العربية  

books edward said

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

إدوارد سعيد (Info)


إدوارد وديع سعيد (1 نوفمبر 1935 القدس - 25 سبتمبر 2003 نيويورك) Edward W. Said مُنظر أدبي فلسطيني-أمريكي. يعد أحد أهم المثقفين الفلسطينيين وحتى العرب في القرن العشرين سواءً من حيث عمق تأثيره أو من حيث تنوع نشاطاته، بل ثمة من يعتبره واحداً من أهم عشرة مفكرين تأثيراً في القرن العشرين. كان أستاذاً جامعياً للنقد الأدبي والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الاستعمارية (ما بعد الكولونيالية). ومدافعاً عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، وقد وصفه روبرت فيسك بأنه أكثر صوتٍ فعالٍ في الدفاع عن القضية الفلسطينية.

كان إدوارد سعيد من الشخصيات المؤثرة في النقد الحضاري والأدب وقد نال شهرة واسعة خصوصاً بكتابه «الاستشراق» المنشور سنة 1978، وفيه قدّم أفكاره واسعة التأثير عن دراسات الاستشراق الغربية المختصة بدراسة الشرق والشرقيين. قامت أفكاره على تبيان وتأكيد ارتباط الدراسات الاستشراقية وثيقاً بالمجتمعات الإمبريالية معتبراً إياها منتجاً لتلك المجتمعات ما جعل للاستشراق أبعاداً وأهدافاً سياسيةً في صميمه وخاضعاً للسلطة ولذلك شكك بأدبياته ونتائجه. وقد أسس طروحاته تلك من خلال معرفته الضليعة بالأدب الاستعماري، وفلسفة البنيوية و"ما بعد البنيوية" ولاسيما أعمال روادهما مثل ميشيل فوكو وجاك دريدا. أثبت كتاب «الاستشراق» ومؤلفاته اللاحقة تأثيرها في الأدب والنقد الأدبي فضلاً عن تأثيرها في العلوم الإنسانية، وقد أثر في دراسة الشرق الأوسط وعلى وجه الخصوص في تحول طرق وصف الشرق الأوسط. جادل إدوارد سعيد حول نظريته في الاستشراق مع مختصين في التاريخ، وبفعل كون دراساته شكلت منعطفاً في تاريخ الاستشراق فقد اختلف العديد معه ولاسيما المستشرقون التقليديون أمثال برنارد لويس. ومونتغمري واط.

عُرف إدوارد سعيد كمفكرٍ عام، فضمت مجالات اهتمامه بشكلٍ دائمٍ شؤوناً ثقافية وسياسية وفنية وأدبية في المحاضرات والصحف والمجلات والكتب، ونافح -من واقع دراساته النظرية كما تجربته الشخصية كمقدسي ترعرع في فلسطين وقت إنشاء دولة إسرائيل- عن إنشاء دولة فلسطين فضلاً عن حق العودة الفلسطيني، وطالب بزيادة الضغط على إسرائيل خاصةً من قبل الولايات المتحدة مثلما انتقد العديد من الأنظمة العربية والإسلامية. حازت مذكراته «خارج المكان» المؤلفة سنة 1999 على العديد من الجوائز مثل جائزة نيويورك لفئة غير الروايات، كما حاز سنة 2000 على جائزة كتب أنيسفيلد-ولف لفئة غير الروايات وغيرها.

كان إدوارد سعيد عضواً مستقلاً في المجلس الوطني الفلسطيني في الفترة (77-1991) واستقال منه احتجاجاً على اتفاقية أوسلو.

كما كان عازف بيانو بارعاً، وقام مع صديقه دانييل بارينبويم بتأسيس أوركسترا الديوان الغربي الشرقي سنة 1999 وهي مكونة من أطفالٍ فلسطينيين وإسرائيليين وعربٍ من دول الجوار، ومشاركةً مع بارينبويم أيضاً نشر سنة 2002 كتاباً عن محادثاتهم الموسيقية المبكرة بعنوان "المتشابهات والمتناقضات: استكشافات في الموسيقا والمجتمع". بقي إدوارد سعيد نشطاً في مجالات اهتمامه حتى آخر حياته وتوفي بعد نحو عشرة أعوامٍ من الصراع مع مرض اللوكيميا leukemia سنة 2003.

