لقد ثبت عن الإمام أبي حنيفة أنه ألف في علم الكلام كتابي "الفقه الأكبر" و"الفقه الأوسط"، وكتاب "العالم والمتعلم"، وكتاب "الرسالة" إلى مقاتل بن سليمان صاحب التفسير، وكتاب "الرسالة" إلى عثمان البتي فقيه البصرة، وكتاب "الوصية" وهي وصايا عدة لأصحابه. ولقد ترك الإمام أبو حنيفة عدة رسائل صغيرة في علم الكلام نسبت إليه، وقام بشرحها بعض أئمة المذهب الحنفي. ولقد ذكر ابن نديم في ترجمته لأبي حنيفة والكتب التي صنفها أن له: كتاب الفقه الأكبر، وكتاب رسالته إلى البتي، وكتاب العالم والمتعلم، وكتاب الرد على القدرية.
- الفقه الأكبر: قد نال عناية المتقدمين، وهو رسالة صغيرة طبعت وحدها في بضع ورقات في حيدر آباد في الهند، وله عدة روايات منها رواية حماد بن أبي حنيفة وقد شرحها ملا علي القاري، ورواية أبي مطيع البلخي، وهي معروفة بالفقه الأبسط وشرحها أبو الليث السمرقندي، وعطاء بن علي الجورجاني، وهناك روايات وشروح أخرى. ولقد نسب شرح الفقه الأكبر خطأ إلى أبو منصور الماتريدي. وكما لم يسلم نسبة الشرح للفقه الأكبر إلى بعض الشراح من الشك، فإن نسبة الفقه الأكبر لأبي حنيفة لم تسلم من الشك كذلك. فلقد ذكر الشيخ محمد أبو زهرة أن نسبة الفقه الأكبر لأبي حنيفة موضع نظر عند العلماء، فلم يتفقوا على صحة نسبة هذا الكتاب إليه، ولم يدع أحد الاتفاق على صحة هذه النسبة، حتى أشد الناس تعصباً له، ويعلل ذلك أنه قد ذكرت مسائل في الفقه الأكبر لم يكن الخوض فيها معروفاً في عصر أبي حنيفة ولا العصر الذي سبقه، فلم نجد فيمن قبله ولا من معاصريه من المصادر من تصدى للتفرقة بين الآية والكرامة والاستدراج، مما يدفعنا إلى الظن بأن هذه المسائل قد زيدت في الرسالة في العصور التي خاض العلماء فيها في هذه المسائل، أو أن الرسالة كلها كتبت في العصور المتأخرة متلاقية مع آراء الماتريدية والأشاعرة فيها.
وخلاصة ما اشتمل عليه الفقه الأكبر هو بيان أصل التوحيد وما يصح الاعتقاد عليه وذكر عدة قضايا كلامية من غير إيراد أدلة تفصيلية، وهو لم يتعرض للدليل في الفقه الأكبر إلا في موضعين: الأول: مشكلة خلق القرآن، والثاني: بيان ذكر اليد والوجه والنفس لله تعالى. ونرى في الفقه الأكبر اهتماماً بالحديث عن الإيمان والإسلام ومسألة التكفير والتفسيق، وفي هذا رد على الخوارج، وكذلك الحديث عن مسألة خلق الأفعال كرد على القدرية، ومسألة أخرى تتصل بصفات الله تعالى، ونفي التشبيه والتجسيم كرد على المجسمة والمشبهة. ومسألة النبوة وعصمة الأنبياء، ومعجزات الأنبياء، والكرامات للأولياء، ورؤية الله، وبيان مسمى الدين وأن اسمه جامع للشرائع كلها، والشفاعة والمسائل السمعية من وزن الأعمال والجنة والنار وعذاب القبر.
