If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كاد بيرم أن يقنع تمامًا بعمله الجديد، ويمضي في الكفاح من أجله إلى نهاية المشوار، لولا أنه فوجئ ذات يوم بالمجلس البلدي في الإسكندرية، وهو يحجز على بيته الجديد، ويطالبه بمبلغ كبير كعوائد عن سنوات لا يعلم عنها شيئًا. وكأن الدنيا أرادت بهذا الحدث أن تعلن عن مولد فنان، فقد اغتاظ بيرم، وقرر أن يرفع راية العصيان ضد المجلس البلدي بقصيدة يجعله فيها«مسخرة» في أفواه الناس، وهذه أجزاء من القصيدة تدل على نبرة السخرية والنقد التي بدأ بها بيرم حياته كشاعر ساخر، فيقول:
ونشرت القصيدة كاملة بجريدة «الأهالي» وفي الصفحة الأولى، وكانت أول قصيدة تُنشر لبيرم، وقد طُبع من العدد الذي نشرت فيه أربعة آلاف نسخة، وكانت النسخة تباع بخمسة مليمات، وأحدث نشرها دوياً؛ فلم يعد في الإسكندرية من لم يتكلم عنها، أو يحفظها أو يرددها، كما طلب موظفو المجلس البلدي ترجمتها إلى اللغات الأجنبية ليستطيعوا فهمها، فقد كانوا جميعاً من الأجانب. ويقول بيرم:«لم اكتف بنشرها في الصحيفة، بل أصدرت كتيبًا يتضمنها، بعته بخمسة مليمات للنسخة الواحدة، فراج رواجًا عظيمًا وطبعت منه مائة ألف نسخة، وهكذا وجهني القدر إلى مهنة الأدب وسيلة للرزق، ثم دأبت على إصدار كتيبات صغيرة بها مختلف الانتقادات الاجتماعية».
بدأ بيرم بعد هذه القصيدة يتجه إلى الأدب؛ فترك التجارة واهتم بتأليف الشعر، إلا أنه أدرك بعد فترة أن الشعر وسيلة محدودة الانتشار بين شعب 95 في المائة منه لا يقرأون فاتجه إلى الزجل، ليقرب أفكاره إلى أذهان الغالبية العظمى من المصريين. وكانت أزجاله الأولى مليئة بالدعابة والنقد الصريح الذي يستهدف العلاج السريع لعيوب المجتمع، وكان يعتمد في لقطاته الزجلية على السرد القصصي، ليصور العلاقات الزوجية، ومشكلات الطلاق، والعادات الاجتماعية الساذجة الموجودة آنذاك، مثل حفلات الولادة والطهور والزار.