمانه وغير ذلك من الشُروط المُتعلِّقة بالتزامات الطرفين. وإلى جانب وُجود التراضي يجب أن يكون صحيحًا. وصحَّة التراضي تقتضي أن تتوافر الأهليَّة في أطراف التعاقد وتتطلَّب سلامة إرادتيهما من عُيوب الإرادة، فلا يصح التراضي إن كان أحد الطرفين مُجبرًا على التعاقد مثلًا. أمَّا عن الأهليَّة فإنَّ الأمر لا يثور بشكلٍ عمليٍّ إلَّا من ناحية المُؤمَّن لهُ، ذلك أنَّ المُؤمِّن، هو شركة مُساهمة، أو جمعيَّة تأمين تبادُليَّة، يتمتَّع بِشخصيَّة معنويَّة مُستقلَّة. وبالنسبة لِلمُؤمَّن لهُ، حيثُ يذهب الفقه إلى أنَّ عقد التأمين من عُقود الإدارة بالنسبة لهُ، فيكفي أن تتوافر له أهليَّة الإدارة، أي إدارة شؤونه ومصالحه. فيجوز بالتالي للبالغ الرشيد أن يُبرم عقد التأمين، ويجوز ذلك أيضًا للقاصر أو المحجور عليه إذا كان مأذونًا لهُ في إدارة أمواله. كما يجوز للوليّ أو الوصي أو الوكيل وكالة عامَّة أن يُبرم عقد التأمين لِحساب من ينوب عنه. وقلَّ أن يشوب إرادة المُؤمَّن لهُ إكراهٌ أو تدليس ذلك أنَّهُ يتعاقد عادةً مع شركةٍ مُساهمةٍ يصعب تصوُّر وُقوع الإكراه أو التدليس منها على المُتعاقد معها. وإنما قد يقع المُؤمَّن لهُ في غلطٍ جوهريٍّ فيكون عقد التأمين قابلًا للإبطال لِمصلحته. ومِثال ذلك أن يُؤمِّن المُؤمَّن لهُ على سيَّارة مرهونة لهُ رهن حيازة رُغم أنَّ وثيقة التأمين كانت تشترط أن يكون المُؤمَّن لهُ هو المالك. كذلك فالمُؤمِّن كثيرًا ما يقع في غلط جوهري إذا كتم المُؤمَّن لهُ أمرًا أو أعطى بيانًا غير صحيح دون أن يقوم الدليل على سوء نيَّته إذا كان من شأن الكتمان أو إعطاء البيان غير الصحيح أن يدفعهُ إلى التعاقد.
محلُّ عقد التأمين الذي يتمثَّل في العمليَّة القانونيَّة المُراد تحقيقها، هو تغطية خطر مُعيَّن يتمثَّل في حُدوث واقعة مُستقبليَّة نظير قسط يلتزمُ به المُؤمَّن لهُ. فإذا تحقق الخطر المُؤمَّن منهُ التزم المُؤمِّن بِدفع مبلغ التأمين أو أيِّ أداءٍ آخر للمُؤمَّن لهُ في مُقابل القسط الذي يدفعهُ الأخير. وعلى ذلك فمحل التزام المُؤمِّن، أي الأداء الذي يلتزمُ به، يتمثَّل في دفع مبلغ التأمين، أمَّا محل التزام المُؤمَّن لهُ فيتمثَّل بالأقساط الذي يلتزم بأداءها لِلمُؤمِّن. يتضح ممَّا سبق أنَّ هُناك عناصر مُتعددة لِمحل عقد التأمين وكُل الالتزامات الناشئة عنه، وهذه العناصر هي الخطر والقسط وأداء المُؤمِّن والمصلحة.
الخطر هو العُنصر الأساسي في عقد التأمين، فالمقصود من التأمين هو ضمان المُؤمَّن لهُ من النتائج التي قد تنتج إذا تحقق خطرٌ يستهدف له، كما أنَّ الخطر هو أساس حسابات المُؤمِّن كُلَّها. ويُمكن تعريف الخطر بأنَّهُ حادثٌ مُحتمل الوقوع لا يتوقف تحققه على محض إرادة أحد المُتعاقدين وعلى الخُصوص إرادة المُؤمَّن لهُ. هذا الحادث قد يكون سعيدًا كالزواج والولادة وبقاء المُؤمَّن عليه على قيد الحياة، وغالبًا ما يكون العكس، كالحريق والسرقة والمرض والوفاة، ولِهذا يُطلق عليه في هذه الحالة مُسمَّى «الكارثة». ولا بُدَّ أن تتوافر في الخطر شُروطٌ مُعيَّنة كي يصح وتترتب آثاره القانونيَّة. فالخطر من ناحية يجب أن يكون غير مُحقق الوُقوع أي احتماليًّا، ومن ناحيةٍ أُخرى يُشترط في الخطر ألَّا يكون مُتوقفًا على محض إرادة أحد العاقدين لا سيَّما المُؤمَّن لهُ. هذا بالإضافة إلى اشتراط أن يكون الخطر مشروعًا، أي غير مُخالف للنظام العام والآداب.
