العربية  

books حقيبة فيلسوف

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

حقيبة فيلسوف (Book)


عرفت المرحوم محمد قاري قبل ارتحالي إلى مواصلة دراستي وهو طفل مؤدب مولع بمعاشرة من يلمس فيهم شغف التعلم وحسن التخلق وحب التدين يستأنس بهم، يطمئن إليهم، يتعاطف معهم، يسعى إلى التقاط وسماع ما يلبي بعض ميوله واهتماماته. ثم قدر لي أن أغيب لفتره من الزمن عن تلك البقعة التي كنت أسعد فيها بملاقاته هو وبعض الفتيان من قبيل سنه إلى أن كتب لي من جديد العودة لأجده شابا بلغ أشده واستوى عوده وزكت نفسه ونضج عقله واستقامت سيرته وصار يفحص الأفكار، يلتهمها، يقلبها ليتأكد من أصالتها ومعادنها.
لم يسعفني الحظ أن أواكب بكل دقة ما كان يبتكره ويجهد نفسه من أجل إقناع به غيره من المثقفين وغير المثقفين ربما بسيب اختلاف توجهاتنا واختصاصاتنا رغم انتماءنا إلى نفس المؤسسة الأكاديمية لمدة ليست بالقليلة.
ولكن بقيت تلك الصورة لذلك الشخص الطيب الوديع واللين لصيقة بذهني تشكلت بفضل تلك الرابطة الحميمية والفطرية في وقت مبكر.
ثم تتعاقب الأيام وأجد نفسي مكرما بالتعرف على ابنه البار بواسطة صديق والده الوفي. وبعد ذلك يسعدني هذا الابن الوفي باتصال يطلب مني أن أنظر فيما خلفه والده من إرث علمي ومعرفي.
ومن خلال اطلاعي لأول وهلة على ما دبجه صديقه الوفي الأستاذ الدكتور عبد الحفيظ بورديم ضمن مقدمة هذا الإصدار حتى اكتشفت باننا نلتقي حول نفس الرؤية في تناولنا للظواهر والسلوكيات الإنسانية، اقصد الانشغال بموضوع السيميائية التي تهتم بمسألة التأويل، وهو الموضوع نفسه الذي حاولت من خلاله الكشف عن مدلولات الاضطرابات السيكوباتولوجية في وسطنا الثقافي المنتج للنفسيات.
وازدادت قناعتي بهذا التماهي في الرؤية مع فكر المرحوم بعد اكتشافي واطلاعي على أول مقالة يتطرق ضمنها إلى "رسالة " المثقف ومحاولة تفكيكه لمدلول (أو معنى) تعبيره لأن اللغة بكل تأكيد في تصوره وتصوري حامل معنوي مشحونة برؤية ثقافية أي ذات صلة بالهوية الثقافية التي تصبغ الإنية الذاتية أو "الشخصية" كما نصطلح على وسمها في مجال علم النفس.
ثم الذي ضاعف من اطمئناني لما يعتقده المرحوم هو نفوري من استخدام لفظة "يلعب" في كل ما دونته طيلة مشواري التعليمي كما ظللت أرفض استخدام لفظة "أين" الشائعة عند الإعلاميين مكان لفظة "حيث" المكررة في التنزيل حرصا مني ومنه على مقاومة "الاختراق القيمي" أو سمه إن شئت الاستلاب الثقافي والتحذير من هيمنة الفلسفة المسرحية السخيفة ومن مثقف "الدور" المرتزق المجند ليس فقط لخدمة "الحضارة" و"العقلانية" الغربية وإنما للتصدي لرواج الثقافة الأصلية ورشقها بالقنابل الفكرية القاتلة.
ولا غرابة بعد ذلك أن ينصرف اهتمام المرحوم إلى الإشادة بالثقافة الأصلية الخلاقة، الثقافة الحية الخصبة والكريمة القادرة على العطاء التي توفر سبل التخلص من العثد والأمراض. وما أكثر انتشار هذه الأمراض في صفوف من نذروا أنفسهم للصد عن هذه الثقافة. ولعل أهونها الحسرة والانهزام. الثقافة الأصيلة هذه المطلوب منها هو دعم الحوار الحضاري الناضج الذي يسمح بتغيير الواقع الذي يعمل على تكريس الرداءة واحتضان الآفات ويستثمر في الخلاف الذي يرعى المصالح والامتيازات ويثمر الأحقاد القابلة للتحول إلى العنف الذي يفتك بالعلاقة الودية بين الأفراد ويسمم الأجواء في المجتمع.