- الفقه الأبسط: وهو الفقه الأكبر برواية أبي مطيع، وعرف بالفقه الأبسط تمييزاً له عن الفقه الأكبر برواية حماد بن أبي حنيفة عن أبيه. وأبو مطيع هو الحكم بن عبد الله البلخي صاحب أبي حنيفة، حدّث عن أبي عون وهشام بن حسان عن أحمد بن نوح وخالد بن سالم الصفار وجماعة، تفقه به أهل تلك الديار. وقد شرح أبو الليث السمرقندي هذه الرسالة: الفقه الأكبر رواية أبي مطيع المعروف بالفقه الأبسط، وأبو الليث توفى سنة 373 هـ وقد نسب هذا الشرح خطأ إلى أبي منصور الماتريدي. ورسالة الفقه الأبسط تغاير في نمطها رسالة الفقه الأكبر، إذ أن القضايا الكلامية الواردة فيها عبارة عن إجابة لأسئلة تلميذ الإمام الأعظم وهو أبو مطيع. ونجد في هذه الرسالة بعض الأدلة التفصيلية لبعض القضايا الكلامية، وطريقة إيجاد الأدلة على القضايا الكلامية في الفقه الأبسط يخالف ما ساقه في الفقه الأكبر إذ في رسالته هذه يجيب على أسئلة أبي مطيع، ويوضح توضيحاً كاملاً بناء على استيضاحه، ولذلك نجد بعض القضايا الكلامية في هذه الرسالة قد أعطى لها حقها الكامل في التوضيح رداً على أسئلة التلميذ.
- العالم والمتعلم: هذه الرسالة تختلف عن الرسائل الأخرى لأنه لم يبدأ فيها بالإيمان وما يتعلق به، بل أشار أولاً إلى أن العمل تبع للعلم، كما أن الأعضاء تبع للبصر، ونجد فيه شرحاً للعدل والجور، وإشارة إلى بعض آراء الفرق في نزع الإيمان من الزاني، وبيان الناسخ والمنسوخ، ويسوق البحث إلى الفرق بين الشريعة والدين وأن الدين هو التوحيد أوصى الله أنبياءه بالدعوة إليه، كما أننا نقرأ في صدر هذه الرسالة دفاعاً عن علم الكلام، ومما انفرد به الإمام في رسالته العالم والمتعلم أن استعمل القياس فيها استدلالاً على القضايا الكلامية في عدة مواضع، كالاستدلال على مغايرة الإيمان للعمل.
- رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي: لقد أراد الإمام في هذه الرسالة أن ينفي الإرجاء عن نفسه وكتب للبتي أن ما بلغه عنه من المرجئة ليس له أصل وأنه ليس مرجئ، وبدأ الإمام رسالته ببيان بعثة النبي وأن الناس قبله كانوا أهل شرك، فدعاهم النبي إلى الإسلام ثم نزلت الفرائض بعد ذلك على أهل التصديق الذين قبلوا واستقبلوا الإسلام، والإمام يريد أن يمهد الطريق إلى القول بأن ترك الأعمال لا يفضي إلى ترك الإيمان، وأن الإيمان هو التصديق والإقرار، وأن العمل ليس ركنا من أركان الإيمان.
- الوصية: رسالة في سطور ذكر الإمام فيها بعض القضايا الكلامية، وبدأها ببيان مذهبه في الإيمان، وبعض القضايا الكلامية الأخرى، وهناك شرح للوصية لملا حسين بن اسكندر الحنفي بعنوان: "الجوهرة المنيفة في شرح وصية الإمام أبي حنيفة".
إلا أن آراء أبي حنيفة الكلامية لا تقتصر على هذه الرسائل بل توجد له آراء متناثرة خاصة في كتب المناقب التي صنفت في ذكر مناقب الإمام الأعظم، كذلك مؤلفات الإمام أبي يوسف ومحمد. كما أملى الإمام أبو حنيفة وكتب الأحاديث النبوية، فقد أخذ أحاديث كثيرة من رواته الأعلام، حتى جمع منه صناديق، وانتخب الآثار التي قال بها من أربعين ألف حديث، وقد أخذ حديث الكوفة والعراق وغيرها، غير أنه شُغل عن رواية الحديث بفقه الحديث وفهمه وجمع نصوصه. وقد رُوي عن يحيى بن نصر بن حاجب أنه قال: سمعت أبا حنيفة يقول: «عندي صناديق من الحديث ما أخرجت منها إلا اليسير الذي يُنتفع به». ولقد جُمع حديث أبي حنيفة في سبعة عشر مسنداً، وكان أبو حنيفة أول من صنف في الحديث النبوي الشريف مرتباً على أبواب الفقه.
Source: wikipedia.org