If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كان لحرب البوير ثلاثة مراحل مميزة، في المرحلة الأولى منها (أكتوبر - ديسمبر 1899) وجه البوير ضربات مفاجئة للقوات البريطانية في إقليمي ناتال ومستعمرة الكاب فارضين حصاراً على ثلاثة مدن رئيسية وهامة هي ليديسميث وكيمبرلي ومافكينج، تمكن البوير خلال تلك المرحلة من تحقيق انتصارات تعبوية عديدة في مناطق أخرى، تكبدت فيها القوات البريطانية خسائر جسيمة في الأرواح والعتاد. أما المرحلة الثانية (يناير - سبتمبر 1900) فقد بدأت بوصول تعزيزات كبيرة للقوات البريطانية من بريطانيا وبعض مستعمراتها مما حقق لها تفوقاً عددياً مكنها من شن هجمات مضادة شاقة، ونجحت أخيراً في تحرير المدن المحاصرة ومواصلة القتال لغزو دولتي البوير، الترانسفال والبرتقال الحرة. أما المرحلة الثالثة والأخيرة (سبتمبر 1900 – مايو 1902)، فقد استغرقت وقتاً أطول، وكانت عبارة عن حرب عصابات شنها البوير على القوات البريطانية التي ابتدعت العديد من الوسائل وانتهجت الكثير من السياسات التي حققت لها النصر النهائي على البوير.
كانت بداية الحرب في 11 أكتوبر 1899 عندما شنت قوات البوير من الكوماندوز هجومهم السريع والمفاجئ على معسكرات القوات البريطانية في ناتال ومستعمرة الكاب الواقعتين تحت السيطرة البريطانية، اتجه البوير مباشرة إلى مدينة ليديسميث في الناتال حيث توجد حامية بريطانية كبيرة وقد تم الهجوم متزامناً مع هجومين آخرين على مدينتي مافيكنج وكيمبرلي في مستعمرة الكاب. حقق الهجوم السريع والمفاجئ انتصارات تكتيكية حاسمة على القوات البريطانية في تلك المواقع، فقد جرت معركة تل تالانا كأول اشتباك بين القوتين على مقربة من مدينة دندي في الناتال وقد تكبد فيها البريطانيون خسائر كبيرة بلغت 446 مقاتلاً بما فيهم القائد البريطاني الجنرال بن سيمونز. بعد أن تم حصار مدينة ليديسميث، تعرضت لقصف مدفعي مكثف، مما دفع قائد الحامية البريطانية لشن هجوم على مواقع مدفعية البوير، كلف الهجوم القوات البريطانية خسائر كبيرة بلغت 140 قتيلاً، وأكثر من 1000 أسير وقد تواصل حصار المدينة لعدة أشهر.
هاجم البوير بقوة تقدر بـ 6000 مقاتل بقيادة بيت كرونج مدينة مافيكنج الواقعة على الحدود مع الترانسفال بتاريخ 13 أكتوبر وقاموا بحصارها، إلا أن قائد الحامية البريطانية العقيد بادن باول أعد فوجين مقاتلين قوامهما 1200 مقاتل استعداداً لصد أي هجوم على المدينة التي تواصل حصارها لمدة 217 يوماً.
أما الهدف الثالث لهجوم البوير فقد كان مدينة كيمبرلي التي تقع على مسافة 360 كلم إلى الجنوب من مدينة مافيكنج على حدود دولة الأورانج الحرة مع مستعمرة الكاب، ويبلغ عدد سكان المدينة 40000 نسمة، وتوجد بها مناجم ألماس، تم الهجوم عليها في بداية نوفمبر 1899 وبدأ حصار المدينة بقوة تقدر بـ 7500 مقاتل، وقد دافعت عنها قوات بريطانية بقيادة المقدم روبرت كيكيويتش.