وإلى جانب غياب الحوار المتسبب في اختلال العلاقات وانعدام الاستقرار الاجتماعي قد يفضي التنازع في القيم وعدم ثبوتها وتعدد التصورات المنبثقة عنها بخصوص الإنسان والمجتمع إلى استمرار التصارع بين دعوات الحداثة والأصالة المخل هو الآخر بالاستقرار. وحينها لن يجد من يبحث عن هذا الاستقرار وحسم هذا التنازع إلا اللجوء إلى القمع. ويظل المجتمع مهددا بالتفكك والانهيار.
والمسؤول عن ذلك كله في نظر المرحوم المشخص لهذه الحالة المرضية هي تلك التصورات النابتة المزاحمة للتصورات العريقة.
هي وصفة إذن يريد أن ينقلها طبيب وفيلسوف المجتمع إلى المتنازعين لإزاحة معوقات الإقلاع النهضوي وإنهاء التبعية المقيتة التي تعيق تفجير الطاقات وتتآمر على تفعيل الإنجازات.
ثم بعد هذا ينتقل المرحوم إلى بيت طبيب آخر هو الشيخ سحنون. ليأتينا بتشخيص آخر لعلة أخرى تعاني منها الأمة.، علة متمثلة في عدم الحفاظ على الإسلام. فالمسلم لم يعد يمثل ألإسلام على حقيقته بسبب انسياقه وراء الحضارة الغربية المادية الفاقدة للعقل لأن العقل يقتضي الفهم والعمل والإيمان والسلوك والتميز بالأخلاق. والأمة لن تظفر من جديد بالمدح القرآني الذي جعل منها أمة ملتزمة بكلمة التقوى وأحق بها ولن تعرف معنى الحضارة وفضلها التي بها تحقق سعادتها إلا إذا عادت إلى حضن الإسلام، فلا حضارة بلا إسلام كما كان يعتقد صاحب "في ظلال القرآن".
وفي نفس السياق يدعونا فيلسوف المجتمع والإنسان عبر تصوير رائع ومؤثر وأصيل وبأسلوب ممتع وأخاذ إلى اكتشاف ملمح آخر لشخصية إسهامها ضروري ومؤكد من أجل إيجاد وبناء مجتمع خال من الأمراض معتز بسيادته وأصالته وثقافته وعقيدته، "عقيدة الإنسان المبدع"، إنه المعلم المربي.
المربي "الحي" الذي يفور بالحياة، غير المتبلد، الذي يملك بصيرة تمكنه من النقد والتصفح والتحايل والاستنتاج. المربي الذي يتعامل مع الإنسان "الممتلئ الفاعل والمبدع" ولا يتعامل مع "العفاريت"، أمين على عقول متعلميه ونفوسهم، يملك شعورا حادا وقلقا وأصيلا لتطلعه إلى عالم جديد ومجتمع جديد وقيم جديدة، مزود بوعي ضد مخاطر الاستلاب واحتمالاته. المعلم المربي في منظر فيلسوفنا كالصحافي الفاعل الذي ينظر بعينه البصيرة إلى المجتمع، يملك غيرة صادقة هو الآخر على الإنسان والتاريخ والوطن والمستقبل. وهو كالإمام المصلح الذي يحدث الناس عن " الدابة " التي تأكل الناس في هذا الزمان. إنه المعلم المربي الذي يحتاج إلى بيداغوجية حية ترشده وإلى فلسفة في التربية تكون إنسانية الأصول ربانية الآفاق تسنده.
وبعد أن أمعن فيلسوفنا في التنويه بشمائل المعلم المربي وقدراته وخصاله نجده يسترسل مباشرة في التذكير بما هو مطلوب ممن يضطلع برسالة التربية وبمن أخذ على عاتقه التكفل برعاية الطفولة وترشيدها والحرص على تعليمها وتنميتها وإعدادها لمستقبلها ولتحمل رسالة أمتها وتمكينها من الظفر بالمهارات التي تناسب مواهبها التي تحتاجها لإنجاز مشاريعها.