حياته المبكرة

ولد إدوارد سعيد في القدس في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1935. والده وديع وليام إبراهيم سعيد الفلسطيني البروتستانتي خدم في الحرب العالمية الأولى في فرنسا ضمن القوات الأمريكية تحت إمرة الجنرال جون بيرشنغ ما أهله لنيل الجنسية الأمريكية، وانتقل قبل ولادة إدوارد بعقدٍ إلى القاهرة ليؤسس مع ابن عمٍّ له شركة أدواتٍ مكتبية وقرطاسية، أما والدته نصف اللبنانية فمن مواليد الناصرة. لإدوارد -أول الأولاد- أربع شقيقاتٍ أكبرهن المؤرخة روزماري سعيد زحلان (1937- 2006).

عاش إدوارد حتى الثانية عشرة متنقلاً بين القدس والقاهرة والتحق بالمدرسة الإنجيلية ومدرسة المطران في القدس سنة 1947، غير أن المحامي والصحفي الإسرائيلي جوستوس وينر زعم أنه قضى هذه الفترة في القاهرة ولم يلتحق بمدرسة المطران سوى فترةٍ قصيرةٍ جداً مدّعياً أن ليس ثمة وثائقُ مدرسيةٌ تثبت ارتياده لها. هدفَ وينر إلى زرع الشك بنشأة إدوارد في فلسطين وانتمائه لها، وذكر أنه لم يقابله ليسأله عن ذلك لكن لديه من الأدلة -التي أمضى ثلاث سنواتٍ في تحصيلها- ما جعله لايحتاج مقابلته لتأكيد ذلك أو نفيه، وعقب: "الأدلة أصبحت دامغة، لايوجد داعٍ لأن أكلمه وأقول له أنت كاذب، أنت محتال".

تصدى ثلاثة صحفيين ومؤرخٌ لتكذيب دعوى وينر. ذكر ألكسندر كوكبورن وجيفري كلير في صحيفة كاونتربنش أن هايج بويادجين أعلمهما أنه أخبر وينر بدراسته مع إدوارد في الصف نفسه في مدرسة المطران لكن وينر تعمد حذف ذلك. وكتب كريستوفر هيتشنز في مجلة "ذا نيشن" أن المعلمين والخريجين أكدوا بأن إدوارد كان في تلك المدرسة، في حين علق المؤرخ المختص بتاريخ تأسيس الكيان الصهيوني عاموس إيلون في "نيويورك ريفيو أوف بوكس" أن وينر فشل بأن يُثبت أن إدوارد لم يكُ وعائلته في القدس شتاء سنة (47-1948) وأنه هاجر مع أهله إلى مصر على خلفية الحرب، والحقيقة أن أملاكهم في القدس صودرت وأضحت العائلة من اللاجئين لرفض إسرائيل عودتهم. جاء ردّ وينر عدائياً فاعتبر إيلون خان الأمانة وهيتشنز جعل من نفسه مجرد ملصق عن صبي فلسطيني. أما "سعيد" فقال عن حياته المبكرة تعليقاً منه على ناشري مجلة كومينتاري المحافظة -التي هاجمته بثلاث مقالاتٍ طويلةٍ كان آخرها مقالة لوينر-: "هناك عشرات الأخطاء فيما عرضوا من الحقيقة". كان هذا بعضٌ مما تعرض له إدوارد سعيد في حياته من مضايقاتٍ واضطهاداتٍ بسبب أفكاره. عند اندلاع حرب 48 انتقلت عائلته من حي الطالبية في القدس إلى القاهرة.

أواخر الأربعينات ألحقه والده بكلية فيكتوريا Victoria College في الإسكندرية وهي من أقدم وأكبر المدارس الإنجليزية في مصر وتعتبر لأولاد الطبقة الثرية وكانت الإقامة بها داخلية، وطرد منها سنة 1950 لكونه مشاغباً، ليرسله والده وهو في الخامسة عشرة إلى مدرسةٍ داخليةٍ نخبويةٍ في ماساتشوستس-الولايات المتحدة. كان إرساله لأمريكا بهدف إقامته فيها قبل بلوغه الثامنة عشرة ليستطيع الحصول على الجنسية (بحسب القانون وقتئذ). ذكر فيما بعد أن السنة الأولى كانت جدّ تعيسةٍ شعر فيها بأنه خارج المكان (وهو الاسم الذي ارتآه فيما بعد لمذكراته إشارةً منه إلى غربته ولا انتمائه). مالبث سعيد أن تدبّر أمره وأحسن صنعاً ليحرز الترتيب الأول أو الثاني على مئةٍ وستين طالباً. أثرت تلك السنة على مستقبل حياته لمقابلته أناساً من ثقافاتٍ عدةٍ وللتشابك وتنامي الإحساس لديه بأنه خارج المكان. وصف سعيد في سيرته الذاتية القسط الأوفر من حياته المبكرة: "غير أن الغالب كان شعوري الدائم أني في غير مكاني"، ولعلها بواكير شعور المبدع بالغربة في عالمٍ رتيبٍ من شدة صرامته.