مع استمرار عمليات الحصار على المدن عانى السكان من المدنيين والعسكريين، بعد عدة أسابيع من النقص في المواد الغذائية بجانب القصف المدفعي المعادي. وصلت تعزيزات بريطانية كبيرة بقيادة الجنرال ريدفيرز هنري بولر» الذي قام بوضع خطة لفك الحصار عن المدن المحاصرة، بجانب تأمين المناطق الشمالية والوسطى من مستعمرة الكاب من أي هجوم محتمل للبوير. قام الجنرال بولر بتقسيم القوة إلى ثلاثة أقسام، يتوجه القسم الأول وقوامه فرقة متابعاً خط السكة حديد شمالاً لتحرير مدينتي كيمبرلي ومافيكنج، القسم الثاني، وقوامه 3000 مقاتل تم نشره لتأمين المناطق الشمالية من مستعمرة الكاب، أما القسم الثالث، والأكبر فقد قام الجنرال بول بقيادته بنفسه متوجهاً نحو الناتال لفك الحصار عن مدينة ليديسميث. لم يحالف القوات البريطانية التوفيق في العديد من عملياتها لفك الحصار حيث جوبهت بمقاومات عنيدة من البوير كان أسوأ ما فيها ما تم خلال الفترة من 10 إلى 15 ديسمبر، والتي سميت "بالأسبوع الأسود" ولم تتمكن القوات البريطانية من النجاح في فك الحصار عن المدن رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها في الأرواح والعتاد في المحاولات العديدة التي جرت لتحقيق انتصار على البوير.
نتيجة لإحساس الحكومة البريطانية بمرارة الهزائم المتوالية، وباستمرار الحصار على المدن، قامت بإرسال تعزيزات شملت فرقتين من المقاتلين النظاميين البريطانيين بجانب أعداد كبيرة من متطوعي المستعمرات الأخرى، بلغت أعداد التعزيزات في يناير ما يزيد على 180000 مقاتل، وتعتبر تلك أكبر قوة ترسلها بريطانيا إلى ما وراء البحار حتى ذلك الوقت، مع الاستعداد لإرسال المزيد من التعزيزات.
تواصلت المحاولات لتحرير مدينة «ليديسميث» في «الناتال» خلال شهر يناير 1900 بقيادة الجنرال بولر، وذلك بمحاولات لعبور نهر توجيلا إلى الغرب من كولونسو، وقد نجح أخيراً في رابعة المحاولات التي تكبد فيها خسائر جسيمة حيث تمكن من هزيمة البوير في «معركة كولونسو» في 26 فبراير، وتم فك حصار مدينة «ليديسميث» بعد أن دام 118 يوماً تكبد فيها البريطانيون خسائر بلغت 7000 مقاتل.
تم تعيين الفيلد مارشال «لورد فريدريك سليه روبرتس» قائداً عاماً بدلاً عن الجنرال «بولر» وهو محارب متمرس على القتال، خاض الكثير من المعارك في الهند وأفغانستان، واصل «روبرتس» تنفيذ خطة العمليات التي وضعها الجنرال «بولر»، فقام بحشد قوة كبيرة جنوب نهر الأورانج وبجانبي خط السكة حديد الغربي استعداداً لتحرير مدينة «كيمبرلي» في الوقت الذي تسبب فيه جفاف المراعي صيفاً في إضعاف خيول وماشية «البوير» مما أدى إلى نزوح عوائل المقاتلين البوير والانضمام إليهم في مواقعهم ومعسكراتهم حول المدن المحاصرة.
بدأت عمليات الهجوم التي شنتها قوات «روبرتس» لتحرير مدينة «كيمبرلي» وتم تحرير المدينة بعد معارك طاحنة بتاريخ 15 فبراير بعد حصار دام 124 يوماً، واتجهت قوة بريطانية لمطاردة قوة كبيرة من البوير قوامها 7000 مقاتل بقيادة الجنرال «بيت كرونج» وأجبرتها على الاستسلام.
بعد الهزائم المتتالية التي أوقعها البريطانيون بالبوير نتيجة لتفوقهم العددي هبطت معنويات «البوير» وفقدوا الأمل في أي انتصارات أخرى.
تقدمت قوات بريطانية لاحتلال مدينة «بلومفنتين» عاصمة «دولة الأورانج الحرة» حيث قامت باحتلالها بتاريخ 13 مارس ومن ثم تم فك الحصار عن مدينة «مافيكينج» بتاريخ 18 مايو 1900، وبذلك اكتمل احتلال دولة الأورانج الحرة وأطلق عليها اسم «مستعمرة نهر الأوران».