ويُمكنُ تقسيم الخطر بِحسب أوصافه المُختلفة إلى تقسيمين مُختلفين، فهو إمَّا خطرٌ ثابت أو خطرٌ مُتغيِّر، وهو إمَّا خطرٌ مُعيَّن أو خطرٌ غير مُعيَّن. يكونُ الخطرُ ثابتًا إذا كانت درجة احتمال تحققه خلال مُدَّة التأمين واحدة لا تتغير من وقتٍ إلى آخر. مثال ذلك خطر الحريق لِأنَّ درجة احتمال تحققه واحدة، ولا يمنع من ذلك أنَّ الحرائق تزيد نسبتها أحيانًا في الصيف عن الشتاء ما دامت احتمالات تحققها ثابتة على مدار الفترة التي يُنظر إليها. مؤدي ذلك أنَّ ثبات الخطر لا يكون مُطلقًا، ذلك أنَّ الخطر قد يتعرَّض خِلال الفترة التي يُنظر إليها (سنة مثلًا) إلى تغييراتٍ مؤقتة أو نسبيَّة، فكُلُّ خطر مهما قيل عنه أنه ثابت، يُمكن أن يتعرَّض للتغيير من حيثُ درجة تحققه في بعض الفترات. غير أنَّ ذلك لا ينفي عنه وصف الثبات. أمَّا الخطر المُتغيِّر فهو الذي تتغيَّر درجة احتمال تحققه تغيُرًا مُحققًا خلال مُدَّة التأمين إمَّا بالزيادة أو النُقصان. فعلى سبيل المِثال تتزايد وتتصاعد احتمالات تحقق خطر الوفاة في عُقود التأمين لِحالة الوفاة بِمضيّ مُدَّة عقد التأمين. وتظهر أهميَّة التفرقة بين الخطر الثابت والخطر المُتغيِّر في تحديد مقدار قسط التأمين. فيكون القسط ثابتًا إذا كان الخطرُ ثابتًا، ويكونُ مُتغيرًا إذا كان الخطر مُتغيرًا إمَّا بالزيادة أو النُقصان، حسب طبيعة تغيُّر الخطر. أمَّا الخطر المُعيَّن والخطر غير المُعيَّن فتقوم التفرقة بينهما على أساس ما إذا كان محل الخطر مُعينًا لحظة إبرام العقد أو لم يكن كذلك. فالخطر المُعيَّن هو الذي يكون محلَّهُ مُعينًا لحظة إبرام العقد، ويكون ذلك في حالة التأمين على حياة شخص أو التأمين على شيء موجود وقت التعاقد. أمَّا الخطر غير المُعيَّن فهو الذي يكون محلُّه غير مُعيَّن وقت إبرام عقد التأمين، وإنما يتم تعيينه بعد ذلك عند تحقق الخطر، وذلك كما في التأمين من المسؤوليَّة ضدَّ حوادث السيَّارات لِأنَّ محل الخطر، وهو الحادث، لا يكون مُعينًا وقت التعاقد، حيثُ ينصب التأمين على الحوادث المُستقبليَّة، وهذه لا يتم تعيينها لحظة إبرام العقد وإنما تتعين فيما بعد عند وُقوعها. وتظهر أهميَّة التفرقة بين الخطر المُعيَّن وغير المُعيَّن من حيثُ إمكان تحديد مبلغ التأمين الذي يجب على المُؤمِّن عند تحقق الخطر. ففي حالة الخطر المُعيَّن يُمكن مُقدمًا تحديد مبلغ التأمين الذي يجب على المُؤمِّن دفعه عند تحقق الخطر نظرًا لِإمكانية تقدير نتائج تحققه سلفًا. أمَّا إذا كان الخطر غير مُعيَّن فإنَّ تقدير مبلغ التأمين لا يتسنَّى وقت إبرام العقد دائمًا، ولِذلك فغالبًا ما يلجأ المُؤمِّن إلى الاتفاق على حدٍ أقصى للتعويض لا تتجاوزه مسؤوليَّته، مما قد يؤدي إلى عدم حُصول المُؤمَّن لهُ على تعويضٍ كاملٍ للضرر.
