If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
جاء المساءُ مصطحباً ليلتَهُ المقمرة، واختفت النجومُ حياءً عندما أطل البدرُ مزهواً بنوره، ذلك النورُ الذي طغى على ضيائهن، فآثرت أن تعتكفَ بعيداً عن عيونِ الناظرين مترقبةً رحيلَهُ علّها تعودُ لتتناثر على صفحةِ السماء. قاطعها القمرُ بقوله: إنها ليلتي فارحَلْن فهناك من ينتظرني ليبوح لي بأسراره.
اقتربت منه نجمةٌ على إستحياء لتسترقَ السمع بما يبوحُ به الليليون.
فاجأها القمرُ بسؤاله: ما بالُك يا نجمة تقفين خلف كتفي؟ اقتربي ولا تختبئي حياءً، فأنا أعلم بوجودك وأعرف أنكِ تفعلين هذا مراراً وتكراراً منذ سنين.
قالت النجمة: كنتُ تعلم دون أن تلتفت إليّ! أولم يضايقك فعلي هذا.
رد عليها القمر: لا ضير في ذلك يا عزيزتي فالسماء الواسعة وطنُنا، وأنا أعلم أنّ هناك أيضاً من يناجيك وأخواتكِ في الليالي الظلماء عندما أكون من الآفلين، أعلمُ أن الليليِّين يبوحون لكُنّ بالأسرار كما يبوحون لي بأسرارهم وهموم ليلهم ونهارهم، لا يضايقني وجودكِ حتى إن استرقتِ بوحَهم لي، فأنا أدري أنكِ أيضاً خير كاتمٍ لأسرار ومناجاة من سميناهم بالليليِّين.
قالت النجمة: أعذرني يا قمر فما تطفّلي إلا غيرةً منك، فأنا أغبطك لكثرة من يناجونك، فأنت يا بدرُ صاحب الوجه البهي والنور الذي يأسر ناظرِيه.
قال القمر: يا نجمة السماء، ما نوري الذي ذكرتِ إلا هديةً من ضياءِ أختك الشمس، وما أنا إلا قزمٌ مقارنةً بكِ وبأخواتِكِ.
قالت النجمة: حتى وإن فُقناك حجماً، فالناظرون يرونك أكبر لأنك أقرب إليهم، ومن كان أقرب إلى العين كان أقرب إلى القلب.
قال القمر: لا تتحاملي على أحد ولا تأخذكِ الغيرة، واعلمي أنني وحيد، أمّا أنت وأخواتك فتغطّين السماء من الأفق إلى الأفق، واعلمي أن مُحبّينكن كُثر.
قالت النجمة: لا زلتُ أحس بالغيرة فمن يحبّوك أكثر، فحدثني عن بعضٍ منهم.
قال القمر: يا عزيزتي لا تنسي أنني أرجعتُ الفضل إلى أختك الشمس، فانزعي عنك هذه الغيرة.
قالت النجمة: أعتذر إليك أيها القمر وأعاهدك أن أنزع عني سواد الغيرة.
قال القمر: بوركت يا نُجيمتي، سأجيبك على سؤالك، أجل إن مُحبيّ كُثر ولكن أحَبُّهم إلي من ينظر إلى وجهي فيأسره نوري فيناجيني (سبحان من خلقك، سبحان من فطر السموات والأرض، سبحان من جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً، سبحانه من قال: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) )، هناك أيضاً من ينظر إلى وجهي فيوصيني أن أُبلّغ سلامه إلى من يُحب، توصيني أمٌ أن أكون رفيق ولدها في غربته، ويحمّلني آخر سلاماً إلى والديه وأخوته وأصحابه، وتوصيني امرأةٌ أن أكون رقيباً على زوجها في غيبته، ولكن يخجلني أن يشبهني أحدهم بمن يُحب فيصوغ الأشعار في وصفي.
قالت النجمة: إذن فأنت مرسال المحبين.
قال القمر: في أغلب الأحيان، ولكن هناك من ينظر في وجهي فلا يرى إلا الجبال الجرداء والحجارة الصماء.
ضحكت النجمة وابتسم القمر قائلاً: أجل إن شر البلية ما يضحك، ولكن ماذا عنكِ أنتِ؟
قالت النجمة: الحمد لله هناك الكثير ممّن يتفكرون في خلق الله وقدرته عندما يروننا وهم يطالعون السماء، ومنهم من يتّخذنا، قال تعالى: (عَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ). أما المحبون فيتّخذوننا وسيلة ليحصوا عدد الأيام التي انقضت منذ أن فارقوا أحبتهم، أو ما تبقى حتى يلتقي آخرون.
سألت النجمة: ما يحزنك يا قمر؟
قال القمر: يحزنني أن يتّخذني أشرار الليل مصباحاً ينير سهراتهم الماجنة التي تغضب الله عز و جل، أو يستغل زوّارُ الليل المُتسلّلون غيابي لينفذوا أعمالهم الدنيئة في سلب أموال الآمنين وتنغيص نومهم.
قالت النجمة: أما أنا فأعتب على كثير من بني البشر لأنهم أطلقوا عليّ اسم (نجمة) مع أن الأصح أن ينادوني بـ(النجم).
قال القمر: لمَ العتب يا نجمة؟ أووه أعتذر أقصد نجم، ربما أطلقوا عليك هذا الاسم ملاطفةً منهم لك.
قال النجم (النجمة سابقاً): لا عتب بيننا، ولا غيرة، أردت فقط أن أتعرّف على القمر الذي أيمع به ولا أراه.
قال القمر: شكراً لك، لابدّ أن نلتقي مرة أخرى. أستودعك الآن.
قال النجم: إلى اللقاء.