العربية  

books الاستئذان ج2

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

الاستئذان ج2 (Book)


أخبرني صديقٌ قديم، ممن عاشوا تلك الحقبة بمرارتها وعنفوانها، أنه ذهب يوماً إلى السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره)، يحمل في صدره قلقاً وتطلعاً لمواجهة الظلم. طلب منه الإذن بالانتماء إلى تنظيم في أحد أحزاب المعارضة العراقية التي كانت تنشط آنذاك، ظناً منه أن الخلاص لا بد أن يمر عبر دهاليز العمل الحزبي التقليدي.
كان ذلك في أروقة النجف الأشرف، وحيث كانت أنفاس الدكتاتورية تلاحق حتى الأحلام في تسعينيات القرن الماضي، دار حوارٌ لم يكن مجرد استشارة عابرة، بل كان تأسيساً لوعيٍ جديد سيهز أركان الصمت لسنوات طويلة.
فما هو جواب مولانا الشهيد الصدر؟
نظر إليه الصدر بعينين يملؤهما اليقين، وبابتسامة من أدرك سرّاً غاب عن الكثيرين، وقال له بلهجة الواثق المسدد:
"لماذا تبحث عن تنظيمٍ بشري محدود؟
نحن لدينا تنظيمنا الخاص، تنظيمٌ لم تؤسسه الأهواء أو الصدف السياسية، بل أسسه الرسول محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) في 'يوم الدار' حين أعلن دعوته الأولى.
نحن 'التنظيم الناطق'، ولدينا منهجنا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو القرآن الكريم.
أما فروعنا الحزبية وشعُبنا التنظيمية فهي 'المساجد' المنتشرة في كل حي وزقاق، واجتماعنا التنظيمي الأسبوعي الأكبر هو 'صلاة الجمعة' التي نلتقي فيها لنقوي العزائم ونوحد القلوب.
أما القيادة، فلا يقودنا بشرٌ يصيب ويخطئ، بل قائدنا والأمين العام لتنظيمنا هو صاحب الزمان، الإمام المهدي (عجل الله فرجه)".
كانت هذه الكلمات بمثابة "انفجار معرفي" في عقل ذلك الصديق. لقد أعاد الشهيد الصدر صياغة مفهوم العمل الجماعي، محولاً إياه من طقس سياسي سري محاصر بالخوف، إلى حركة اجتماعية وروحية هادرة تكتسب شرعيتها من السماء وقوتها من الجماهير.
لقد أعاد الشهيد الصدر صياغة مفهوم العمل الجماعي، محولاً إياه من طقس سياسي سري محاصر بالخوف، إلى حركة اجتماعية وروحية هادرة تكتسب شرعيتها من السماء وقوتها من الجماهير.

إن فكرة "التنظيم الناطق" التي نذر الشهيد الصدر نفسه لها، لم تكن مجرد رد فعل على قمع نظام البعث (الهدام)، بل كانت استعادةً لمنهج الأنبياء في التغيير. لقد رأى الصدر أن "الحوزة الناطقة المجاهدة" هي الكيان الذي تأسس منذ اللحظة التي باشر فيها النبي (ص) إعلان دعوته للمجتمع.
هذا التنظيم لا ينتظر الناس ليأتوا إليه سائلين، بل هو الذي "يدق أبوابهم" كما فعل النبي في رسائله لزعماء العالم، وكما فعل الصدر حين طرق أبواب المهمشين والمنسيين، وحتى "الغجر" في أطراف المدن، ليخرجهم من ظلمات التيه إلى نور الهداية.
في ذلك الوقت، كانت المعارضة في الخارج تعيش في صالوناتها السياسية، بعيدةً عن نبض الشارع العراقي، تفتقر إلى المنهج والقاعدة الشعبية الحقيقية، واختصرت مشروعها في "معارضة شخص"، لذا فشلت في بناء "الإنسان" بعد زوال ذلك الشخص. أما "تنظيم الصدر"، فقد صار يبني "البنيان المرصوص"، محولاً الفرد من "لا منتمي" ضائع في حفرة القلق والعدمية، إلى "رسالي" يشعر بالمسؤولية تجاه الكون. لقد كان مشروعاً لامتناهياً، يبدأ بتطهير النفس وينتهي بتهيئة الأرض للعدل الإلهي، وهو ما جعل هذا التنظيم يستمر ويتصاعد حتى بعد رحيل جسد الصدر، ليصبح اليوم هو القوة الأكثر تأثيراً في الساحة العراقية، مقاومةً للاحتلال ومعارضةً للفساد.
لقد كان مشروعاً لامتناهياً، يبدأ بتطهير النفس وينتهي بتهيئة الأرض للعدل الإلهي، وهو ما جعل هذا التنظيم يستمر ويتصاعد حتى بعد رحيل جسد الصدر