زحفت القوات البريطانية شمالاً نحو «جمهورية الترانسفال» متجهة صوب مدينة جوهانسبيرج وتم احتلالها بتاريخ 31 مايو، وتلاها احتلال «بريتوريا» عاصمة الترانسفال بتاريخ 5 يونيو، وقد جرت بعد ذلك معارك صغيرة مثل معركة «تل ألماس» في يومي 11 و12 يونيو كان الهدف منها مطاردة البوير وإبعادهم إلى مسافات بعيدة من المدن المحررة والمحتلة.
بعد اكتمال احتلال عاصمتي دولتي «البوير» رسمياً، أعلن الجنرال «روبرتس» نهاية الحرب في 3 سبتمبر 1900.
خلال فترة تقدم القوات البريطانية نحو بريتوريا انسحب الرئيس كروجر يصحبه بعض أعضاء حكومته إلى المنطقة الشرقية من الترانسفال، تقدمت نحوهم قوات بريطانية بقيادة الجنرالين «روبرتس» و«بولر» مما حدا بالرئيس «كروجر» إلى اللجوء إلى دولة شرق أفريقيا البرتغالية (موزمبيق حالياً) وتم نقله بمساعدة بعض الدول الأوروبية إلى أوروبا حيث عاش هناك لفترة ثم انتقل إلى سويسرا وتوفى هناك في 14 يوليو 1904.
أما «استين» رئيس دولة أورانج الحرة فقد اصطحب قوة من البوير بقيادة «كريستيان دي ويت» والتي واصلت القتال في المرحلة الثالثة من الحرب.
رغم الهزائم العديدة التي مني بها البوير والخسائر الكبيرة في صفوفهم إلا أنهم ظلوا متواجدين على الساحة ومنتشرين في أرجاء واسعة من البلاد، ولم يكن من السهولة حصرهم في منطقة محددة أو أسر قادتهم، مما خلق لدى البريطانيين إحساساً بأن سيطرتهم تقتصر فقط على المدن التي قاموا باحتلالها ومناطق تمركز قواتهم.
نتج عن المعارك التي دارت خلال المرحلة الثانية من الحرب، وما قبلها، وقوع أعداد كبيرة من المقاتلين البوير في الأسر، ولما يشكله وجودهم في معسكرات الاعتقال من خطر، قررت السلطات البريطانية احتجازهم داخل سفن بعيداً عن الشاطئ، إلا أنه وبتنامي أعداد المعتقلين وزيادة أعباء إعاشتهم قرر البريطانيون إرسالهم إلى مستعمرات أخرى خارج البلاد، وقد تم فعلاً إرسال 5000 منهم إلى جزيرة «سانت هيلانة» و5000 آخرين إلى جزيرة «سيلان» (سيريلانكا حالياً) وأعداد أخرى إلى الهند و«برمودا» وقد بلغت جملة عدد هؤلاء المنفيون الذين أرسلوا إلى خارج البلاد 24000 فرداً.
كما هو واضح من تاريخي بدايتها ونهايتها، فإنها كانت الأطول في مراحل الحرب الثلاثة، كما كان هنالك تداخل بينها والمرحلة الثانية، إذ أن قيادات البوير قد اتخذت قرارات في اجتماع في بداية عام 1899 في مدينة «كرونستاد» في «الأورانج»، للتخطيط لحملة حرب عصابات في مواجهة القوات البريطانية تبدأ بتدمير البنى التحتية ومصادر الإمداد الخاصة بها وقطع خطوط إمداداتها واتصالاتها أينما كانت.
حدث أول اشتباك في حرب العصابات في 31 مارس 1900 عندما هاجمت قوة من «البوير» تقدر بـ 1500 مقاتل بقيادة «كريستيان دي ويت» محطة إمداد المياه لمدينة «بلومفنتين»، الواقعة على بعد 37 كلم من المدينة، وتنفيذ عملية كمين لقافلة إمداد بريطانية أوقعت بها خسائر فادحة في الأرواح والمعدات.
خلال مرحلة حرب العصابات تم إعادة وحدات «الكوماندوز» لتعمل في مناطقها الأصلية التي تم تجنيدها فيها، مما يسهل عليها الاعتماد على المصادر المحلية والاستفادة من معرفتها بالمنطقة وطبيعة أرضها، أما التعليمات التي صدرت إليها فكانت تتلخص في توجيه الضربات للبريطانيين، وكل ما يتعلق بهم، متى ما أمكن ذلك.
