If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
في نوفمبر عام 1917، حدث ما غير مجرى حياة فيلبي كلها، فقد اندلعت الثورة العربية الكبرى في شهر يونيو من العام السابق، وكانت السلطات البريطانية قلقة جداً بسبب المنافسة القديمة القائمة بين الحسين بن علي شريف مكة، وبين ابن سعود حاكم نجد، وحاولت قدر الإمكان منع تلك الخلافات من أن تبدد جهد الأشراف في الحرب ضد الأتراك، وحاولت في نفس الوقت جلب حاكم نجد إلى جانب الحلفاء. لم يكن هناك أي اتصال رسمي بين ابن سعود وبين بريطانيا لمدة أكثر من سنتين، فتلقى فيلبي الأوامر للذهاب إلى نجد لمعرفة الوضع السياسي هناك.
وقد وصل فيلبي إلى العقير قرب البحرين في 14 نوفمبر 1917، رفقة الكولونيل المستشرق "كانليف أوين". واتجهوا إلى نجد والرياض تحديدا. كان فيلبي في أحسن الملابس التقليدية للإمبراطورية في الهند، إذ كان يرتدي بنطلونا قصيراً وقبعة، وفي أول توقف له -في الهفوف- أثناء رحلته طالبه مضيفوه بأن يقلل من مظهره الأوروبي الجلي، بارتداء الزي المحلي لتسهيل عملية تنقله في تلك الأرض التي لا يرحب أهلها بوجود نصراني بينهم. وبعد رحلة دامت سبعة أيام على جمل، وصل فيلبي وبعثته إلى الرياض. وكان أول من استقبلهم الإمام عبد الرحمن بن فيصل (والد عبد العزيز)، ثم قابل هناك ولأول مرة ابن سعود، عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود. وعاش في قصره المبني من اللبن في الرياض مع جنوده وخدمه في الصحراء. يصف فيلبي في كتابه "قلب جزيرة العرب" لقاءه الأول مع عبد العزيز، فيقول:
جاء في كتاب "الرحالة الغربيون في الجزيرة العربية" للمستشرق روبن بدول: "قد نغالي إذا قلنا إن فلبي كان صادقاً في حب الملك عبد العزيز، ولكنه حقاً كان واقعاً تحت تاثير شخصية ابن سعود الجذابة. وقد أثبت على الدوام إخلاصه وحبه لهذا الملك، واحترامه للقيم الحضارية التي نشأ عليها. وبالمقابل فإن ابن سعود قدر فلبي وقدر معرفته وعمله. ودائماً ما كان يدعوه إلى مجالسه العائلية مع أولاده. فنراه يلعب ويمزح مع الأمراء الشباب، وكان من أحد جلساء الملك الذين يحضرون في مجلسه الخاص."[بحاجة لتأكيد]
كانت الخطة الأساسية أن يصادف وصول بعثة فيلبي إلى الرياض وصول بعثة قادمة من القاهرة عن طريق جدة. ولم تجد تلك الخطة طريقها إلى النور. حيث أن شريف مكة ادّعى أنه ليس لابن سعود سوى سلطة ضعيفة جداً على القبائل التابعة له، وأن قيام مثل هذه الرحلة من الأمور المستحيلة. ولكن فلبي، وبتشجيع من ابن سعود، قرر وبكل حماس أن يثبت بنفسه خطأ تلك الفكرة، وذلك بالسفر براً من الرياض إلى جدة، حتى يؤكد أن السيطرة على الجزيرة العربية كانت لابن سعود.
وبتوقيت مناسب، أخبر فلبي روساءه بالخطة وبطريقة لم تترك لهم مجالاً للتفكير في رفضها. وجهزه ابن سعود بالجمال ومجموعة من الحراس، ثم بدأ فيلبي رحلته إلى جدة في 9 ديسمبر 1917، وقطع مسافة 450 ميلاً إلى الطائف في مدة خمسة عشر يوماً. ولم تكن رحلة سهلة، فقد وجد الحراس صعوبة في حراسة رجل كافر، حتى إن بعضهم تردد في الأكل معه لئلا يلوث طعامهم. بالإضافة إلى ذلك فإنهم لم يلاقوا ترحيباً من القرى التي مروا بها في الطريق. ويعتبر وصول فلبي إلى جدة، هو العبور الثالث للجزيرة العربية في خلال قرن واحد. ومن هناك سافر إلى القاهرة.
وبعد أن قام فيلبي ببعض المهمات في كل من القاهرة وجدة والقدس، رجع إلى ابن سعود في خريف 1918 في مهمة جديدة، لإقناعه بالقيام بحملة عسكرية ضد ابن رشيد الذي يحكم منطقة تمتد بين ساحات المعارك في العراق وفلسطين. لقد كان ابن سعود في موقف حرج جداً، فقد كانت المساعدات البريطانية تؤلف نسبة كبيرة من خزانته، لهذا فإن فلبي لم يجد صعوبة في إقناع ابن سعود بالقيام بالحملة العسكرية؛ ولكنه رفض أن يأخذ فلبي معه، لأن ذلك سيؤثر على الشعور الإسلامي عند الأهالي هناك. ولكنه وافق أن يجهزه بقافلة لزيارة استكشافية لمنطقة وادي الدواسر التي تقع على بعد 500 ميل جنوب الرياض وذلك لمدة خمسين يوماً. وقد جلب فلبي معه معلومات قيمة علمية وجغرافية، كما أنه عقد العزم على أن يكون أول من يعبر الربع الخالي.
وعند رجوعه إلى الرياض وجد فلبي أن الحرب العالمية الأولى -عملياً- قد انتهت تقريباً، وأن النظرة السياسية البريطانية للمنطقة قد تغيرت. فقد اعتبروا وجود ابن رشيد، أمراً يجب المحافظة عليه ليكون حاجزاً بين العراق الواقع تحت حكمهم، وبين الخطر المحتمل من التوسع السعودي.