If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كان القرن السابع عشر بشكل عام عبارة عن حقبة من الكساد الاقتصادي، كنتيجة لفترات طويلة من التوسع في القرن السابق وبالأخص بعد اكتشاف أمريكا. وأدى ضعف المحاصيل إلى زيادة أسعار القمح والمنتجات الأساسية مما تسبب لاحقاً بالمجاعات. بالإضافة إلى ركود التجارة، خاصة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، في حين ازدهرت فقط في إنجلترا وهولندا بفضل التبادل التجاري مع بلاد الشرق وإنشاء شركات تجارية كبيرة، وقد وضعت هذه الشركات أسس الرأسمالية وتسببت بازدهار البرجوازية. وتدهور الوضع الاقتصادي أكثر بسبب مرض الطاعون الذي عصف بأوروبا في منتصف القرن السابع عشر وأثر بشكل خاص على منطقة البحر الأبيض المتوسط، وكانت الحروب من العوامل الأخرى التي سببت الفقر والبؤس ونجمت في معظمها نتيجة الخلاف بين الكاثوليك والبروتستانت كما جرى في حرب الثلاثين عاما (1618-1648). كل هذه العوامل سببت الفقر الشديد لسكان المنطقة بحيث ارتفع عدد الفقراء والمتسولين ليشكل ربع عدد السكان في العديد من الدول.
ومن جهة أخرى انتقلت القوة المهيمنة في أوروبا من إسبانيا الإمبريالية إلى فرنسا ذات الحكم المطلق. ومن خلال صلح وستفاليا عام 1648 وصلح البرانس عام 1659، تحولت فرنسا إلى أقوى دولة في القارة بلا منازع إلى أن ازدهرت إنجلترا في القرن الثامن عشر. هذا يعني أن فرنسا زمن الملوك الحاملين لاسم لويس وروما البابوية كانوا الجوهر الرئيس لثقافة الباروك كمراكز للقدرات السياسية والدينية على التوالي، كما كانت مراكز لنشر الحكم المطلق والإصلاح المضاد. وعلى الرغم من الانحطاط السياسي والاقتصادي في إسبانيا إلا أنها عاشت فترة من الازدهار الثقافي سميت بالعصر الذهبي، ومع أن هذه الفترة قد تميزت بطابعها الديني المكافح للتبشير إلا أن مضمونها كان شعبياً. وقد طوّرت كلا من الأدب والفنون التشكيلية لتصبحا ذات جودة عالية. أما في باقي المناطق التي وصلت إليها ثقافة الباروك (إنجلترا وألمانيا وهولندا) فكان غرس ثقافة الباروك فيها غير منتظم، مع إعطاء تسميات مختلفة له بسبب الخصائص الوطنية غير المتشابهة في تلك الدول. وتم تحريف الباروك في إيطاليا، خاصةً بواسطة المقعد البابوي في روما حيث استخدم الفن كدعاية لنشر محاربة الإصلاح. وقامت حركة الإصلاح البروتستانتي بإغراق الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في أزمة عميقة خلال النصف الأول من القرن السادس عشر مما كشف عن فساد كنسي في طبقات عديدة من الكنيسة، وقد ظهرت الحاجة لتجديد الرسالة والعمل الكاثوليكي ليتم التقرب بشكل أكبر نحو المؤمنين.
وقام مجمع ترنت عام (1545-1563) بمواجهة تقدم البروتستانتية وتثبيت الكاثوليكية في المناطق التي سادت واستقرت فيها أسس العقيدة الكاثوليكية والأسرار السبعة المقدسة والعزوبية وعبادة مريم العذراء والقديسين واستخدام الطقوس الكنائسية اللاتينية، محاولين وضع أدوات تواصل جديدة وتوسيع الإيمان الكاثوليكي خاصة من خلال التعليم والوعظ ونشر الرسالة الكاثوليكية التي اكتسبت دعاية قوية من خلال إنشاء ما يسمى بمجمع تنصير الشعوب. وتشكل هذه المشروع في رهبنة اليسوعية حديثة الإنشاء عن طريق الوعظ والتدريس حيث كانت طريقة النشر هذه سريعة وملحوظة في كل العالم، بحيث تم إيقاف التقدم البروتستانتي واسترجاع أراضٍ عديدة للكنيسة الكاثوليكية (النمسا، بافاريا، سويسرا، الإقليم الفلامندي وهولندا).
كان تعزيز صورة البابا من الآثار الأخرى للإصلاح المضاد، فأصبح يتمتع بسلطةٍ مكّنتهُ من إنتاج برنامجٍ طموح للتوسيع والتجديد الحضري في روما وخاصةً للكنائس مع التركيز بشكلٍ خاص على كاتدرائية القديس بطرس وما حولها. ولقد كانت الكنيسة المركز الفنيّ الرئيس في ذلك الوقت واستخدمت الفن باعتباره العمود الفقري للدعاية الدينية لكون الفن وسيلةً شعبيةً واضحةً يمكن الوصول إليها بسهولة. ولقد استُخدم الفن كشعارٍ ووسيلةٍ للتعبير عن تمجيد الله والكنيسة. وتمتع عددٌ من الباباوات أمثال: سيكتوس الخامس، كليمنت الثامن، بولس الخامس، غريغوري الخامس عشر، أوربان الثامن، إينوسنت العاشر، وألكسندر السابع الذين- تمتعوا بالقدرة للقيام بتحسينات وإنشاء منشآت عظيمة في مدينة روما الخالدة لتصبح مدينة جديرة بأن تكون (روما المنتصرة ومركز العالم).