تابع دراسة الآداب وتخرج من جامعة برنستون سنة 1957، ثم حصل على ماجستير الآداب سنة 1960، ثم -بمنحةٍ دراسيةٍ- على الدكتوراة في النقد الأدبي والأدب المقارن سنة 1963 من جامعة هارفرد برسالةٍ عن الروائي البولوني-الإنجليزي جوزيف كونراد وروايته "قلب الظلام The Heart of Darkness" عن الاستعمار البلجيكي للكونغو.

نشاطه

انضم "سعيد" سنة 1963 إلى جامعة كولومبيا قسم اللغة الإنكليزية والأدب المقارن وبقي ثمة حتى وفاته سنة 2003. عمل أستاذاً زائراً للأدب المقارن في جامعة هارفرد سنة 1974. وسنة 75-1976 أصبح زميلاً لمركز الدراسات المتقدمة للعلوم السلوكية التابع لجامعة ستانفورد، وسنة 1977 أستاذاً مساعداً للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا، وفي وقتٍ لاحقٍ أستاذ للسلطنات القديمة وتأسيس حقوق الإنسان، وسنة 1979 أستاذاً زائراً في جامعة جونز هوبكينز. كما عمل أستاذاً زائراً في جامعة ييل وحاضر في أكثر من مئة جامعة وحصل سنة 1992 على لقب أستاذٍ جامعيٍّ في جامعة كولومبيا وهي أعلى درجةٍ علميةٍ أكاديميةٍ. كما عمل رئيساً لجمعية اللغة الحديثة، ومحرراً في فصلية "دراسات عربية"، وكان عضواً في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم وعضو تنفيذٍ في نادي القلم الدولي والأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب والجمعية الملكية للأدب والجمعية الأمريكية للفلسفة.

دُعي إدوارد سعيد عام 1993 لإلقاء محاضراتٍ في البرنامج الإذاعي السنوي محاضرات ريث في الـ بي بي سي ليقدمَ في ست حلقاتٍ محاضراتٍ بعنوان "تمثيل المثقف" وهي تبحث دور المثقفين في المجتمعات الحديثة، وقد أتاحتها الـ بي بي سي للعامة سنة 2011.

وكان ينشر بشكلٍ مستمرٍّ في دورية ذا نيشن وصحيفة الغارديان ومجلة لندن ريفيو أوف بوكس وصحيفة لوموند ديبلوماتيك وصحيفة كاونتربونش وصحيفة الأهرام القاهرية إضافة إلى صحيفة الحياة اللندنية. كتاباته المترجمة إلى ستٍ وعشرين لغة شملت قضايا سياسية وأدبية وشؤون الشرق الأوسط والموسيقا والثقافة.

كان إدوارد سعيد متقناً للغات الإنكليزية والعربية والفرنسية، وعلى الرغم من إقامته منذ سنٍّ مبكرٍ في الولايات المتحدة إلا أنه كان قارئاً ثم كاتباً مواظباً بالعربية على عكس عديدٍ من الكتاب العرب ممن عاشوا في الغرب.