يُمكنُ تعريف القسط بأنَّهُ المبلغ النقدي الذي يدفعهُ المُؤمَّن لهُ لِلمُؤمِّن مُقابل تحمُّل الأخير تبعة الخطر المُؤمَّن منهُ، وبتعبيرٍ آخر فهو مبلغٌ من المال يُدفع دوريًّا من قِبل صاحب البوليصة للمُؤمَّن لأجل الحماية المُقدمة. فالقسط هو ثمن الأمان الذي يحصل عليه المُؤمَّن لهُ، فهو كالثمن في عقد البيع وكالأُجرة في عقد الإيجار. وهذا القسط هو الذي يجعل عقد التأمين من عُقود المُعاوضة التي تُنشئ التزاماتٍ مُتبادلة في ذمَّة طرفيها. وعلى ذلك فإنَّ عقد التأمين لا ينعقد إذا انعدم محل التزام المُؤمَّن لهُ بِدفع القسط. فالقسط يُمثِّل محل التزام المُؤمَّن لهُ ويدخل في تكوين عقد التأمين، فهو عُنصرٌ أساسيٌّ في عقد التأمين يُعادلُ الخطر أهميَّةً إن لم يزد عنه، إذ لا يُتصوَّر قيام المُؤمِّن بِتغطية المخاطر المُؤمَّن منها دون مُقابل، فهو يقوم بالوفاء بالتزاماته من مجموع الأقساط التي يقوم بِتجميعها من المُؤمَّن لهم، وبِغير ذلك لا يُمكنه الوفاء بِهذه الالتزامات. لِهذا فإذا لم يكن هُناك قسط كان التأمينُ باطلًا بُطلان البيع الذي لم يتفق طرفاه على الثمن. فإذا كان لا يُمكنُ التأمين بدون خطر، فلا تأمين كذلك بدون قسط. ويتخذ المبلغ النقدي الذي يدفعهُ المُؤمَّن لهُ لِلمُؤمِّن مُسمَّى القسط إذا كان المُؤمِّن شركة تأمين، أمَّا إذا كان المُؤمِّن جمعيَّة للتأمين التبادُلي أو التعاوني فإنَّ ما يُدفع في هذه الحالة يُسمَّى اشتراكًا. وقد يُدفع القسط مرَّة واحدة فيُسمَّى بالقسط الواحد، وقد يتجزأ على دفعات (سنويَّة أو نصف سنويَّة أو رُبع سنويَّة أو شهريَّة). والقسط الذي يلتزم المُؤمَّن لهُ بِدفعه لِلمُؤمِّن يتكوَّن من عُنصرين جوهريين هُما: القسط الصافي الذي يكونُ مُعادلًا لِقيمة الخطر طبقًا للقواعد والأُصول الفنيَّة مع الاستعانة بِقواعد الإحصاء، أمَّا العُنصر الثاني فهو أعباء القسط أو علاواته التي يجب أن يُساهم المُؤمَّن لهُ في تحمُّلها، ويتكوَّن من مجموع القسط الصافي والأعباء القسط التجاري الذي يلتزم بِدفعه المُؤمَّن لهُ.
أداء المُؤمِّن، ويُسمَّى أيضًا بِعهدة المُؤمِّن أو العوض المالي أو عوض التأمين، هو محل التزام المُؤمِّن، أي هو العمل الذي يتعيَّن عليه القيام به عند تحقق الخطر المُؤمَّن ضدَّهُ ومحل هذا الأداء، وهو يتمثَّل عادةً في مبلغ التأمين، يُقابل القسط وهو محل الأداء الذي يلتزم المُؤمَّن لهُ بالقيام به. والأداء الذي يلتزم به المُؤمِّن يكون تارةً دينًا مُضافًا إلى أجلٍ غير مُعيَّن، وتارةً أُخرى يكون دينًا احتماليًّا. ففي التأمين على الحياة يكون الدين مُحقق الوُجود ولكنه مُضاف إلى أجلٍ غير مُعيَّن. أمَّا في حالة التأمين من الأضرار، سواء كان تأمينًا على الأشياء كالتأمين من الحريق، أو كان تأمينًا من المسؤوليَّة، فإنَّ الخطر يكون غير مُحقق وبالتالي يكون الدين احتماليًّا في ذمَّة المُؤمِّن، وهو بذلك التزامٌ شرطيّ، لِأنَّ الخطر يُعتبر أمرًا غير مُحقق الوقوع في ذاته. وفي جميع الأحوال يكونُ التزامُ المُؤمِّن بطبيعته التزامًا ماليًّا ينطوي على دفع مبلغٍ من النُقود. وغالبًا ما يُدفع هذا المبلغ مُباشرةً إلى المُؤمَّن لهُ أو المُستفيد. وقد يلتزم المُؤمِّن أيضًا في بعض التشريعات بِإصلاح الضرر عينًا دون دفع مبلغ نقدي للمُؤمَّن لهُ، وذلك بِقصد تلافي المُبالغة في تقدير الأضرار، أو بقصد تقليل النفقات المدفوعة لِإصلاح الضرر. وإذا كان أداءُ المُؤمِّن يتمثل في النهاية في مبلغٍ نقديٍّ، فقد يلتزم المُؤمِّن إلى جانب هذا الالتزام الأصلي بالتزامٍ آخر عرضي أو ثانوي يتمثَّل في بعض خدمات شخصيَّة يقومُ بها، خاصَّةً في تأمين المسؤوليَّة، وذلك عن طريق مُساعدة المُؤمَّن لهُ في الدعوى التي يرفعها عليه الغير. ومع ذلك فإنَّ الأمر يظل في نطاق التأمين نظرًا لِأنَّ التزام المُؤمِّن الأساسي إنما هو تغطية المُؤمَّن لهُ في حالة تحقق مسؤوليَّته، أمَّا الالتزام الآخر فهو تابعٌ للالتزام الأصلي.
