If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
اختلف أهل العلم في سبب تسمية مِنى بهذا الاسم؛ فذهب جمهور أهل اللغة، والإمام النوويّ -رحمه الله- إلى أنّ السبب يرجع إلى كثرة الدماء التي تُراق فيها، والإشارة هنا إلى دماء الهَدْي؛ إذ إنّ مِنى تأتي بمعنى: يُراق ويُصَبّ، وقِيل إنّ سبب التسمية يرجع إلى ما مَنّ الله -تعالى- على عباده بالمَغفرة فيها، وقِيل لِمَنِّ الله -تعالى- على نبيّه إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- بفِداء ابنه إسماعيل -عليه السلام- في تلك المنطقة، كما قِيل إنّ سبب التسمية يرجع إلى اجتماع الناس فيها؛ فالعرب تقول لكلّ مكانٍ يجتمع فيه الناس (مِنى)، وثمّة غيرها العديد من الأقوال.
تقع مِنى في الجهة الشرقيّة للمسجد الحرام، وتُعَدّ أقرب الشعائر المُعظَّمة إليه؛ حيث تبعدُ عنه أربعة كيلومترات فقط، ويحدّها من الغرب وادي مُحسر، ومن الشرق جمرة العقبة، أمّا من الشمال والجنوب فتحدّها الجبال، وقد أخبر رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أنّ أيّام مِنى؛ أي أيّام التشريق ويوم النَّحر، أيّامُ ذِكْرٍ وعبادةٍ لله -سبحانه-، وقد وردت الإشارة إلى مِنى في قَوْل الله -تعالى-: (وَاذْكُرُوا اللَّـهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَاتَّقُوا اللَّـهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)، وقد فسّر الإمام القرطبيّ -رحمه الله- الآية الكريمة السابقة قائلاً: "ولا خِلاف بين العلماء: أنَّ الأيام المعدودات في هذه الآية، هي: أيّام مِنىً، وهي أيّام التشريق"، ووردت الإشارة إلى مِنى أيضاً في قَوْل الله -تعالى-: (لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّـهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)، وقد فضّل الله -تعالى- مِنى بأنّ فيها من شعائر الحجّ أعمالاً عظيمةً؛ ففيها تُرمى الجمار، ويُنحَر الهَدْي، كما جاء في قَوْل الله -تعالى-: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّـهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّـهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، ويُحلق شَعْر الرأس أيضاً، ومعلوم ما لهذه الشعيرة من الأجر العظيم؛ فقد دعا رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- للمُحلِّقين بالرحمة ثلاثاً، وللمُقصِّرين مرّةً، وورد عنه -عليه الصلاة والسلام- أنّه قال: (وأَمَّا حِلاقُكَ رَأْسِكَ؛ فَلكَ بكلِّ شَعْرَةٍ حَلَقْتَها حسنةُ، وتُمْحَى عَنْكَ بِها خَطِيئَةٌ).
يُراد بالمَبيت في مِنى: المُكث فيها أغلب الليل؛ فإذ مَكث الحاجّ فيها مدّةً تزيد عن نصف الليل، فإنّه يكون بذلك قد أدّى الواجب المُتعلِّق بالمَبيت، وقد بيّن العلماء حُكم المَبيت بمِنى ليلة الثامن من ذي الحِجّة؛ وهي ليلة الوقوف في عرفة، إضافةً إلى ليلة الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحِجّة؛ وهي ليالي التشريق؛ إذ أجمعت المذاهب الفقهيّة الأربعة على استحباب المَبيت بمِنى ليلة عرفة، وقد نقل الإمام النوويّ وابن عبدالبرّ إجماعَ العلماء على ذلك؛ والدليل من السنّة فِعل رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، كما ورد في حديث جابر بن عبدالله -رضي الله عنه- أنّه قال إنّ رسول الله -عليه الصلاة والسلام-: (مَكَثَ قَلِيلًا حتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بقُبَّةٍ مِن شَعَرٍ تُضْرَبُ له بنَمِرَةَ)، أمّا المَبيت بمِنى ليالي التشريق؛ فقد اختلف العلماء في حُكمه، وذهبوا في ذلك إلى قولَين، بيانهما آتياً:
قال أهل العلم باستحباب قَصْر الصلاة في مِنى يوم الثامن من ذي الحِجّة، وأيّام التشريق لغير أهلها، واختُلف في جواز قَصْر أهل مكّة للصلاة في مِنى، وذهب العلماء في ذلك إلى قولَين، بيانهما آتياً:
يتوجّه الحاجّ إلى مِنى بعد الوقوف في عرفة، والمَبيت في مُزدلفة، فيذهب الحاجّ يوم النَّحر إلى منطقة العقبة في آخر مِنى مِمّا يلي مكّة؛ ليَرميَ جمرة العقبة الكُبرى؛ بسَبع حَصياتٍ مُتتابعاتٍ، ويُستحَبّ البدء بالرَّمْي من بعد شروق الشمس إلى وقت صلاة الظهر، واستقبال القِبلة عند الرَّمْي، وقَوْل: "بسم الله، الله أكبر، اللهمّ حجّاً مبروراً، وسَعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً"، وذلك عند رَمْي كلّ حصاةٍ، ومن الأعمال المباركة التي تتمّ في منى: ذَبْح الهَدي، بالإضافة إلى الحَلق أو التقصير للرجال، والحَلق أفضل في حَقّهم، أمّا المرأة فتقصّ من شَعْرها مِقدار أُنملةٍ، ثمّ يتوجّه الحاجّ لأداء طواف الإفاضة، ويعود إلى مِنى للمَبيت فيها ثلاث ليالٍ في حال لم يتعجّل، وهي: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحِجّة، أمّا إن تعجّل فيبيت فيها ليلتَين، ويغادر بشرط أن يخرج من مِنى قبل غروب شمس اليوم الثالث، وإلّا وجبَ عليه المَبيت، ويُطلَق على هذه الأيام أيّام التشريق، وعددها ثلاثة أيّامٍ؛ وتشمل اليوم الثاني، والثالث، والرابع من عيد الأضحى المبارك، وهي الأيّام المعدودات التي ورد ذِكرها في قَوْل الله -تعالى-: (وَاذْكُرُوا اللَّـهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ).
وفي أوّل أيّام التشريق يُشرَع للحاجّ رَمْي الجمرات الثلاث؛ الصُّغرى، ثمّ الوُسطى، ثمّ العقبة، حيث يرمي كلّ جمرةٍ منها بسَبع حَصياتٍ، ويُستحَبّ أن يكون الرَّمْي باليَد اليُمنى، والتكبير مع كلّ حصاةٍ، أمّا الوقت المُستحَبّ للرَّمْي، فهو من بَعد زوال الشمس؛ أي وقت صلاة الظهر إلى غروب الشمس، ويُشرَع للحاجّ تكرار رَمْي الجمرات في كلّ يومٍ من أيّام التشريق في حال لم يتعجّل، أمّا إن تعجّل فيرمي في اليوم الأوّل والثاني من أيّام التشريق، وتجدر الإشارة إلى أنّ ثالث أيام التشريق هو رابع أيّام العيد، ويُطلَق عليه يوم النَّفْر الثاني، ويُشرَع فيه للحاجّ رَمْي الجمرات الثلاث في حال لم ينفر في اليوم السابق، ومع الانتهاء من الرَّمْي في هذا اليوم تنتهي مناسك مِنى، وينبغي النفير إلى مكّة؛ إذ لا يُشرَع البقاء في مِنى بعد الرَّمْي في هذا اليوم.