العربية  

books الشاه والنفط

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

الشاه والنفط (Book)


شكلَّ النفط دعّامة من دعائم التغيّير السياسي والاقتصادي الذي شهده العالم في القرن العشرين، وكانت إيران من بين الدول التي أسهم النفط في إداء العديد من المتغيرات السياسية ليس على النطاق الداخلي فحسب، بل كان له الأثر الأكبر في مجال علاقاتها الخارجية وتوجهاتها الدولية، فمنذ اكتشاف النفط في عام 1908 ومن ثم تعديل اتفاقية النفط في عهد الشاه رضا بهلوي في عام 1933 ومن بعدها أحداث التأميم خلال المدة 1951 – 1953 ومن ثم تأسيس منظمة البلدان المصدرة للنفط أوبك في عام 1960 وما تبعها من تداعيات ارتفاع أسعار النفط في عام 1973، مرت إيران بأدوار مختلفة وتعقدت علاقاتها الخارجية مع الدول المستهلكة في مراحل متعاقبة طوال تلك الحقب.
ويكفي أَنْ ندرك مدى أهمية سياسة الشاه النفطية من خلال استمرار تأدية دوره المعارض للسياسة الشركات النفطية ومطالبته المستمرة في تحقيق التوازن بين أسعار النفط العالمية وأسعار السلع الصناعية، ولاسيما إِذا أخذنا بالحسبان قوة إيران وقدرتها على اتخاذ القرارات في تحديد أسعار النفط الذي برز في أعقاب حرب تشرين الأول 1973، وتزعمها قرارات منظمة البلدان المصدرة للنفط أوبك في انتهاج سعر موحد عام 1976 في مؤتمر الدوحة على الرغم من معارضة المملكة العربية السعودية ودولة الأمارات العربية لذلك القرار.
وعلى الرغم من الحضور الفاعل لإيران في قرارات المنظمة، واعتماد الأسواق العالمية على السياسة التي انتهجها الشاه في أَثناء تلك المرحلة، فضلاً عن أهمية الثروة التي يمتلكها بالنسبة إلى الدول الصناعية، إلاّ أنّنا عند البحث بين العديد من الدراسات التاريخية العلمية والأكاديمية التي تناولت تاريخ إيران السياسي والاقتصادي الحديث والمعاصر، لا نجد من أفرّد دراسة تتعلق بسياسة الشاه النفطية وصرامة القرارات التي اتخذها والتي أدت فيما بعد إلى عزلته دولياً ومن ثم اسقاطه في الأخير.
فقد شكلت المرحلة في بداية الخمسينات خطوة مهمة في سياسة إيران النفطية، وسابقة تاريخية خطرة في منطقة الشرق الأوسط، تمثلت بإعلان حكومة الدكتور مصدّق تأميم النفط الإيراني في أذار 1951، فمع معارضة الشاه لذلك الأمر، إلا أن تلك المسألة كانت لها أثارها العميقة في نفوس الإيرانيين طوال المرحلة التي أعقبت الانقلاب في عام 1953 وتسببت في عداء الشعب الإيراني للولايات المتحدة الأمريكية.
فلولا تدخل الولايات المتحدة الأمريكية وإرسال عملائها لخلع الدكتور مصدّق عام 1953، لاستمرت إيران في طريقها نحو تحقيق الديمقراطية الكاملة، ولأصبحت خلال المرحلة اللاحقة أول دولة ديمقراطية في الشرق الأوسط، وربما أصبحت نموذجاً تحتذي به الدول الأخرى في المنطقة وخارجها، ولا يستبعد أن يغير مجرى التاريخ تماماً، ليس تاريخ إيران أو الشرق الأوسط فحسب، بل تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية والعالم بأسره أيضاً.
إِنَّ التدخل الأمريكي في أوضاع إيران الداخلية عام 1953 يمكن عده نقطة تحول فاصلة في تاريخ القرن العشرين، فبإعادة الشاه محمد رضا بهلوي إلى العرش، تسببت واشنطن في إيقاف تقدم إيران نحو الديمقراطية، وقد حكم الشاه بنظام القمع طوال خمسة وعشرين عاماً، وأدت سياسة القمع تلك إلى الانفجار الذي حدث في عام 1979 الذي عرف فيما بعد بالثورة الإسلامية، فقد أتت تلك الثورة إلى السلطة بمجموعة من رجال الدين المتنورين الذين عارضوا سياسات الغرب وأطماعهم الاستعمارية في إيران وعملوا جاهدين على تقويض المصالح الأمريكية ليس في منطقة الخليج العربي فحسب، بل في جميع أنحاء العالم.