محلُّ أداء المُؤمِّن الرئيسي، كما أسلف، هو مبلغٌ من النقود، وتحديدُ هذا المبلغ يرجع إلى الاتفاق الذي يتم بين المُؤمِّن والمُؤمَّن لهُ، ورُغم ذلك فهُناك عناصر أُخرى تدخل في تحديد مقدار أداء المُؤمَّن لهُ، وهذه العناصر تختلف باختلاف ما إذا كان التأمين تأمينًا على الأشخاص أو تأمينًا من الأضرار. ففي التأمين على الأشخاص يتحدد أداء المُؤمِّن طبقًا للعقد المُبرم بين المُؤمِّن والمُؤمَّن لهُ، حيثُ تلتزم شركة التأمين بأداء مبلغ التأمين المُتفق عليه دون زيادةٍ أو نقصان عند حُلول الأجل المُتفق عليه أو تحقق الخطر المُؤمَّن منهُ. ويُؤدّي هذا المبلغ سواء دفعة واحدة أو في شكل مبالغ دوريَّة مُدَّة مُعيَّنة. ويتضح من ذلك أنَّ التزام المُؤمِّن بأداء التزامه - والذي يتمثلُ أساسًا في مبلغ التأمين - لا يرتبط بِوُقوع ضرر بل بِتحقق الخطر أو حُلول الأجل المُحدد في العقد. ذلك أنَّ تأمين الأشخاص ليست له صفة تعويضيَّة. أمَّا بالنسبة للتأمين من الأضرار فإنَّ أداء المُؤمِّن يتوقَّف من ناحية على مقدار الضرر الذي لحق بالمُؤمَّن لهُ وقيمة الشيء المُؤمَّن عليه. فإذا وقع الخطر ولكن لم يترتب عليه أي ضرر، لا يستحق المُؤمَّن لهُ مبلغ التأمين. كما أنَّ قدر الضرر هو الذي يُحدد مقدار التعويض. فإذا تبيَّن أنَّ الضرر الذي لحق المُؤمَّن لهُ أقل من مبلغ التأمين المُتفق عليه، فإنه لا يتقاضى من مبلغ التأمين إلَّا ما يُساوي هذا الضرر. ذلك أنَّه لا يجب أن يكون التأمين من الأضرار وسيلة لِإثراء المُؤمَّن لهُ. وبحال كان التأمين على شيءٍ مُعيَّن فإنَّ أداء المُؤمِّن يتحدد وفق قيمة هذا الشيء المُحددة في وثيقة التأمين، فتُمثل هذه القيمة عندها الحد الأقصى لِأداء المُؤمِّن، لِأنَّ الضرر لا يُمكن أن يتجاوز هذه القيمة، حتَّى ولو كان مبلغ التأمين المُتفق عليه أكبر من ذلك، ويُسمَّى التأمين في هذه الحالة بِتأمين المُغالاة أو التأمين الزائد. وقد يحدث عكس الفرض السابق فيكون مبلغ التأمين المُتفق عليه أقل من قيمة الشيء، وهو ما يُسمَّى تأمين البخس أو التأمين الناقص. فيُفرَّق في هذا النوع من التأمين بين حالة الهلاك الكُلّي للشيء المُؤمَّن عليه وبين الهلاك الجُزئي. أمَّا في حالة الهلاك الكُلّي للشيء المُؤمَّن عليه فإنَّ المُؤمَّن لهُ لا يستطيع مُطالبة المُؤمِّ