أعماله

فاتحة أعمال "سعيد" كتاب «جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية Joseph Conrad and the Fiction of Autobiography» الصادر سنة 1966 وهو امتدادٌ لأطروحته للدكتوراة. بعد ذلك مستنداً لأفكار الفيلسوف الإيطالي جيامباتيستا فيكو (1668–1744) وآخرين وضع كتاب «بدايات: القصد والمنهج» سنة 1974 ليشرح وجهة نظره في الأسس النظرية للنقد الأدبي، ومن بين كتبه النقدية «العالم والنص والناقد» سنة 1983 ويمثل انطلاقة جديدة للنظرية الأدبية المعاصرة، وفيه يبين التأثيرات العقائدية (الإيديولوجية) على الناقد بحيث يتم فرضُ أعمالٍ أدبيةٍ تلبية لهذه النظرية أو ذاك النظام الإيدولوجي. رأى سعيد أن على الناقد الأدبي أن يحافظ على مسافةٍ واحدةٍ من جميع الثقافات والعقائد الإيديولوجية والتقاليد والمعتقدات. سنة 1994 نشر «تمثلات المثقف» مجموعة محاضراتٍ ألقاها في الـ بي بي سي عن ظهور المثقف الإعلامي والتمايز بين أنواع المثقفين بين مثقف يرتبط بمؤسساتٍ تستخدم المثقفين لتنظيم مصالحها واكتساب المزيد من السلطة والسيطرة أي إن وظيفته تغيير العقول وتوسيع الأسواق، ومثقف تقليدي يقوم بعملٍ ما ويواصل القيام به من دون تغيير جيلاً بعد جيل مثل المدرس والراهب والإداري، ومثقف نخبوي يعتبر نفسه ضمير الإنسانية.

عبر سعيد عن اهتماماته الموسيقية في كتاب «متتاليات موسيقية» سنة 1991 محاولاً ربط الموسيقى ببعديها الثقافي والسياسي، كما نشر العديد من الأعمال التي تخص القضية الفلسطينية مثل كتاب «قضية فلسطين» سنة 1979 منطلقاً من بداية الأحداث بولادة الحركة الصهيونية وانتشار إيديولوجيتها ضمن الثقافة الاستعمارية الأوروبية وتشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين وفي الوقت ذاته عرض نبذةً عن تاريخ الشعب الفلسطيني مقدماً عرضاً شاملاً حول الخصائص السكانية والاجتماعية المميزة لهذا الشعب، ومن خلال عرض كمٍّ كبيرٍ من الوثائق وتفسيرها يصر إدوارد سعيد على قضية أن فلسطين -في القرنين التاسع عشر والعشرين- لم تك صحراء لا شعب فيها بل مجتمعًا مَدَنِيًّا ذا كيانٍ سياسيٍّ يناهز تعداده ستمائة ألفٍ. في سياق انتقاده اتفاقية أوسلو ألّف كتابين «غزة-أريحا: سلام أمريكي» و«أوسلو: سلام بلا أرض» سنة 1995. لإدوارد سعيد ثمانية عشر كتاباً في مواضيع شتى إلا أن «الاستشراق» صُنِّفَ كأحد أهم أعماله إن لم يك أهمها فعلاً إذ شكَّل بداية فرع العلم (الحقل الأكاديمي) الذي يعرف بدراسات ما بعد الكولونيالية وفيه اعتبر ظاهرة الاستشراق لم تك إلا تلبيةً لحاجة المجتمعات الاستعمارية، وأتبعه بكتابيه «قضية فلسطين» (1979) و«تغطية الإسلام» (1980) اللذين اعتبرهما تكملة له، ثم «الثقافة والإمبريالية» (1993) الذي قال عنه في مقدمته إنه بمنزلة الجزء الثاني لـ«الاستشراق» لتشكل سلسة كتبٍ يحاول فيها أن يشرح العلاقة المتشابكة والمعقدة القائمة في العصر الحديث بين العرب والإسلام والشرق عموماً والغرب متمثلاً ببريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة خصوصاً.

الاستشراق

    «تغطية الإسلام» كتابٌ صدر سنة 1981 ويعدّه سعيد الجزء المكمّل لكتابه «الاستشراق»، ويحاول من خلاله رصد النظرة الغربية الحديثة للعالم الإسلامي، لذلك يرصد ردود فعل العالم الغربي وخصوصاً الأمريكي تجاه العالم الإسلامي والذي يُنظر له بصفته موقعاً شديد الحيوية وفي الوقت نفسه مصدراً للمتاعب نتيجة الشعور بنقص تزويد الطاقة والبترول لهم:

    إن التغطية الإعلامية للإسلام حسب إدوارد سعيد مليئة بالمغالطات وبعيدة عن الموضوعية حيث يتم تصوير الإسلام كدين[؟] يتميز بالعصبية العرقية والكراهية الثقافية والجنسية، في حين تحظى المسيحية واليهودية باحترام كبير. ويجادل على ذلك بالاستشهاد بدور الصحفيين المرسلين إلى مناطق النزاعات والذين ليس لهم معرفة بهذه المجتمعات، فمثلاً خلال أزمة الرهائن الأمريكيين أثناء الثورة الإيرانية أرسل ما يقارب 300 صحفي دون أن يكون بينهم واحدٌ يعرف اللغة الفارسية الأمر الذي جعلهم يكتبون تقارير شبه جاهزةٍ وأحياناً سطحية لاتعدو كونها مجرد قوالبَ شكليةٍ ومعدةٍ من قبل.

    وهو يرى أن الأزمة تتعدى الصحافة لتصل إلى المؤسسات الأكاديمية فهو يعجب من أن طالب الماجستير أو الدكتوراة المتخرج من الجامعات الكبرى الأمريكية والأوروبية في مجال الشرق الأوسط تجده لايتقن اللغة العربية ولايجيدها. بهذه الصورة يرى واقع ما يحدث في الإعلام الغربي والدراسات الغربية ضد الإسلام، من إطلاق التعميمات التي تؤكد أن الإسلام هو تهديد للحضارة الغربية، ومحاولة إعطاء أمثلة على ذلك التهديد عن طريق عرض سلوكياتٍ وآراءٍ فرديةٍ لا علاقة لها بالإسلام الحقيقي، كما ارتبطت كلمة العالم الثالث بالشرق الأوسط ما جعل ثمة نظرة دونية لعالم الشرق الأوسط. ساعدت تقانة الإعلام الأمريكي وسطوته على العالم عموماً والعالم العربي خصوصاً على تبني وتثبيت أفكار هذا الإعلام من قبل المستقبلين والمستمعين:

    من خلال «تغطية الإسلام» تابع إدوارد سعيد رؤيته في كتاب «الاستشراق» إذ قسم العالم قسمين شرقي وغربي، ونُظر إلى الشرق على أنه الإسلام حيث حاولت وسائل الإعلام الحديثة -التي حلت مكان المستشرقين التقليديين- إيصال صورة مختزلة ومشوهة عن الإسلام الحقيقي.

    النشاط السياسي

    نشاطه في القضية الفلسطينية

    يقول سعيد في سيرته الذاتية: "عام سبعةٍ وستين كان مدمراً لي ولكل شيءٍ عرفته، كنت وحيداً في أمريكا وقتها حيث شاع فيها إحساسٌ عارمٌ بالنصر -ليس فقط في أوساط اليهود وحسب- وإنما عند الجميع... لم أعد الإنسان ذاته بعد عام سبعةٍ وستين، فقد دفعتني صدمة الحرب إلى نقطة البداية، إلى الصراع على فلسطين".