كانت تعبئتهم هي الهجوم وتوجيه ضربة موجعة ومفاجئة للعدو، ثم الانسحاب والاختفاء قبل وصول تعزيزات العدو، وقد ساعد اتساع أرجاء منطقة البوير على الحصول على حرية التحرك والعمل، وجعل من الصعب على القوات البريطانية، والتي كان قوامها آنذاك، أكثر من 250000 مقاتل، فرض السيطرة على المنطقة، وقد جرت عدة اشتباكات في مناطق مختلفة تكبدت فيها القوات البريطانية خسائر كبيرة.
كان رد فعل البريطانيين بقيادة اللورد «هوراشيو هربرت كتشنر»، الذي كان رئيساً لأركان الجنرال «روبرتس» ثم خلفه في قيادة القوات في حرب البوير، على أسلوب القتال الجديد الذي انتهجه «البوير» (حرب العصابات) أن قاموا، وبسرعة، بمراجعة تعبئتهم وإعادة تنظيم قواتهم بما يتناسب مع الموقف الجديد.
قام البريطانيون بالتركيز، أولاً، على حرمان «الكوماندوز البوير» من حرية الحركة وحرمانهم من الدعم والمساعدة المحلية التي يتلقونها من أسرهم ومن المواطنين المحليين وذلك بإتباع أسلوب «الأرض المحروقة» وذلك بإجراء عمليات تخريب وتدمير وحرق كل ما يصلح لأن يكون مصدراً لإمداد العصابات من مساكن ومزارع ومحاصيل وقرى وتسميم الآبار ومصادر المياه الأخرى، كلفت بذلك وحدات خاصة عبارة عن قوات إغارة راكبة، للقيام بهذا الواجب سميت بـ «قطعات الكنس» Sweeper Columns، بلغ عددها 90 وحدة، وقد شاركت فيها قوات من المستعمرات والمسلحين من الأفارقة والذين قدر عددهم بـ 20 ألفاً.
تم تجميع أسر «البوير» من النساء والأطفال، بجانب العمال الزراعيين من البوير والأفارقة في معسكرات الاعتقال حيث تم وضعهم في تلك المعسكرات تحت ظروف معيشية وصحية غاية في السوء، ما أدى إلى وفاة آلاف منهم بسبب الأمراض والجوع وسوء المعاملة.
لعبت شبكة خطوط السكك الحديدية دورا كبيراً وحيوياً في الحملة البريطانية لمقاومة العصابات، حيث استخدمت القوات البريطانية قطارات مدرعة في نقل القطعات والإمدادات بالسرعة المطلوبة التي تتناسب مع حرب العصابات.
ابتكرت القوات البريطانية طريقة جديدة في نشر بعض القوات في مبانٍ سميت بـ «البيوت الخرسانية» Blockhouses في النقاط الحاكمة وقرب المناطق الحيوية والهامة ولحماية طرق الإمداد، تم بناء 8000 من هذه المباني في جميع أنحاء مناطق العمليات وتم تطويقها بالأسلاك الشائكة وقد أثبتت فعاليتها، وقد كان يعمل بها أكثر من 50 ألف مقاتل.
بالإضافة إلى كل تلك الإجراءات الفعالة التي اتخذها البريطانيون، فقد اهتموا بجانب هام في معركتهم ضد العصابات، حيث قاموا بإنشاء أجهزة استخبارات ذات كفاءة عالية تعتمد على مصادر المعلومات المحلية من المتعاونين من البوير، والأفارقة السود الذين تم تجنيدهم في ما يسمى بـ «الحرس الوطني» National Scouts.
كان نشاط العصابات في دولة الأورانج الحرة تحت قيادة «كريستيان دي ويت» وقد قام بعدة عمليات ناجحة، إلا أن «سياسة الأرض المحروقة» التي اتبعت من قبل البريطانيين جعلت أرض الأورانج خالية تماماً مما حد كثيراً من نشاط العصابات.
أما مسرح نشاط العصابات الثاني فقد كان في غرب «الترانسفال» حيث جرت معارك عديدة في الفترة ما بين سبتمبر 1901 ومارس 1902 بقيادة «كوس دي لاري» أدت إلى إرسال تعزيزات بريطانية إلى الإقليم اشتبكت مع قوة من البوير في 11 أبريل 1902 وأوقعت بعصابات البوير هزيمة وخسائر كبيرة، وقد كانت تلك هي المعركة الكبرى الأخيرة في الحرب.