If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
في القسم الثالث يؤكد حقي في بدايته على أهمية الاهتمام بخصوصية فن العمارة لأنه "فن من أروع الفنون وأقدمها وأشدها التصاقا بالأرض والتاريخ والإنسان، بمعيشته وأحلامه" ويعرض بسرعة لقطات عالمية للآراء الأدبية التي رسخت صورا معينة عن سمات مساكن الطبقات المختلفة كمساكن الطبقة الشعبية في إنجلترا على غرار ما أورده الكتاب الثائرون (أمثال ديكنز) والتي دفعت الجميع للاعتقاد أن مساكن البسطاء لا تكون إلا "دور قذرة منتنة مظلمة، غارقة في الرطوبة، محرومة من الشمس والهواء" ولفت النظر أيضا إلى أن الأمراء الذين يهتمون بالتقليد والمحاكاة في بناء قصورهم (كقصر "فرساي") إنما يضيفون إلى التعب "معِّرة التقليد وضياع الطابع المحلي" يستعرض بعد ذلك أنواع العمارة المصرية التي خلفتها القرون الوسطى: الأول هو الحوش "كحوش أيوب بك وحوش بردق" والنوع الثاني وهو الرَبْع كربع المغربلين مثلا، ثم يشير إلى نشأة أحياء باسم "الخرطة" "خرطة سيدي أبو السعود، وخرطة الإمام الشافعي وغيرها" ثم يعرض لقصور الأغنياء مثل بيت السحيمي وبيت السناري واصفا إياهم بأنهم مساكن مريحة وأصيلة وغير كاذبة في انتمائها لبلدها ثم يلفت النظر إلى ضرورة الالتفات لعمارة النوبة التي ما عرفناها إلا بعد أن أوشكت أن تغرق.
ومن أهم ما يلفت النظر إليه إيضا هو ما يتعرض له فن العمارة في النظام الرأسمالي والاشتراكي؛ ففي الأول يكون "متروك أمرها للمجتمع، حرية فيها خير قليل وشر كثير، وفي الثاني يرى أن "المشكلة تزداد تعقيدا حينما تتولى الدولة عبء البناء" فتنتج أبنية "مكعبة متشابهة تقف كأحجار الدومينو على مد البصر" وأشار في ذلك لتجربة العمارة الصينية التي اختفت منها الزخارف والفنون الصينية المعروفة. يتتبع يحيى حقي في المقال الثاني التيارات التي تنازعت فن العمارة في مصر في محاولة للاهتداء لطابع محلي، التيار الأول هو المصري الفرعوني "الذي روج له مختار بتمثال نهضة مصر" والتيار الثاني هو الطراز العربي الذي "تزعمت وزارة الأوقاف حركة الترويج له في بناء ديوانها" وجرى اتباعه أيضا في بناء المتحف الإسلامي والتيار الثالث المعروف بطراز الموريسك المنحدر إلينا من الأندلس الذي بنيت عليه بعض العمارات في مصر الجديدة وهو "طراز جميل ترتاح له العين، يتمثل في صلح بين التراث والعصر." ينتقل من هذه التيارات الثلاثة التي كانت "تتنازع فيما بينها تنازع السادة المهذبين" إلى تيار آخر "بجح صفيق جلف... كانت وسيلته لفض النزاع هي القضاء على المتنازعين" وهو يقصد بهذا "تيار المسلح، البناء الذي لا يهدف إلى النفع." (فأر تحت سطح من صفيح ساخن 264) متمنيا أن نجد في المستقبل مهندسا "يتصدى لتيار القبح والعذاب وينادي بضرورة التبصُّر، والبحث عن طراز يوافق جونا وأذواقنا" ويكتب ناقدا لمشروع إعادة بناء القرى ومتسائلا: هل بعد أن يهدم البولدوزر الأزقة الضيقة والببوت الطينية سيقوم المهندسون المعماريون ببناء قرى جديدة ترضي ذوق الفلاح المصري؟! يقول: "كم أتمنى أن يقوم الاتحاد الاشتراكي أولا باستفتاء واسع النطاق يسأل فيه أهل القرى عن صورة البيت الجديد المرتسمة في أذهانهم، ثم كم أتمنى أن نسمع أيضا لرأي المهندس المعماري العظيم حسن فتحي، صاحب قرية الجرنة، فلم أعرف أحدا مثله يعشق عمارة مصر العريقة، في المدن والريف، مدافعا عن أصالتها، عن انسجامها مع البيئة وأهلها فيه".