    شارك إدوارد سعيد طوال حياته في الجهد المبذول من أجل إقامة الدولة الفلسطينية، وكان عضواً مستقلاً في المجلس الوطني الفلسطيني في الفترة ما بين 1977 و1991 ومن أوائل المؤيدين لحل الدولتين. وقد صوت سنة 1988 في جلسة المجلس التي عقدت في الجزائر لصالح إقامة دولة فلسطين، ووضع للمؤتمر حينها -بالاشتراك مع محمود درويش- وثيقة إعلان دولة فلسطين، واستقال منه سنة 1991 احتجاجاً على اتفاقية أوسلو إذ اعتبر بنود الاتفاق وشروطه غير مقبولةٍ وسبق رفضها من قبلُ في مؤتمر مدريد 1991 ورأى أن اتفاقية أوسلو لن تقود إلى إقامة دولة فلسطينية حقيقية وهو ما ثبت فيما بعد، ناهيك أن مثل هذ الخطة رفضت سنة 1970 من قبل ياسر عرفات ذاته عندما عرضها إدوارد سعيد بنفسه عليه نيابةً عن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية. وعلق على ذلك بأن عرفات فرّط في حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى أراضي الـ48 وتجاهلَ تنامي الاستيطان. بلغت العلاقة بين إدوارد سعيد والسلطة الفلسطينية ذروة توترها سنة 1995 عندما حظرت السلطة الفلسطينية بيع كتبه في أراضيها، ولم تعد الأمور إلى مجاريها حتى عام 2000 عندما أثنى على رفض عرفات التوقيع على أي اتفاقيةٍ في قمة كامب ديفيد 2000. كان "سعيد" من المفندين دوماً للادّعاءات الصهيونية، ففي مقال له بعنوان "الصهيونية من وجهة نظر ضحاياها" فنّد الادعاء بالأحقية في أراضي فلسطين والمطالبة بوطن قومي لليهود مطالباً بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. ألف "سعيد" العديد من الكتب في القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي مثل «القضية الفلسطينية» (1979) و«سياسة التجريد» (1994) و«نهاية عملية السلام» (2000) إضافة لكتابين يتناولان اتفاقية أوسلو هما «غزة أريحا: سلام أمريكي» (1995) و«أوسلو: سلام بلا أرض» (1995). كما كتب تصديراً لكتاب المؤرخ إسرائيل شاحاك الذي علق على أن سلوك إسرائيل ضد الفلسطينيين راسخ ضمن العقيدة اليهودية بالتصريح بإجازة الأفعال الصهيونية للتغطية على الجرائم بما فيها القتل تجاه غير اليهودي. وصف سعيد شاحاك بأعظم مؤرخ عرفه على الإطلاق وكتابه لاينقصه شيءٌ سوى موجزٍ عن اليهودية الكلاسيكية والحديثة لتكون ثمة منطقية في فهم إسرائيل الحديثة وامتدح شجاعته بوصفه إسرائيل بأنها دولة نازية يهودية

    التقطت في الثالث من يوليو/تموز سنة 2000 صورة لإدوارد سعيد مع ابنه وهو يرمي حجراً عبر الحدود اللبنانية-الإسرائيلية باتجاه إسرائيل ومالبث النقد أن وُجّه له بصفته "متعاطفاً مع الإرهاب". وقد علق على الأمر بوصفه بـ"رمزية الفرح" لانتهاء الاحتلال الإسرائيلي للبنان. وأضاف "لم يكن هناك أحد، وأقرب مخفر كان على بعد نصف ميل"، وعلى الرغم من ادّعائه بأنه لم يستهدف أحداً إلا أنه وفقاً لشهود عيان لجريدة السفير البيروتية فإنه كان بعيداً حوالي تسعة أمتار عن جنودٍ إسرائيليين متموضعين على برج مراقبةٍ وأن الحجر الذي ألقاه ارتطم بالأسلاك الشائكة المحيطة بهذا البرج. أدت هذه الصورة إلى انتقادات واسعة ضمن هيئة التدريس في جامعة كولومبيا وبعض الطلاب ورابطة مكافحة التشهير مما دعا رئيس الجامعة لإصدار بيانٍ من خمس صفحاتٍ للدفاع عنه معتبراً ما قام به نوعاً من أنواع حرية التعبير وقال في دفاعه عنه: "على حد علمي أن الحجر لم يكن موجهاً لأحد، ولم يتم بهذا الفعل كسر أي قانون، ولم يتم توجيه أي اتهامٍ، ولم تتخذ أي دعوى جنائية أو مدنية بحق الأستاذ سعيد". كان لهذا الأمر بعض التداعيات ففي فبراير/شباط2001 ألغيت محاضرة كان لسعيد أن يلقيها في جمعية فرويد في فيينا وعلق رئيس الجمعية على ذلك بالقول إن الوضع السياسي في الشرق الأوسط أصبح أكثر تعقيداً وأدى إلى زيادة معاداة السامية، لذلك قررت الجمعية إلغاء المحاضرة تجنباً للصراعات الداخلية.

    كما قام "سعيد" بعمل فيلم وثائقي لتلفزيون الـ"بي بي سي" بعنوان "في البحث عن فلسطين"، ولم تنجح الـ بي بي سي في عرضه في قنوات الولايات المتحدة. علق سعيد على ذلك في "الثقافة المقاومة" الصادر سنة 2003 بتشبيه وضعه بوضع نعوم تشومسكي بوصفه عالماً لغوياً كبيراً ويلقى التكريم على ذلك، لكنه في الوقت نفسه مذموم ويلقى التهم بمعاداة السامية وعبادة هتلر ويتابع شرحه الأمر فيقول:

    ساهم إدوارد سعيد سنة 2003 مع حيدر عبد الشافي وإبراهيم الدقاق ومصطفى البرغوثي في تأسيس المبادرة الوطنية الفلسطينية والتي ابتغت تأسيس قوةٍ ثالثةٍ في السياسة الفلسطينية الديمقراطية منافسة لفتح وحماس.