وكان من الضروري كذلك الا يغيب عن هذا المربي بأن مهمته الأساسية تجاه هذه الطفولة تكمن بالدرجة الأولى في الإحسان إليها وتلقينها قيم العزة والكرامة والغيرة القومية وتحفيزها وترغيبها في اكتساب المعارف النافعة والمتجددة لتتمكن من مواكبة حاضرها ومستقبلها والاستفادة منها في أوقات الرخاء والعسرة.
ثم يأتي الحديث للتعريف بالمراهقة من منظور اختصاص "علم نفس الحضور" المبتكر من فيلسوفنا في محاولة لإقناعنا بأن المراهق هو ذلك الشخص المعرض لمواجهة حالات شتى في تلك المرحلة، فقد يجنح للتصوف أو إلى العبث أو إلى العشق أو حتى إلى الإلحاد. ولكن الذي يغلب على المراهق العاقل هو جنوحه إلى رفض التهميش والتدجين والاستسلام ورفض الغياب والإصرار على الحضور. وهذا السلوك الذي يقره علم النفس النمو يكون قد غاب عن فيلسوف "علم نفس الحضور".
ويغادر فيلسوفنا مجال الثقافة والتربية والطفولة لينغمس بعنفوانه في المجال الذي يغبطه مجال الفلسفة ليتصدى بكل قوة لآفة "الصمت" التي تعيق الحضور في نظره وتقف في وجه الفعل الذي يمقت الفراغ ويحارب قتل الوقت. ومن مجال الفلسفة ينقلنا الكاتب إلى مجال الإبداع الأدبي ليتبرع علينا برأيه حول الممارسة النقدية للإنجاز الأدبي ويقترح علينا خمسة معايير المطلوب الالتزام بها لتكون هذه الممارسة موضوعية.
ثم بعد ذلك يتحفنا بنماذج من هذا الإنجاز الأدبي تناول خلالها الكشف عن حالات ذات صلة بشخصه تكشف عن معاناة حقيقية. ضمن أول نموذج عمد إلى الحديث عن حالة إنسان يعاني من انهيار نفسي ناجم عن إجهاد عصبي لم تنفع معه أقراص الطبيب النفسي أخل بتوازنه النفسي وكدر عليه حياته وعلاقته الزوجية وأفسد عليه انضباطه المهني ولم يعد يشعر بحاجة إلى امتلاك عقل سليم.
وأردف يبصرنا بأوجاع أخرى تكون قد سودت مزاجه وأمطرته بأحزان ظل يبحث لها عن أدوية ليتخلص منها. الأمر يتعلق بحيرة دوخت رأسه بسبب ما يجري في بلده الجزائر وبسبب اختلاف القوم في الأنظار وتشرذمهم. ويختم فيلسوفنا مناظرته مع القارئ يخصه بأخبار تتحدث عن "حكاية عجيبة" عن نهاية العالم وانتشار مرض فوق المعمورة أعراضه غريبة أبرزها عدائية مفرطة تجاه كل ما هو حبر وكتابة وحرب شعواء ضد العلم والعلماء.
ثم يعود لاستكمال الحديث عما ينغص حياته ويحول دون تذوقه لطيب العيش بسبب تعاظم همه ودوام حزنه الذي يحرمه من التأقلم وربما بسبب مخالطته لأصناف من المثقفين "المجهولين" الذين عزفت نفوسهم عن هم الكتابة ويشعرون بأنهم غير معنيين بالقضايا المصيرية للأمة.
وتنتهي قصة فيلسوفنا بالخوض في حالات وجدانية مبهمة يريد الإفصاح عن معانيها الحقيقية وإزاحة الغموض عن أسرارها، إنه الحب الذي ينكب في الذات ويتجاوز الترتيب ويتحدى الخيبة والموت، إنه البحث عن الظفر بالسكينة بجوار البحر، لشذب الزوائد عن الفكر والاغتسال من صخب الشارع، إنه الاستجلاء لذكريات الطفولة الغابرة التي تسمح بتقارب النفوس المتناسية والمتباعدة.

أ.د. بن عبد الله محمد
جامعة وهران 2 محمد بن احمد )سابقا(

 
(1)
New Leader Bag

New Leader Bag