وكان الباروك زمن التقدم العلمي الكبير؛ فقد اكتشف وليام هارفي الدورة الدموية واتقن غاليليو غاليلي عمل التلسكوب، كما عزّز نظرية مركزية الشمس التي أُصدِرها نيكولاس كوبرنيكوس ويوهانس كيبلر في القرن السابق، أما إسحاق نيوتن فقد صاغ نظرية قانون الجذب العام، في حين قام إيفانجيلستا تورشيللي باختراع البارومتر. وقام فرانسيس بيكون بتأليف كتابه "نوفوم اورجانوم"؛ ونشر فيه ملاحظاته وتفسيراته للطبيعة مستنداً على المنهج التجريبي كأساس للبحث العلمي، واضعاً أسسها. وأدت فلسفة رينيه ديكارت إلى ما يُعرف بالعقلانية[؟] من خلال مقولته الشهيرة "أنا افكر، إذا أنا موجود.”
ونظراً للنظريات الجديدة حول مركزية الشمس والتتابع في فقدان الشعور بمحورية الإنسان الخاصة برجل عصر النهضة، أدى ذلك إلى جعل الشخص في زمن الباروك يفقد ثقته في النظام والمنطق وفي الانسجام والنسبية، وخصوصاً في الطبيعة، التي وُصفت بأنها غير خاضعة للتنظيم والترتيب وإنما حُرة، وأنها غامضة وغير مفهومة، ولهذا أصبحت مصدراً مباشراً وملائماً لإلهام العقلية الباروكية. وقد أدى فقدان الثقة في الحقيقة إلى جعل كل شيء واضح ووهمي، لذلك وكما جاء في مسرحية (الحياة حلم، لمؤلفها كالديرون) فإنه لا يوجد شيء ظاهر، لذا ينبغي استكشاف كل شيء واختباره. ولقد أصبح الشك الديكارتي نقطة البداية لنظامه الفلسفي: "لا يوجد شيء حقيقي إذا اعتبرت أن جميع الأفكار التي تأتي إلينا خلال الاستيقاظ قد تحدث أيضاً خلال الحُلم، فقررت أن أدّعي أن كل ما كان قد دخل سابقاً إلى روحي، لم يكن أكثر واقعية من الأوهام التي في أحلامي" (المقال عن المنهج، 1637).
بينما كان يبحث العلم عن الحقيقة، توجه الفن نحو التعبير عما هو خيالي وحب اللامحدودية وهو ما كان ما يطمح إليه بشدة الرجل الباروكي، ومن هنا انطلق حب التأثيرات البصرية والخدع البصرية التي نجدها في البُنى سريعة الزوال والقيم العابرة، وتذوق ما هو إيحائي ومغرٍ في الشعر، ما هو عجيب وحسي ومستفز، ما هو مؤثر لغوياً ونحوياً، وتذوق تأثير الصورة وقوة الخطابة، والتي كانت قد نشطت بالتأثر بمؤلفين قدامى مثل أرسطو وسيسرون.
وحسب خوسيه أنتونيو مارفارل كانت الثقافة الباروكية "موجهة" عبر وسائل الإعلام، و"جماعية" موجهة للشعب و"محافظة" بهدف الحفاظ على النظام القائم. ووجب على كل وسيلة تعبير فنية أن تكون تعليمية وجذابة لتصل إلى العامة ثم تثير حماسه وتربطهم بالرسالة المنوي إيصالها إليهم، وهي رسالة وضعت لتخدم السلطة السياسية والدينية، والتي كانت تتحمل تكاليف إنتاج هذه الأعمال الفنية، ذلك أن الكنيسة والطبقة الأرستقراطية، – وبشكل كبير البرجوازية – كانوا يديرون أعمال الفنانين والكتّأب. وإذا ما أرادت الكنيسة نقل رسالة مضادة للإصلاح، فقد كانت أنظمة الحكم الملكية المطلقة تجد في الفن وسيلة لتضخيم صورتها وتعظيمها لدى الشعب، وذلك من خلال المعالم المنحوتة التي كانت تمثل العظمة، وبهذا تعزز السلطة المركزية لدى الملكية مؤكدة على هيمنتها وسطوتها.
لذا، وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية، ازدهر الفن، ويعود الفضل بذلك إلى رعاية الكنسية والطبقة الأرستقراطية. واستغل البلاط في الدول الملكية - خاصة المطلقة- الفن كوسيلة لدعم ممالكهم وكأداة دعاية تدل على عظمة الملك، ومثال نموذجي على ذلك هو بناء لويس الرابع عشر قصر فرساي. وكانت هواية التجميع في أوجها مما ساهم في تنقل الأعمال الفنية في جميع أنحاء القارة الأوروبية مما أدى إلى تحسن سوق الفن. وكان بعض أكبر جامعي الأعمال الفنية في تلك الحقبة الفنية من الملوك مثل: الإمبراطور رودولف الثاني، وملك إنجلترا كارلوس الأول، وملك إسبانيا فيليب الرابع[؟]، وملكة السويد كريستينا. وتمركز ازدهار سوق الفن وفي المقام الأول في هولندا، وتحديدا في (أنتويرب وأمستردام)، وفي ألمانيا، وتحديداً في (نورنبيرغ وآوغسبورغ). وانتشرت أكاديميات الفنون عقب ظهورها في إيطاليا في القرن السادس عشر على هيئة مؤسسات هدفها الحفاظ على الفن كظاهرة ثقافية وتنظيم دراسته والحفاظ عليه والترويج له من خلال المعارض والمسابقات. وظهرت مدارس كبرى في القرن السابع عشر مثل: الأكاديمية الملكية للفن التي أُسست في فرنسا عام 1648، وأكاديمية الفن في برلين التي أسست عام 1696.