    حصل عالم علم الإنسان ديفيد برايس سنة 2006 على 146 صفحةٍ من أصل ملفٍّ مكونٍ من 238 صفحةٍ للإف بي آي تكشف أن "سعيد" كان تحت المراقبة منذ بداية 1971 (أي قبل أن يغدو عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني وقبل أن يرى كتابه "الاستشراق" النور) ولم يستطع الحصول على معلومات حول العشرين السنة الأخيرة من حياته.

    نقده للسياسة الخارجية الأمريكية

    نقد إدوارد سعيد في الطبعة المنقحة لكتاب «تغطية الإسلام» الصادر سنة 1997 التقارير المنحازة للصحافة الغربية وخصوصاً وسائل الإعلام حول المؤامرات الإسلامية لتفجير المباني، وتسميم المياه وتخريب الطائرات التجارية. وقد عارض السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط والعديد من الأماكن الأخرى، منتقداً مشاركة الولايات المتحدة في كوسوفو وقصف العراق أثناء ولاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، كما كان الدعم الأمريكي لإسرائيل موضع نقد متواصل من قبله. وعلى الرغم من تزايد معاناته بسبب مرض اللوكيميا فإنه أمضى العديد من أشهره الأخيرة في نقد ومهاجمة غزو العراق (2003). فعلى سبيل المثال قال في مقابلة له مع جريدة الأهرام في أبريل/نيسان 2003:

    الموسيقا

    لم يك إدوارد سعيد من محبي الموسيقا فقط، لكن عازف بيانو بارعاً أيضاً. وقد كتب العديد من المواضيع حول الموسيقا في مجلة "ذا نيشن" لعدة سنوات. كما ألف ثلاثة كتب حول الموسيقا، وهي «متتاليات موسيقية» وكتاب «المتشابهات والمتناقضات: استكشافات في الموسيقا والمجتمع» بالاشتراك مع دانييل بارينبويم، والأخير بعنوان عن «النموذج الأخير: الموسيقا والأدب ضد التيار». رأى سعيد في الموسيقا انعكاساً لأفكاره في الأدب والتاريخ ووجد إمكانية حياةٍ حقيقيةٍ في أجزائه وإنجازاته الجريئة. وقد نشرت له عن جامعة كولومبيا بعد وفاته (2007) مجموعة مقالاتٍ بعنوان "حدود الموسيقا".

    تأثر المؤلف الموسيقي محمد فيروز بكتابات سعيد، فقد عنون سيمفونيته الأولى باسم "تحية إلى الراقصة بيلي"، بينما عنون سوناتا البيانو باسم "تأملات في المنفى" استيحاءً من اسم مذكرات إدوارد سعيد.

    أسس سنة 1999 بالاشتراك مع صديقة دانييل بارينبويم أوركسترا الديوان الغربي الشرقي. تتألف الفرقة من شبانٍ من فلسطين وإسرائيل وبعض الدول العربية المجاورة، وقد أدت معزوقاتها على نطاق عالمي بما فيها فلسطين وإسرائيل. وعمل مع بارينبويم على تأسيس مؤسسة بارينبويم-سعيد ومقرها إشبيلية. تلقت هذه المؤسسة تمويلاً من الحكومة سنة 2004 ووضعت أهدافاً تتضمن "التعليم من خلال الموسيقا" بالإضافة إلى إدارة فرقة أوركسترا الديوان الغربي الشرقي. كما ساعدت في عدة مشاريع مثل أكاديمية دراسات الأوركسترا، والتربية الموسيقية في فلسطين ومشروع التعليم الموسيقي المبكر للأطفال في إشبيلية.

