If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
و مع تولي الشيخ سوف زعامة وقيادة المحاميد، سرعان ما ناصبته السلطات التركية العداء، فطالبته بدفع الضرائب، فلم يكن امامه إلا أن ينتقل مع من معه من المحاميد وحلفائهم إلى المناطق الحدودية بين طرابلس وتونس، بل انهم توغلوا داخل الأراضي التونسية القريبة من الحدود، واخذوا يغيرون على القبائل الطرابلسية الموالية للاتراك والقاطنة قرب الحدود، ويفتكون ابلها ومواشيها تحديا وتمردا ضد السلطات التركية، وبذلك فقد شكلوا خطرا ومصدر قلق كبيرين للأتراك الذين سعوا من جديد امام تفاقم الأوضاع إلى التصالح معهم والعمل على ضرورة اعادتهم إلى داخل الأراضي الطرابلسية حتى يتجنبوا إثارة مشاكل أخرى مع فرنسا التي كانت تحتل وتسيطر على تلك الأراضي التونسية- وفعلا تم الصلح بين الجانبين خلال سنة 1882م، ومنح الشيخ سوف منصب قائمقام في منطقة الحوض الممتدة من الجبل الغربي إلى سهل الجفارة وهو أول منصب رسمي فيما يبدو يتولاه الشيخ سوف وعمره يناهز الخامسة والعشرين ربيعا، إلا أن عودة المحاميد ومن كان معهم لم يكتب لها النجاح، ذلك ان الأتراك سرعان ما اتهموا الشيخ سوف بايواء معارضيهم فعاد الخلاف بين الجانبين، ورجع المحاميد واتباعهم إلى مناطق الحدود مع تونس ، وهناك شكل المحاميد ومن معهم من التونسيين وغيرهم من الثائرين حيث انضم إليهم عدد من البدو الآخرين، واخذوا يهاجمون السلطات والأهالي المستسلمين بغارات متواصلة، مما دفع فرنسا ان تطلب من الحكومة العثمانية سرعة ابعاد القبائل التونسية المهاجرة داخل الإيالة الطرابلسية لانها كانت من وراء تلك الأحداث بالتعاون مع بعض رجال القبائل الطرابلسية، وقد اضطر الباب العالي ان يلزم سلطاته في ولاية طرابلس الغرب بان تخير تلك القبائل التونسية بين امرين اما التوجه إلى المناطق الشرقية من إقليم طرابلس (مصراتة-سرت) بحيث لا يعود في مقدورها مساندة المقاومة أو القيام بها داخل التراب التونسي، إلا أن أولئك التونسيين قد رفضوا ذلك واحتموا بالشيخ سوف الذي حماهم من تسلط الحكومتين الفرنسية والتركية.
و عبثا احتجت الحكومة الفرنسية على أعمال الإغارة والتحريض والتمرد، فقامت بمهاجمة وضرب الثوار واعوانهم ومن ذلك المعركة التي تعرف (يوم العثنبي) والتي هجم فيها ثلاثمئة فارس مسلح من القوات الفرنسية على جموع من قبيلة المحاميد-دون سواهم-القاطنة بارض العثنبي داخل الأراضي التونسية، وكان ذلك الهجوم في أول أيام عيد الاضحى المبارك, وقد جرح الشيخ سوف في المعركة.
و قد حاول العثمانيين عبثا منع الشيخ سوف من القيام بغزواته ضد الفرنسيين، ولكنهم عجزوا عن وضع يدهم عليه، فلم يفلحوا في القاء القبض عليه رغم المحاولات العديدة، فاضطروا أخيرا إلى اللجوء للعمل على التفاهم معه وكسب وده، وانهاء الخلافات وعلى عودته مع جميع اتباعه إلى داخل الأراضي الطرابلسية.
و يشير تقرير الذي اعده مكتب الاستعلامات الإيطالي بطرابلس ان الوالي العثماني رجب باش قام من أجل ذلك بتعيين الشيخ سوف مديرا لمنطقة (الحوض-قطيس) سنة 1890م، ويضيف التقرير يقول "... عندها فقط بدأ وكأنه استسلم للسلطة ولكن كان ذلك ظاهريا، إذ ان قبيلته استمرت في ممارسة اعمال السلب والنهب والقيام بالاغارات على الحدود التونسية غير ابهة بالاحتجاجات المتكررة التي تقدمها الحكومة الفرنسية ضد الشيخ سوف الذي اعتبرته المسؤول والمحرض على تلك الاعمال..". إلا أن العلاقة سائت مع العثمانيين من جديد فاعفوه من منصبه وحاول القبض عليه ولكنهم لم يفلحوا في ذلك.
يبدو أن الوالي العثماني الجديد رجب باشا 1904-1908م قد قام بعديد من الجهود في سبيل إصلاح أحوال ايالة طرابلس الغرب والتي كان من بينها انهاء الخلافات المحلية وخاصة مع المحاميد بصفة مطلقة حيث قام بتعيين الشيخ سوف مديرا لمنطقة الحوض، واغدق عليه المنح الوفيرة والهدايا الكثيرة، كما عينه مديرا في منطقة مزدة فيما بعد.. و يذكر ان ابن الشيخ سوف المدعو عبد الصمد الذي كان يدرس في الكلية الحربية بأستنبول كان له دور في انهاء الخلافات بين المحاميد والسلطة العثمانية، وبذلك انتهت المشاكل -فيما يبدو- بين الطرفين، ولم يكن له أي اثر فيما بعد.