    الجوائز

    إلى جانب تكريمه بعضويات والمشاركة في العديد من المؤسسات المرموقة، حصل إدوارد سعيد على عشرين شهادةً فخريةً من جامعاتٍ عالمية. فحصل من جامعة هارفرد على جائزة بودوان (Bowdoin Prize)، وعلى جائزة ليونيل تريلينغ (Lionel Trilling Award) مرتين، أولاهما كانت النسخة الأولى من هذه الجائزة. كما حصل على جائزة ويليك (Wellek Prize) من قبل الجمعية الأمريكية للأدب المقارن، وعلى جائزة اسبينوزا. وسنة 2001 حصل على جائزة لانان الأدبية عن مجمل إنجازاته، وسنة 2002 نال جائزة أمير أستورياس، وكان أول أمريكي يحصل على جائزة سلطان بن علي العويس وسنة 1999 حصلت سيرته الذاتية «خارج المكان» على جائزة نيويوركر لفئة غير الروايات وسنة 2000 على جائزة كتب أنسفيلد وولف للفئة نفسها، وجائزة مورتون داوين زابل للأدب (Morton Dauwen Zabel). كما دُوّن اسمه كراعٍ فخري لجامعة الجمعية الفلسفية وكلية ترينتي في دبلن بعد وفاته بوقت قصير.

    وفاته

    "أيّاً كانت إنجازات المنفي فإنها خاضعةٌ على الدوام لإحساس الفقد" -إدوارد سعيد-

    أمضى إدوارد سعيد جلّ حياته في الغربة، وهو عتب فيما بعد على أهله أشد العتب لأنهم لم يسمحوا له بالانخراط في مجتمعه الذي نشأ فيه، وبالتالي لم يتسنّ له معرفته معرفةً وثيقة، وقد سمّى غربته بالنفي. يتحدث عن رؤيته في سيرته الذاتية: "المنفى هوّةٌ قسريةٌ لاتنجسر بين الكائن البشري وموطنه الأصلي، وبين النفس ووطنها الحقيقي، ولايمكن التغلب على الحزن الناجم عن هذا الانقطاع، وأيّاً كانت إنجازات المنفي فإنها خاضعةٌ على الدوام لإحساس الفقد".

    توفي إدوارد سعيد في إحدى مشافي نيويورك صباح 25 سبتمبر/أيلول 2003 عن عمرٍ ناهز سبعةً وستين عاماً بعد صراعٍ لنحو عشرة أعوامٍ مع مرض ابيضاض الدم الليمفاوي المزمن (اللوكيميا)، وقد أوصى أن ينثر رماده في دولةٍ عربيةٍ واختار لبنان ونقل رماده في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2003 إلى مقبرة برمّانا الإنجيلية في جبل لبنان بحضور شقيقته روزماري سعيد زحلان، وزوجته مريم وولديه نجلاء ووديع وبعض الأصدقاء المقربين بناءً على وصيته. وقد خلف زوجته مريم وابنه وديع وابنته نجلاء وهي ممثلة وكاتبة مسرحية ومؤسسة وعضوة في المسرح العربي الأمريكي الجماعي "نبراس".

    نشر العديد من الكتاب المرموقين كلمات تأبينٍ لإدوارد ومن بينهم ألكسندر كوكبيرن وشيموس دين وكريستوفر هيتشنز وتوني جدت ومايكل وود وطارق علي.

    بعد وفاته أسست جامعة كولومبيا كرسي إدوارد سعيد للدراسات العربية في قسم التاريخ شغله رشيد الخالدي وأعادت جامعة بيرزيت سنة 2004 تسمية مدرستها الموسيقية باسم معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقا تكريماً له.

    عام 2008 نشرت دار فيرسو كتاباً بعنوان "في انتظار البرابرة: ألف تحية لإدوارد سعيد" يحوي مقالاتٍ لخمسة عشر كاتباً من بينهم رشيد الخالدي وإلياس خوري وأكيل بيلجرامي.

    ونشرت دار جامعة كاليفورنيا في أغسطس/آب 2010 كتاباً ضم عدداً كبيراً من المقالات لتسعةٍ وعشرين كاتباً حول مساهمات إدوارد سعيد الفكرية وقد حرره عادل اسكندر وحاكم رستم وعنون الكتاب بـ"إدوارد سعيد: إرث من التحرير والتمثيل". تضمن الكتاب مقابلات مع نعوم تشومسكي وغاياتري سبيفاك ودانييل بارينبويم إضافة إلى كتابات لجوزيف مسعد وجاكلين روز وأفي شلايم وإيلان بابي وغيرهم كثير

    Source: wikipedia.org